الفخار في مكة المكرمة يحتفظ بمكانته التراثية رغم تغير أنماط الحياة
ارتبط الفخار قديمًا بتفاصيل الحياة اليومية في مكة المكرمة، حيث كان جزءًا من ذاكرة البيوت المكية وممارسات أهلها في حفظ الماء وتخزين الأطعمة وتقديم الطعام، قبل أن تتغير أنماط الحياة مع انتشار الأجهزة الكهربائية والأواني الحديثة، ويتراجع استخدامه اليومي لصالح حضوره التراثي والجمالي. لم تكن الأواني الفخارية مجرد أدوات للاستعمال، بل كانت تلبي احتياجات الأسر بوسائل بسيطة تتناسب مع ظروف الحياة آنذاك، إذ تنوعت أشكالها وأحجامها بحسب الغرض منها، مثل حفظ مياه الشرب أو تخزين المواد الغذائية أو تقديم الطعام، ما يعكس معرفة الإنسان بخصائص المواد الطبيعية وقدرته على توظيفها. من أبرز الأواني الفخارية التي عرفتها البيوت المكية "الزير" المستخدم لحفظ مياه الشرب، حيث ساعدت طبيعته المسامية على تبريد الماء قبل انتشار الثلاجات. كما انتشرت مشربيات الماء الفخارية التي وضعت في أماكن يسهل الوصول إليها لتيسير شرب الماء على أفراد الأسرة والضيوف، وأسهمت في إبقاء الماء أبرد نسبيًا بفضل خاصية التبخر. وامتد دور الفخار إلى حفظ الأطعمة وبعض المواد الغذائية، إذ استُخدمت أوانٍ فخارية لتخزين الاحتياجات اليومية، كما استُخدمت الأطباق الفخارية في تقديم الطعام، ما عكس بساطة الأدوات المنزلية وتعدد وظائفها في تلك الفترة. مع دخول الكهرباء وانتشار الثلاجات والأواني الحديثة المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ والزجاج والسيراميك، تراجعت مكانة الفخار من الاستخدام اليومي إلى الحضور التراثي. شهدت المطابخ تحولًا في أدوات حفظ الطعام وتقديمه، وأصبحت الأواني الفخارية أقل حضورًا بعد أن كانت من مقتنيات البيوت الأساسية. في المقابل، وجدت الأواني الفخارية طريقها إلى الاستخدامات الجمالية في المنازل المكية المعاصرة، حيث تُستخدم للزينة والديكور وتعرض في المجالس والمداخل، ما يضفي طابعًا تراثيًا يعكس الاعتزاز بالموروث الشعبي وذاكرة المكان. ورغم تراجع الاستخدام اليومي للفخار، بقيت أوانيه حاضرة في الذاكرة الشعبية، وتُمثل جانبًا من الموروث المادي الذي يستحق التوثيق لما يكشفه من مهارات الصناع التقليديين وتنوع احتياجات المجتمع، كما أن إعادة توظيفها في الديكور يتيح للأجيال الجديدة التعرف على أدوات شكلت جزءًا من حياة الآباء والأجداد. في مكة المكرمة، يظل الفخار شاهدًا على الحياة اليومية الماضية، إذ تجسد أواني الماء والطعام حكاية أدوات بسيطة أدت وظائف متعددة، لتبقى قيمتها في ما تختزنه من ذاكرة المكان وتفاصيل الحياة المكية عبر الزمن.
المصدر: عاجل