شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الحكومة بين التكليف والتنفيذ ..

الحكومة بين التكليف والتنفيذ ..

من الطبيعي أن تكون أرقام استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية بهذا الشكل الذي خرجت به بمناسبة إكمال الحكومة لعامين من تاريخ تشكيلها والتي أشرت على ارتفاع فعلي على مقطع الثقة برئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان ثم فريقه الوزاري على مختلف مستويات القطاعات الشعبية والنخبوية التي خاطبها الاستطلاع ، لأن الشمس لا تغطى بغربال فإنجاز الحكومة واضح أمام كل الأردنيين.عندما كلف الملك عبدالله الثاني الدكتور جعفر حسان بتشكيل الحكومة، شدد في كتاب التكليف على مفاصل هامة في المسيرة الوطنية على طريق إتمام مشروع التحديث الشامل على المستوى السياسي والاقتصادي والإداري ، بموازاة التركيز على أهمية إنجاز الحكومة للمشاريع الوطنية الكبرى في مقدمتها الناقل الوطني ، مع استمرار العمل على تحقيق الأمن الغذائي، وأفسح كتاب التكليف مساحة واسعة بضرورة الاهتمام بالعمل على تحسين التعليم والصحة والتخفيف على المواطنين والتغلب على المشاكل والمعيقات في هذين المرفقين اللذان يشكلان أهمية كبرى في حياة الأردنيين اليومية ..وأهم ما جاء في كتاب التكليف السامي أنه طالب الحكومة بالتنفيذ الفعلي وتحديد الأجندة الزمنية الواضحة ووجوب عدم الاكتفاء بتحديد الأهداف.وعند الحديث عن ما أنجزت الحكومة خلال العامين الماضيين بضوء ما ورد في كتاب التكليف الملكي، نجد أن العمل الميداني كان العنوان الأبرز، فمنذ اليوم الأول، اختار رئيس الوزراء أن يكون في الميدان، وأن يجعل منه منطلقاً لعمل حكومته ومكاناً لمتابعة ما تقرره.. فحضور الرئيس المتواصل في المحافظات والمواقع الخدمية انعكس على أداء الفريق الوزاري أيضاً، فتكثفت جولات الوزراء واتسعت متابعتهم المباشرة للملفات، حتى أصبح النزول إلى الميدان جزءاً ثابتاً من إيقاع العمل الحكومي.لم يكن هذا الحضور مجرد جولات تنتهي عند مغادرة المكان، بل ارتبط بملفات ومشكلات تراكم بعضها على مدى سنوات، وبخدمات تمس حياة الناس كل يوم؛ من المدرسة والمستشفى إلى الطريق والنقل والمرافق البلدية والشبابية والرياضية...دخل رئيس الوزراء في تفاصيل هذه الملفات، وتابعها مع الوزراء والمسؤولين، ثم عاد إلى المواقع نفسها ليرى ما أُنجز وما بقي قيد التنفيذ.هكذا أخذ الميدان معناه الحقيقي في الأداء الحكومي الفعال واكتسب معناه الحقيقي حين تحولت الملاحظات إلى قرار، والقرار إلى عمل، والعمل إلى نتيجة يلمسها الناس.هذا ما ظهر حين عاد رئيس الوزراء إلى المواقع التي سبق أن زارها ولم تكن العودة تكراراً للزيارة الأولى، بل استكمالاً لها؛ الأولى كشفت الحاجة، وما بينها وبين الثانية كان وقت العمل والتنفيذ، أما الثانية فجاءت لتقف على ما تغير.ولأن قيمة النهج الميداني تُختبر أولاً في الخدمات التي لا يستطيع المواطن تأجيل حاجته إليها، كان طبيعياً أن تحتل الصحة والتعليم جانباً مهماً من هذه المتابعة، حيث شهد القطاع الصحي حالة عصف واضحة على مستوى المستشفيات والمراكز الصحية لمسها المواطن بشكل واضح ، وما ينطبق على الصحة ينطبق بالقدر نفسه على التعليم ، فقد امتدت التدخلات إلى صيانة المدارس وتوسعتها وتطوير مرافقها وإنشاء مدارس جديدة في المناطق التي تحتاجها. هنا تحديداً يصبح الحديث عن تحسين الخدمات أكثر قرباً من الناس؛ فالاكتظاظ المدرسي ليس رقماً في تقرير، مثلما أن نقص الطاقة الاستيعابية في المستشفى ليس مؤشراً مجرداً ، كلاهما مشكلة يعيشها المواطن، وأي تحسن فيهما يصل أثره إليه من دون حاجة إلى كثير من الشرح.غير أن الاقتراب من حياة الناس لم يتوقف عند المرافق العامة ، فهناك أعباء أخرى لا تقل حضوراً في يوميات الأسرة، من ترخيص المركبة إلى المسقفات والضرائب والرسوم. ولهذا حملت الشهور الأولى من عمر الحكومة مجموعة قرارات استهدفت ملفات مالية وإجرائية تمس شريحة واسعة من المواطنين.في تشرين الثاني 2024، قرر مجلس الوزراء إعفاء المركبات المنتهي ترخيصها لعدة سنوات من كامل الغرامات المستحقة عليها، وشملت التسهيلات المركبات التي مضى على انتهاء ترخيصها أكثر من عام، بإعفائها من رسم الاقتناء عن السنوات السابقة ورسوم إعادة التسجيل ضمن المدة المحددة ، ولم يبق ملف المركبات عند هذا الحد، إذ جاءت لاحقاً تخفيضات على العبء الضريبي، إلى جانب تخفيض رسوم التراخيص والتصاريح لمشغلي وسائل النقل العام بنسبة 50 في المئة.وبالقدر نفسه، وصل التخفيف إلى التزامات أخرى ظلت حاضرة في حسابات الأسر ، مثل الإعفاءات من غرامات المسقفات وخصومات على الضرائب والرسوم والعوائد البلدية، حتى ملف الرديات الضريبية المتراكمة، الذي بقي سنوات ينتظر المعالجة، تحرك هو الآخر ، ففي شباط 2025، وُجّه الرئيس بصرف كامل رديات ضريبة الدخل المستحقة عن الأعوام 2020 و2021 و2022، ونصف رديات عام 2023، مع توفير 26 مليون دينار للبدء بتسديد المبالغ المتراكمة.قد لا تنافس هذه القرارات مشروعاً بمليارات الدنانير في حجمها، لكنها تمس المواطن في مساحة شديدة الحساسية: جيبه والتزاماته الشهرية. فبين رسوم مركبة وضريبة منزل وردية مالية مستحقة تتشكل أعباء حقيقية على الأسرة ، ومعالجة هذه الملفات بالتوازي مع الخدمات أعطت الحكومة وجهاً آخر، يقوم على التعامل مع التفاصيل الصغيرة بحجم أثرها على الناس، لا بحجمها في الموازنة العامة.لكن إدارة اليومي لم تحجب الملفات التي يتوقف عليها مستقبل الاقتصاد والدولة. فبينما كانت الحكومة تتحرك في المدارس والمستشفيات والبلديات، كانت أمامها في الوقت نفسه مشاريع ظلت لسنوات حاضرة في الخطط والدراسات، من دون أن تبلغ دائماً النقطة التي يصبح عندها التنفيذ أمراً واقعاً.لهذا أخذت متابعة رؤية التحديث الاقتصادي منحى أكثر ارتباطاً بالمواعيد والإنجاز ، ففي شباط 2025، أقر مجلس الوزراء البرنامج التنفيذي المحدث للرؤية بعد مراجعة البرامج والمبادرات القائمة، ومعالجة ما تأخر منها، وربط المشاريع بمسؤوليات ومؤشرات وجداول زمنية أكثر وضوحاً. ثم جاء البرنامج التنفيذي للأعوام 2026-2029 حاملاً 392 مشروعاً، مع استثمارات متوقعة بالشراكة مع القطاع الخاص تقترب من عشرة مليارات دينار.في قلب هذه الخريطة الاقتصادية، يقف مشروعان يتجاوز أثرهما سنوات الحكومة نفسها، الناقل الوطني للمياه وسكة حديد ميناء العقبة الذي أصلح واقعا على الأرض. كلاهما أمضى سنوات طويلة في الدراسات والمفاوضات والإجراءات، وكلاهما يرتبط بمسألة استراتيجية لا تحتمل التأجيل؛ الأول بأمن الأردن المائي، والثاني بكفاءة منظومة النقل والخدمات اللوجستية وحركة التعدين والصادرات.فحين أعلنت الحكومة في نيسان 2026 إنجاز المراحل الأساسية والخطوات الحاسمة اللازمة لإطلاق العمل في المشروعين، كانت الأهمية في الانتقال الذي تحقق أكثر منها في الإعلان ذاته. فالناقل الوطني ظل طويلاً واحداً من أكثر المشاريع إلحاحاً في بلد يعاني شحاً مائياً قاسياً، فيما تحمل سكة حديد العقبة فرصة لإعادة بناء جزء مهم من منظومة النقل وربط الميناء بصورة أكثر كفاءة بمراكز الإنتاج والتعدين.ولا تكتمل صورة التنمية إذا بقيت المشاريع الكبرى بعيدة عن المحافظات التي يفترض أن يصل إليها أثرها ، لذلك حملت حركة الحكومة خلال العامين اهتماماً واضحاً بإعادة المحافظات إلى صلب القرار، سواء من خلال الجولات المتكررة أو عقد جلسات لمجلس الوزراء خارج العاصمة، بما أتاح طرح الاحتياجات المحلية في المكان الذي توجد فيه، لا بعد اختصارها في كتب ومراسلات تصل إلى عمّان.هناك ظهرت ملفات قد تبدو أصغر على الورق، لكنها كبيرة في حياة المجتمعات المحلية: مشروع زراعي يوفر دخلاً، منشأة صناعية تخلق فرص عمل، موقع سياحي يمكن أن ينعش منطقة كاملة، مركز تدريب يمنح الشباب مهنة، أو مرفق رياضي وشبابي يعاد إلى الخدمة. الجولة الأخيرة لرئيس الوزراء في شرق المملكة أعادت أيضاً تسليط الضوء على مناطق تملك إمكانات سياحية واقتصادية لم تأخذ طويلاً نصيباً يوازي ما تختزنه من فرص.بين المشاريع الكبرى والتفاصيل المحلية، بقيت الحماية الاجتماعية ضرورة لا يمكن فصلها عن أي حديث اقتصادي ، فالنمو والاستثمار يفقدان جانباً من معناهما إن بقيت الفئات الأكثر حاجة خارج دائرة الحماية. لذلك شهد مطلع 2026 إجراءات مرتبطة بتأمين مرضى السرطان وديون الجامعات والنقل العام بين المحافظات، بالتزامن مع استمرار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية.إذ تكشف موازنة 2026 حجم هذا الالتزام، مع تخصيص 124 مليون دينار لتأمين علاج السرطان، و280 مليون دينار للحماية الاجتماعية، إلى جانب مخصصات لدعم الخبز والأعلاف وأسطوانة الغاز وزيادة الإنفاق على الأدوية والمستلزمات الطبية. ليست القضية هنا في جمع أرقام إضافية إلى سجل الحكومة، بل في إبقاء شبكة الأمان قائمة بالتوازي مع الإنفاق على الاستثمار والمشاريع طويلة الأمد.بعد نحو عامين، لا تبدو حصيلة حكومة الدكتور جعفر حسان مجموعة ملفات منفصلة بقدر ما تبدو محاولة لربط مستويات العمل الحكومي بعضها ببعض ومعالجة الخدمة اليومية، وتخفيف الأعباء المباشرة، وتحريك الاقتصاد، ودفع المشاريع الكبرى، مع إبقاء المحافظات في قلب المتابعة.. فالمواطن في النتيجة لا يعيش داخل جداول البرامج التنفيذية، ولا يقيس أداء الحكومة بعدد الاجتماعات التي عقدتها ، مقياسه أبسط وأقسى في الوقت نفسه: مدرسة ابنه، والمستشفى الذي يعالجه، والطريق الذي يسلكه، والحافلة التي ينتظرها، والضريبة التي يدفعها، وفرصة العمل التي يبحث عنها.لهذا تختصر حصيلة العامين في صورة أوسع من قائمة الإنجازات. إنها صورة حكومة جعلت الميدان جزءاً من عملها اليومي، وفتحت ملفات خدمية ظلت عالقة، واتخذت قرارات وصلت مباشرة إلى التزامات الناس، فيما دفعت كما أشرت مشاريع وطنية طال انتظارها إلى مراحل التنفيذ ، وبين مدرسة في قرية والناقل الوطني للمياه فارق هائل في الحجم والكلفة، لكن المسافة بينهما تضيق حين يكون المعيار واحداً أن يصل أثر القرار إلى حياة الناس، وأن يصبح ما كُتب في الخطط شيئاً يمكن رؤيته على الأرض وهذا ما حرص عليه الرئيس..

المصدر: عمون