بيرلا حمود في لغز الألوان… هل يغيب الجمال حين نكفّ عن رؤيته؟
ماذا يحدث لو استيقظ طفل واكتشف أن العالم يفقد ألوانه، فيما يواصل الآخرون حياتهم كأن شيئاً لم يتغيّر؟ من هذا السؤال تصنع بيرلا حمود مغامرتها في "لغز الألوان"، الكتاب الذي ألّفته ورسمته وهي في السابعة عشرة. تمنح طفلاً صغيراً مسؤولية الانتباه إلى ما يغيب، وتترك له ولأصدقائه فرصة البحث عن طريقة لاستعادته.
صدر الكتاب بالعربية والفرنسية عن "دار المجمّع الإبداعي"، حاملاً عنوان "Le Mystère des Couleurs". وبين نصّه ولوحاته، تقدّم الشابة اللبنانية تجربة تلتقي فيها رغبتها في الحكي بشغفها بالرسم، وتقترب من عالم الأطفال عبر فضولهم ومخاوفهم وقدرتهم على الدهشة.
طفل يرى ما لا يراه الآخرون
بطل القصة تيم، في السابعة، يحب الطبيعة ويفتح ستائر غرفته كل صباح ليتأمل المشهد أمامه. تنطلق الحكاية من هذه العادة البسيطة: طفل ينظر جيداً إلى محيطه، ولذلك ينتبه حين يتبدّل.

يختفي الأحمر أولاً، من سيارة الإطفاء والدعسوقات والفراولة، ثم يتوارى الوردي من غزل البنات والزهور والبالونات. وتتوالى الخسارات يوماً بعد يوم، حتى يصل الغياب إلى الأشجار والشمس والبحر والسماء.
يمنح هذا التدرّج القصة إيقاعها التشويقي، فكل يوم يحمل سؤالاً جديداً، وكل صفحة تدعو القارئ الصغير إلى مراقبة ما تغيّر. ويتجاوز فقدان اللون حدود المشهد، حين تبدو قطعة البرتقال غريبة المذاق، كأن العالم يخسر شيئاً من ألفته أيضاً.

لكن اللحظة الأكثر مساساً بمشاعر تيم تأتي حين يخبر أصدقاءه فلا يصدّقونه. يستمرون في يومهم، فيما يجد نفسه وحيداً أمام لغز يراه واضحاً. هنا تلامس القصة حاجة الطفل إلى من يأخذ ملاحظاته على محمل الجد، ويصغي إلى قلقه قبل أن يطمئنه.
الرسوم تروي بدورها
تبدو صلة بيرلا بالرسم أساسية في بناء الكتاب. فاللوحات الواسعة تتيح متابعة انحسار الألوان تدريجياً: تفاصيل تفقد حيويتها، وأشجار تبهت، ومدينة تستسلم للرمادي، وصولاً إلى قوس قزح غابت عنه ألوانه.

وتتكرّر النافذة بوصفها موقعاً للمراقبة، لكنها تصبح أيضاً مقياساً للتحوّل. المشهد الذي كان يمنح تيم فرح بداية النهار يصير مصدراً للقلق، قبل أن يخرج من غرفته بحثاً عن إجابة.
بهذا التبادل بين النص والصورة، يستطيع الطفل أن يقرأ ما يجري بعينيه أيضاً، وأن يعود إلى الصفحات ليتتبّع أثر كل لون. وتمنح العربية والفرنسية الحكاية مسارين للقراءة، فيما تحفظ الرسوم وحدتها البصرية.
عند نهاية قوس القزح
يتحوّل البحث إلى مغامرة مشتركة حين ينضم عدنان وتيا وبيرلا إلى تيم. واللافت أن إحدى الشخصيات تحمل اسم المؤلفة نفسها، وتشارك في الحوار الذي يمهّد لعودة الألوان.

عند نهاية قوس القزح، يكتشف الأصدقاء أن الألوان رحلت لأنها شعرت بالإهمال. البيوت تفتقر إلى البهجة، والزهور والثمار متروكة بلا عناية. يصبح اللغز سؤالاً عن علاقتنا بما يحيط بنا: كم من الأشياء نفترض أنها ستبقى جميلة، من دون أن نفعل شيئاً لحمايتها؟

تعتمد الخاتمة حلاً بسيطاً يناسب قرّاءها: الإصغاء، والتعبير عن المحبة، والوعد بالاهتمام. ويأتي الحل عبر تعاون الأصدقاء، بعدما بدأ القلق فردياً. فما عجز تيم عن فهمه وحده، صار قابلاً للمواجهة حين صدّقه الآخرون ورافقوه.
موهبة تحتاج إلى فرصة
تكتسب التجربة بُعداً إضافياً من مقدّمة الناشرة تهاني نصّار، التي تروي لقاءها ببيرلا وحماستها لإنجاز القصة بنفسها، فكرةً ونصاً ورسومات. وتستعيد حديث الشابة عن رغبتها في الدراسة خارج لبنان وشعورها بضيق الفرص أمام جيلها.
من هنا، يحمل احتضان المشروع معنى يتجاوز إصدار كتاب. فدار النشر، التي تخوض به تجربتها الأولى في أدب الأطفال، تمنح صاحبة الموهبة دليلاً عملياً على إمكان إنجاز شيء هنا.
وتأتي هذه الخطوة بعد تجربة بيرلا السابقة في"يامن وسرّ الكنز". وبحسب حديثها عن إعداد العمل الجديد، كان عليها التوفيق بين الكتابة باللغتين وإتمام الرسومات في وقت ضيّق قبل المعرض.
وتوقّع بيرلا "لغز الألوان" اليوم السبت، عند الخامسة عصراً، في جناح الدار بمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب. هناك، تلتقي شابة بقرّائها الصغار، بعدما وضعت بين أيديهم سؤالاً يستحق أن يرافقهم: كيف نحافظ على ألوان عالمنا قبل أن نفتقدها؟
المصدر: النهار