مبادرة الحياد السويسري
أليكسي جيلبير
في أواخر أيلول/ سبتمبر الماضي، دُعي السويسريون إلى التصويت على المبادرة الشعبية "الحفاظ على الحياد السويسري (مبادرة الحياد)". وشهد هذا النقاش مواجهة بين اليمين المتطرف ومختلف القوى السياسية السويسرية، وانتهى برفض المبادرة.
المبادرة الشعبية هي آلية ديموقراطية تتيح للمواطنين اقتراح تعديلات على الدستور السويسري. ولتحقيق ذلك، يتعين على مجموعة من الأشخاص تشكيل لجنة مبادرة تتولى تسجيل المبادرة رسمياً لدى المستشارية الفيدرالية. ومنذ تلك اللحظة، يتعين على اللجنة جمع ما لا يقل عن 100 ألف توقيع خلال 18 شهراً، قبل إحالة المبادرة إلى المجلس الفيدرالي، الذي يمكنه تقديم توصياته بشأن التصويت إلى البرلمان، كما يمكنه طرح مشروع مضاد إذا أراد ذلك.
بعدها، ينظر البرلمان في المبادرة، قبل أن يُدلي الشعب بصوته في المرحلة النهائية التي تحسم مصيرها. أما تصويتا البرلمان والمجلس الفيدرالي، فهما استشاريان ولا يحسمان النتيجة النهائية.
تعود جذور الحياد السويسري إلى عام 1815، حين اعتُمد لحماية تحالف الكانتونات من التهديدات الخارجية المختلفة. وكانت هزيمة سويسرا أمام فرنسا في معركة مارينيانو قد دفعتها إلى التخلي عن أي عمل هجومي. وتمكنت سويسرا من الحفاظ على موقفها المحايد خلال الحربين العالميتين، اللتين رسّختا مبدأ الحياد في هوية البلاد.
وبفضل هذا النهج، بنت سويسرا سمعةً قائمة على الأمن والسلام، ما أتاح لها أن تصبح مقراً للمنظمات الدولية ومكاناً للمفاوضات الديبلوماسية.
ولا يعني مبدأ الحياد الانسحاب الكامل من الساحة الديبلوماسية، إذ تشارك سويسرا بصورة فاعلة في بعض العقوبات الدولية، ولكنها لا تلجأ إلى القوة المسلحة.
وينظّم القانون الدولي مبدأ الحياد، ولا سيما اتفاقيات لاهاي لعام 1907، التي تنص على عدم المشاركة في النزاعات المسلحة بين دول أخرى، وعدم تقديم الدعم العسكري للدول المتحاربة، وعدم السماح لهذه الدول باستخدام الأراضي السويسرية. غير أن هذا المبدأ لا يلغي حق سويسرا في الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لخطر الهجوم.
أما الدستور السويسري، فينص على أن يتخذ البرلمان والمجلس الفيدرالي التدابير اللازمة للحفاظ على حياد البلاد. وتترك هذه الصياغة هامشاً واسعاً للتحرك، وهو ما يفسر اعتماد سويسرا على قرارات الأمم المتحدة، والتزامها بالعقوبات الاقتصادية التي تفرضها المنظمة، ومنها العقوبات المفروضة على روسيا على خلفية حربها مع أوكرانيا.
لكن الحكومة السويسرية لم تفرض عقوبات على روسيا عندما ضمّت شبه جزيرة القرم في مرحلة سابقة، خلافاً للاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من أن المبادرة الشعبية لا تطالب بوقف الالتزام بالعقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة على بعض الدول، فإنها تدعو إلى حظر فرض عقوبات على الدول المتحاربة. كما تطالب، انسجاماً مع مبدأ الحياد المنصوص عليه في القانون الدولي، بمنع المشاركة في التحالفات العسكرية، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، باستثناء الحالات التي يكون فيها خطر التعرض لهجوم قائماً.
وتقول اللجنة التي تقف وراء مبادرة الحياد إن سويسرا يجب أن "تستخدم حيادها الدائم لمنع النزاعات وحلّها". وهي تدافع عن مفهوم للحياد لا يقتصر على عدم التدخل العسكري، بل يشمل أيضاً عدم التدخل الاقتصادي، وهو تحديداً العنصر الذي أشعل الخلاف مع معارضي المبادرة.
وأظهر النقاش السياسي حول هذه المبادرة انقساماً واضحاً بين اليمين المتطرف وبقية القوى السياسية في سويسرا.
وكان حزب الشعب السويسري (UDC)، المحسوب على اليمين المتطرف، أبرز الداعمين للمبادرة، دافع عن مبدأ يعتبره أساسياً في الهوية السويسرية، وشدّد على أهمية عدم الانضمام إلى تحالفات دولية مثل حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي، حفاظاً على استقلال سويسرا.
في المقابل، اصطفّت بقية القوى السياسية السويسرية ضد المبادرة، وهي الحزب الليبرالي الراديكالي (PLR)، وحزب الوسط، والحزب الاشتراكي (PS)، وحزب الخضر، والحزب الليبرالي الأخضر (PVL).
واستندت هذه الأحزاب في موقفها أساساً إلى القيود التي قد تفرضها المبادرة على قدرة سويسرا على فرض عقوبات على دول تنتهك القانون الدولي، فضلاً عن المخاطر الأمنية الناجمة عن تقليص التعاون مع الدول الأخرى.
وبصورة عامة، لا تقترح هذه المبادرة تغييراً جوهرياً في سياسة الحياد التي تعتمدها سويسرا منذ 175 عاماً، بل تسعى إلى تغيير الطريقة التي تُطبّق بها هذه السياسة. فالحياد السويسري ظلّ يتكيف مع التطورات الدولية، مع احتفاظ البلاد بهامش من المرونة في تحديد العقوبات التي ترغب في فرضها.
المصدر: النهار