تصويت اللجنة الرابعة يعزز الحكم الذاتي أساسا للتفاوض في ملف الصحراء
اعتمدت اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، بحر هذا الأسبوع، مشروع قرار بشأن الصحراء المغربية، بأغلبية 152 صوتا، مقابل رفض دولتين وامتناع سبع دول عن التصويت، ضمن أشغال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة. ويأتي اعتماد المشروع في سياق المسار الأممي الرامي إلى إيجاد حل سياسي للنزاع، في ظل استمرار دعم عدد واسع من الدول للمقاربة القائمة على التفاوض تحت رعاية الأمم المتحدة. ويعيد مشروع القرار التأكيد على دعم عملية المفاوضات التي انطلقت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1754 لسنة 2007، واستمرت عبر القرارات اللاحقة للمجلس، وصولا إلى القرار 2797 الصادر في أكتوبر 2025، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين. كما يرحب المشروع بالتزام الطرفين بمواصلة إبداء الإرادة السياسية والعمل في مناخ ملائم للحوار، تمهيدا للانتقال إلى مرحلة جديدة من المفاوضات المكثفة بحسن نية ودون شروط مسبقة. وفي هذا السياق، يدعو النص جميع الأطراف ودول المنطقة إلى التعاون بشكل كامل مع الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، وإلى مواصلة الانخراط في الجهود الرامية إلى تسوية النزاع عبر المسار السياسي. كما يهيب بالطرفين التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واحترام الالتزامات المترتبة عنهما بموجب القانون الدولي الإنساني. ويطلب مشروع القرار من اللجنة الخاصة المعنية بحالة تنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة مواصلة النظر في قضية الصحراء وتقديم تقرير بشأنها إلى الجمعية العامة في دورتها الثانية والثمانين؛ فيما يدعو الأمين العام إلى تقديم تقرير حول تنفيذ القرار ذاته. حري بالذكر أن اعتماد النص، في هذا الإطار، يكرس استمرار الملف ضمن آليات الأمم المتحدة، مع إبقاء التسوية السياسية والتفاوضية في صلب الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء النزاع. تعقيبا على ذلك، قال سعيد بوشاكوك، باحث مهتم بقضايا التنمية والمجال، إن العودة إلى التاريخ، وفي إطار استكمال الوحدة الوطنية للمملكة المغربية، تبرز أن المغرب كان المبادر والفاعل الوحيد والرئيسي الذي وضع ملف وضعية أقاليم سيدي إفني والصحراء المغربية لدى اللجنة الرابعة للأمم المتحدة سنة 1963، قصد تصفية الاستعمار الإسباني وتحريك هذا الوضع الملتبس. ولفت بوشاكوك، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن المغرب، واستثمارا لمسار هذا النزاع الذي طال أمده بتكلفة إنسانية وجيوسياسية باهظة على المنطقة والقارة والعالم، تعامل مع الملف برزانة وحكمة، آخذا بعين الاعتبار موازين القوى، وخاصة قوى الصراع خلال فترة الحرب الباردة. وأوضح الباحث المهتم بقضايا التنمية والمجال أن التحولات الكبرى التي عرفها الملف منذ بلورة المغرب مقترح الحكم الذاتي سنة 2007، ولا سيما صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025، أكدت أن الحكم الذاتي يشكل قاعدة وأساس التفاوض بين أطراف النزاع؛ وهو ما دفع المغرب، التزاما منه مع منظمة الأمم المتحدة، إلى تحيين هندسة المبادرة وإرادته في التعاون من أجل ترسيخ حل واقعي ومستدام للنزاع، عكس باقي الأطراف التي ما زالت، وفق تعبيره، لم تنخرط في هذه التحولات ولم تستوعبها. وأكد بوشاكوك أن التصويت على قرار اللجنة الأممية، الذي جرى الخميس، تضمن جوهر قرار مجلس الأمن الدولي 2797، موردا أن هذا التحول الجديد يعزز الطرح المغربي الذي حظي بتأييد ومساندة دولية، وخاصة من القوى العظمى. وشدد المصرح لهسبريس على أن هذا التطور يخدم مصالح المملكة المغربية، رغم الطابع الرمزي لقرار اللجنة الرابعة؛ بالنظر إلى ما يكتسيه من قيمة على مستوى صياغة القرار الأممي من لدن مجلس الأمن الدولي، باعتباره صاحب الاختصاص الحصري في الحفاظ على الأمن الجماعي. وفي هذا السياق، أبرز سعيد بوشاكوك أن التصويت يمثل رسالة جديدة مفادها أن العالم استوعب، دون شك، جوهر النزاع وحيثياته الظاهرة والخفية، بعدما أصبح قوام الملف يرتكز على عدالة الطرح المغربي من منظور الواقعية السياسية، القائمة على التاريخ والقانون والجغرافيا والشرعية. من جانبها، سجلت مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن اعتماد اللجنة الرابعة لمشروع القرار المتعلق بالصحراء المغربية لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الذي جاء فيه، مبرزة أن 152 دولة صوتت لصالحه مقابل رفض دولتين وامتناع سبع دول عن التصويت. ونوهت لغزال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن هذه الأرقام تتجاوز الحساب العددي، لأنها تقيس درجة الإجماع الدولي حول المقاربة المغربية بشأن نزاع عمر قرابة نصف قرن، وتكشف ميزان الإرادات داخل المنتظم الأممي في مرحلة تتسم بإعادة ترتيب الأولويات الجيوسياسية، وبتراجع الصبر الدولي إزاء النزاعات المجمدة التي تستنزف الموارد وتعطل التكامل الإقليمي. وأضافت منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن هذه التحولات تعزى إلى التطور الذي عرفه ملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن في أكتوبر 2025، حين تبنى المجلس القرار 2797 الذي رسخ مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا جديا وواقعيا للتفاوض، مرجحة أن اعتماد قرار اللجنة الرابعة يعد امتدادا طبيعيا لتلك الدينامية على مستوى الجمعية العامة. وأوضحت الناشطة الحقوقية أن اعتماد القرار بهذا الحجم من الأصوات يضيف إلى الشرعية الأممية للمسار القائم بعدا كميا ورمزيا يصعب تجاهله، مضيفة أن أول ما لفت نظر الفاعلين المدنيين بالأقاليم الجنوبية هو اتساع القاعدة المؤيدة، باعتبار أن نيل 152 صوتا من أصل عضوية تقارب 193 دولة يعني أن الغالبية الساحقة من الدول، على اختلاف انتماءاتها الجغرافية والسياسية، لا ترى في المسار الأممي الحالي موضوعا للخلاف؛ وهو تنوع يضعف أي محاولة لتصوير القرار كثمرة لتحالف ضيق أو كتوازن ظرفي بين قوى بعينها. وأكدت لغزال أن اقتصار الرفض على دولتين يمثل رقما هزيلا بالقياس إلى مجموع الأعضاء، مشددة على أن الدول السبع الممتنعة لا يمكن تصنيفها خصما، لأن الامتناع في الدبلوماسية الأممية يعبر في الغالب عن تحفظ مبدئي أو إجرائي، أو عن حرص على الحياد، أو عن حسابات ثنائية ترتبط بعلاقات الدولة مع أطراف النزاع؛ وهو ما يقود، وفق تقديرها، إلى استنتاج أن الكتلة الرافضة فعليا شبه معزولة، وأن الفضاء الدبلوماسي الذي كان يتيح لها تعطيل أو تليين النصوص قد تقلص بوضوح. كما عرجت المصرحة على ضرورة التمييز بين وزن الأرقام ووزن الأثر القانوني، مشيرة إلى أن قرارات الجمعية العامة تتخذ طبيعة توصيات وليست ملزمة بالمعنى الذي تتصف به قرارات مجلس الأمن حين تصدر تحت الفصل السابع؛ غير أن قيمتها السياسية والمعيارية كبيرة، لأنها تعكس الرأي العام الدولي المؤسسي، وتستحضر لاحقا في المرافعات الدبلوماسية وفي صياغة المواقف الوطنية وفي تحديد اتجاه العمل الأممي. وعن أبرز مضامين مشروع القرار، أوردت لغزال أن تأكيده دعم المسار التفاوضي الذي ترعاه الأمم المتحدة يحمل دلالتين متكاملتين؛ الأولى تعيد التأكيد على أن الأمم المتحدة هي المرجعية الوحيدة المخولة برعاية البحث عن الحل، والثانية تستبعد أي مسارات موازية أو مبادرات بديلة تحاول الالتفاف على المنظومة الأممية أو إعادة فتح النقاش في مرجعياته. ولفتت المتحدثة الانتباه إلى أن هذه النقطة مهمة للمملكة؛ لأنها ما فتئت تدافع عن فكرة أن الإطار الأممي هو المنتدى الحصري للتسوية، وأن الأمين العام ومبعوثه الشخصي هما الآلية الشرعية لتيسير الحوار. واعتبرت أن تكريس هذه الصيغة في قرار حاز تأييدا واسعا يعزز الموقف القائل إن العملية السياسية لا تحتاج إلى وسطاء جدد أو إلى إعادة تعريف للمهمة، وإنما إلى تفعيل ما هو قائم. وأنهت مينة لغزال حديثها لهسبريس بالتأكيد على أن صيغة الحل السياسي العادل والدائم والمقبول من الطرفين، وإن كانت تقليدية في أدبيات المجلس والجمعية، فإن ثباتها عبر السنين له دلالته؛ فالعدالة لا تقاس بالمعيار القانوني المجرد وحده، والدوام يشترط واقعية الحل، وقبول الطرفين يعني استحالة فرض تسوية من الخارج، وهي ثلاثية تميل في حقيقتها إلى ترجيح منطق التسوية التفاوضية الواقعية على منطق الاستفتاء الذي طرح في مراحل سابقة وأثبتت التجربة تعذر تنفيذه بسبب الخلاف حول هوية الجسم الناخب، بما يؤكد أن الخطاب الأممي تحول تدريجيا من لغة الاستفتاء إلى لغة الحل السياسي الواقعي القابل للتطبيق. يستخلص من هذا السياق المتسارع للأحداث أن اعتماد اللجنة الرابعة للقرار بأغلبية ساحقة يمثل تكريسا للمسار الأممي إطارا وحيدا للتسوية، إذ جاءت دعوته الأطراف ودول المنطقة إلى التعاون الكامل مع الأمين العام ومبعوثه الشخصي لتؤكد أن النزاع لا يختزل في ثنائية المغرب والبوليساريو، وأن للجوار الإقليمي، وفي مقدمته الجزائر وموريتانيا، مسؤولية مباشرة في إنجاح العملية، ويحمل وصف التعاون بالكامل رسالة ضمنية مفادها أن الانخراط الانتقائي أو المشروط لم يعد مقبولا، وأن الغياب عن موائد التفاوض لم يعد موقفا محايدا في نظر الجمعية العامة. كما تبرز عبارة التفاوض بحسن نية ودون شروط مسبقة باعتبارها أدق عناصر النص أثرا، فهي تمنع تحويل الحوار إلى وسيلة للمماطلة، وتجعل جوهر النقاش موضوعا للطاولة لا شرطا لبلوغها، ويخدم ذلك منطق مبادرة الحكم الذاتي بوصفها مقترحا قابلا للتفاوض، ويضع كل طرف متمسك بسقف مسبق في موقع حرج أمام إجماع دولي واسع، فتغدو كلفة الغياب أعلى من كلفة الحضور. أما طلب مواصلة لجنة إنهاء الاستعمار دراسة الملف وتقديم تقرير إلى الدورة الثانية والثمانين، فيبقى ذا طابع إجرائي يحافظ على الصيغة المؤسسية التقليدية التي يجب أن تتغير، لأن في استمرارها حنينا إلى سرديات تصفية الاستعمار التي ظلت غير ذات موضوع بالنسبة لملف نزاع الصحراء المغربية؛ وهو ما يفرض تضافر الجهود الدبلوماسية والسياسية والمدنية للحيلولة دون توظيف تلك التقارير في إعادة ترجيح مقاربات أخرى.
المصدر: هسبريس