فصل جديد من التوتر يطغى على علاقات الجزائر بمدريد
يترقب متتبعو قضية رجل الأعمال الجزائري أيوب عيسيو، الموقوف بإسبانيا، حسم المحكمة الوطنية الإسبانية طلب تسليمه، على أثر الرأي المعلل الذي أصدرته النيابة العامة الإسبانية بخصوص سلامة الأدلة المقدمة من طرف القضاء الجزائري حول تهم الفساد، والتي شكلت أساساً لإدانته غيابياً بالسجن 20 سنة. وأفادت الصحيفة الإلكترونية الإسبانية التي تهتم بالأخبار والتحقيقات الصحافية «ذا أوبجكتيف»، السبت، بأن النيابة العامة لدى المحكمة الوطنية رفضت طلب السلطات الجزائرية تسليم رجل الأعمال والمعارض الجزائري أيوب عيسيو، موضحة أنها رأت أن عدداً من الجرائم التي استندت إليها الجزائر في طلب التسليم «سقطت بالتقادم». كما لا تتوفر، حسبها، أدلة كافية تدعم اتهامات غسل الأموال، مؤكدة أن هذه المعلومات استقتها من عيسيو نفسه، الموجود حالياً في إسبانيا تحت الرقابة القضائية. ويأتي موقف النيابة، وفق «ذا أوبجكتيف»، بعكس ما تريده الجزائر التي تسعى منذ سنوات إلى استعادة رجل الأعمال، المحسوب على فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019)، وممارسات الفساد التي ميزتها. يؤكد عيسيو، الذي يمثله المحامي الإسباني سيزار أغيري، أن طلب تسليمه «يأتي في إطار ملاحقة سياسية»، حسب الصحيفة الإلكترونية، التي لفتت إلى أن المحكمة الوطنية الإسبانية «يتعين عليها الآن أن تقرر ما إذا كانت ستوافق على طلب التسليم أو ترفضه نهائياً»، من دون أن تشير إلى ما إن كانت حددت تاريخاً لجلسة صدور القرار. وتم الكشف عن المستجدات، الجمعة، وهي تتعلق بالحجج القانونية التي استندت إليها النيابة العامة بشأن طلب التسليم؛ إذ درست الاتهامات المتعلقة بـ«غسل الأموال»، و«تزوير الوثائق الرسمية»، وخلصت إلى عدم وجود أدلة كافية تدعم «غسل الأموال»، في حين سقطت جرائم أخرى محتملة بالتقادم، بحسب «ذا أوبجكتيف». في غضون ذلك، طلب محامو رجل الأعمال إعادة جواز سفره، ومراجعة التدابير الاحترازية المفروضة عليه عقب الإفراج عنه. ويؤكد عيسيو أنه سيظل تحت تصرف السلطات القضائية الإسبانية، وسيلتزم بجميع الواجبات التي قد تُفرض عليه، موضحاً أنه لم يفقد ثقته بالمؤسسات الإسبانية، وقال: «شعرت منذ اليوم الأول الذي مثلت فيه أمام القضاء الإسباني بالاطمئنان إلى استقلاليته... كنت أثق به منذ اليوم الأول، وما زلت أثق به الآن»، وفق ما نقلت عنه نفس الصحيفة. وأُوقف رجل الأعمال، البالغ من العمر نحو أربعين عاماً، في 25 يوليو (تموز) الماضي بمطار برشلونة، لدى عودته من المغرب. وفي 4 سبتمبر (أيلول) أُفرج عنه بناء على طلب النيابة العامة، مع إخضاعه لتدابير احترازية بديلة عن الحبس الاحتياطي، شملت سحب جواز سفره، ومنعه من مغادرة الأراضي الإسبانية، وإلزامه بإخطار المحكمة بأي تغيير في محل إقامته، فضلاً عن المثول أمامها مرة كل أسبوعين. ومنذ الإفراج عنه، ظل سؤال يتردد داخل الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية: كيف ستكون تداعيات قرار المحكمة الإسبانية تثبيت رفض تسليمه على العلاقات بين مدريد والجزائر؟ في تقدير مهتمين بهذا الملف، يفتح رفض النيابة الإسبانية طلب تسليم عيسيو الباب لفصل جديد من التوترات بين البلدين، ويغلق قوس انفراجة قصيرة بعد الأزمة التي اندلعت في 2022 إثر اعتراف مدريد بسيادة المغرب على الصحراء؛ إذ علقت الجزائر كل أشكال التعاون مع الجارة المتوسطية، إلى حد لامست فيه العلاقات القطيعة. ووقعت في الأيام الأخيرة تطورات جديدة عززت احتمالات عودة التوتر. فبحسب «ذا أوبجكتيف» نفسها، أبلغت مدريد الجزائر منذ أسبوع قرارها تأجيل القمة التي كانت مقررة بين رئيس الحكومة بيدرو سانشيز والرئيس عبد المجيد تبون، بمناسبة انعقاد «اللجنة الكبرى للتعاون المشترك» يومَي 21 و22 من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بالعاصمة الإسبانية. ورأت الصحيفة أن هذا التأجيل من شأنه أن يشعل أزمة دبلوماسية مع الجزائر، خصوصاً أنه يأتي حسبها «في ظرف حساس للغاية بالنسبة لإسبانيا؛ إذ إن هذا القرار تجاه السلطات الجزائرية قد يتزامن مع احتمال رد فعل من المغرب بسبب زيارة ملك إسبانيا وملكتها إلى سبتة ومليلية يومَي 13 و14 أكتوبر الحالي». بكلام آخر، يُفهم إرجاء القمة بين سانشيز وتبون بأنه مسعى من مدريد لتجنب إثارة غضب الرباط. قبل أن يصبح أحد أبرز خصوم الحكومة الجزائرية، كان عيسيو قد أسس مجموعة اقتصادية كبيرة تنشط في قطاعات الصناعات الغذائية والبناء والصناعات الدوائية، وغيرها من الأنشطة. وقد بدأ نشاطه في تسعينيات القرن الماضي كمالك لمطاعم شعبية بالضاحية الجنوبية للعاصمة الجزائرية. ووفقاً للأرقام التي قدمتها المجموعة نفسها، فقد بلغ عدد العاملين لديها نحو 3 آلاف شخص. كما كان يملك قناة تلفزيونية تسمى «الجزائرية وان»، التي تم حظرها، لكن واصلت نشاطها كمنصة رقمية تبث من الخارج محتويات شديدة الانتقاد للسلطات الجزائرية. ويرى رجل الأعمال أن قدرته على التأثير في الرأي العام تفسر الحملة، التي شنتها عليه الحكومة الجزائرية عندما كان محتجزاً، خصوصاً اتهامه بالاتجار في المخدرات، محذراً من أن تداعيات الإفراج عنه على العلاقات بين إسبانيا والجزائر «لا يمكن التنبؤ بها».
المصدر: الشرق الأوسط