قادرون على كسب رهان الأمن الغذائي
غذت بعض وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام الدعاية المريبة بأن الجزائر على حافة أزمة غذائية بناء على التذبذبات والاختلالات التي يعرفها السوق، والتي صاحبتها موجة غلاء تجاوزت كل التوقعات. إن من يغذون هذه الدعاية يوجهون كدأبهم في كل مرة سهام النقد للسلطة ويحملونها المسؤولية الكاملة عن كل شيء، ويعفون في المقابل مكونات المجتمع الأخرى التي لها علاقة بالسوق إنتاجا وتسويقا ويلتمسون لهم الأعذار وهذه رؤية غير متوازنة وغير عادلة وفيها شطط كبير. إن قضية الغذاء حسب الخبراء، تحمكها متتالية هرمية قوامهاأربعة عناصر: الدولة ممثلة في وزارة الفلاحة والتجارة، والمنتِج ممثلا في الفلاح، وهيئات التسويق المختلفة، وتاجر الجملة والتجزئة. وهذه العناصر يكمل بعضها بعضا، وفي حالة عدم قيام عنصر بالمهام المنوطة به أو التقاعس عنها فإن هذا يؤدي إلى اضطراب لا سبيل لعلاجه إلا بمعرفة مكامن الخلل التي تسمح بالعودة إلى الوضع الطبيعي واستقرار وانسيابية السوق. من حيث المبدأ، لا خوف على الجزائر من أزمة غذائية، فأرض الجزائر معطاءة قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي والتوجه نحو التصدير، وحسب المشككين في هذه الحقيقة أن يراجعوا أحدث مؤشرات الأنظمة الغذائية العالمية التي تصنف الجزائر من بين أكثر الدول المنتِجة للغذاء عربيا وإفريقيا وعالميا، فإذا كانت السودان هي سلة الوطن العربي قبل أن يطالها التقسيم وتنهكها الحرب الأهلية الطاحنة وحالات الجفاف التي عرفتها، فإن الجزائر ليست ببعيدة عن هذا الوصف بناء على المؤشرات التي سبقت الإشارة إليها، وبناء قبل ذلك على غناها الطبيعي المتمثل في الأراضي الخصبة وسعة الوعاء الغذائي المتنوع الذي تفتقر إليه كثير من الدول. قد يقول قائل إذا كانت كل المؤشرات ترشح الجزائر لتبوُّء مرتبة متقدمة عربيا وعالميا في مجال الغذاء فما تفسير الاختلالات الغذائية التي تحدث بين الفينة والأخرى؟ وما تفسير الغلاء الذي تعيشه الجزائر هذه الأيام؟ ونجيب هؤلاء بأن الوضع الغذائي في الجزائر بخير وأن الأحكام الارتجالية غير المدروسة والنظرة الضيقة التي تستند إلى خلفيات سياسوية تفتقر إلى الموضوعية وتذكيها الرغبة في النقد غير البناء هي التي تعمل على تهويل هذا الوضع وتنفخ فيه حتى يخيل إلى الآخرين بأنه وضع ميؤوس منه. يعالج هذا المقال الخلل الظرفي المتمثل في موجة الغلاء الفاحش التي يشهدها السوق الجزائري، وخاصة ما يتعلق بسوق اللحوم والفواكه والخضروات التي بلغت أسعارها مستويات غير مقبولة وربما غير مسبوقة، والتي استدعت تدخلا عاجلا من الدولة التي لم تدخر جهدا في التصدي لهذه الظاهرة من خلال تجنيد هيئات الرقابة وتوجيه الخبراء لتحليل أسباب هذه الظاهرة وإيجاد الحلول الناجعة لها للحيولة دون تفاقمها واستغلالها من قبل الجهات التي دأبت على أن تجعل من الحبة قبة وكأن الغلاء صناعة جزائرية محضة. يشهد الوضع الغذائي في الجزائر تحسنا نسبيا في مؤشرات الصمود والقدرة على توفير الغذاء بالموازاة مع حالات التضخم والتحديات الهيكلية التي تواجهها كل الدول حتى أكثرها إنتاجا وتسويقا وتصديرا، فمواردنا الفلاحية -حسب المؤشرات-تكفي لتأمين غذائنا والصمود أمام الأزمات الغذائية المحتملة. ليس صحيحا ما تروجه بعض الصفحات المغرضة في وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام من أن الجزائر على عتبة أزمة غذائية، فكل ما في الأمر أن هناك خللا وسوء تنظيم للسوق وأن علاج ذلك ممكن وتحت السيطرة بتضافر الجهود ومساهمة كل المعنيين بالشأن الغذائي في إيجاد الحلول، والتحلي بروح المسؤولية والتخلي عن حسابات الربح والخسارة عندما يتعلق الأمر بأمننا الغذائي. إن تنوع الموارد الغذائية في الجزائر يعصمها من أي أزمة غذائية، فالجزائر التي كانت المورد الأول لأوروبا بالحبوب والبقول والحمضيات وغيرها في زمن الاستعمار لا يمكن أن يتأثر ميزانها الغذائي بموجة عابرة يمكن التحكم فيها إذا أحسنا استغلال الإمكانات وأحسنا إدارتها وتحليل الأسباب الكامنة وراءها، واجتمعت إرادتنا الجماعية وحرصنا على تغليب المصلحة الوطنية. الجزائر من بين أقل الدول تأثرا بالأزمة الغذائية حتى في الظروف العصيبة التي مرت بها في الوقت الذي عانت فيه كثير من الدول من آثار هذه الأزمة وتداعياتها والتي عرَّضت أمنها الغذائي للخطر. الجزائر القارة بشساعة مساحتها وكثافتها السكانية استطاعت امتصاص كل الصدمات التي تعرضت لها في الوقت الذي تعرضت فيه بعض الدول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية لأزمات غذائية حادة مردها إلى النزاعات المسلحة والتغير المناخي والتضخم، فالاستقرار السياسي والاعتدال المناخي وتقلص حالات التضخم في الجزائر مقارنة بمثيلاتها الإفريقية على سبيل المثال، يشكل عاملا حاسما لتفادي الأزمات الغذائية. هناك من يستهويه التهويل ولا يحسن إيجاد الحلول بل لا يشكل ذلك أمرا ذا بال في سلم أولوياته، هذه هي النتيجة التي انتهيت إليها من متابعة الكتابات النشاز والمقالات الضِّرار التي تولى كبرَها المصطادون في الماء العكر الذين يستغلون أي ظرف لمحاولة إشعال الفتنة، رغم أن الحلول في متناول أيدي أكثرهم وبإمكانهم المساعدة على تجاوز الظرف. إن التهويل لا يقدم حلولا ولا يني أوطانا ولا يقوِّم اعوجاجا ولا يعالج اضطرابا، وثقافة البحث عن الحلول وحدها هي التي تحقق كل ذلك وتؤمِّن المجتمع من أي أزمة إن المواطنة الصادقة هي المواطنة التي تُشعر المواطن بأنه جزء من المجتمع وأن من واجبه المساهمة في إيجاد الحلول لا أن ينضم إلى معسكر التهويل الذي يُكثر من الـمُكاء والتصدية ويتغنى بالوطنية الكاذبة. إن الاضطراب الذي يشهده السوق في الجزائر ليس حالة مستعصية كما صوّرها بعضهم لغرض في أنفسهم وإنما هو حالة عرضية تتعرض لها كل الأسواق العالمية. الغلاء ظاهرة عالمية وليست استثناء جزائريا: لست هنا بصدد الدفاع عن السلطة، فللسلطة رجال يتحدثون باسمها ويرسمون سياستها، وإنما لتقرير حقيقة وهي أن الغلاء ظاهرة عالمية وليست استثناء جزائريا، فلهذه الظاهرة في جانب من جوانبها علاقة بتداعيات أزمة كورونا التي صاحبتها موجة غلاء مست كل القطاعات الصناعية والتجارية. هناك ثلاثة عوامل تساهم في غلاء الأسعار وهي: ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملات والاعتماد الكبير على استيراد الغذاء. وتبعا لهذه العوامل ووفقا لبيانات المنظمات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فإن هناك دولا هي الأكثر تأثرا بالتضخم وغلاء الأسعار وهي لبنان وزيمبابوي والأرجنتين ومصر وتركيا وإيران. نحن في الجزائر وبحسب هذه البيانات في وضع غذائي أحسن رغم بعض الاختلالات الطفيفة التي يمكن علاجها وتداركها. مؤشرات الأمن الغذائي في الجزائر ليست مثبطة: عرَّف المشرعِّ الجزائري الأمن الغذائي وفقا للقانون رقم 08/16 المتضمن التوجيه الفلاحي في مادته الثالثة، الفقرة الأولى بأنه: “حصول ووصول كل شخص بسهولة وبصفة منتظمة إلى غذاء سليم وكاف يسمح له بالتمتع بحياة نشيطة”. لا يبدو أننا نحن الجزائريين بعيدون عن هذا السقف، ولكن أمامنا تحديات كبيرة وفي مقدمتها تقليص الاستيراد من خلال تشجيع وتنويع الإنتاج الفلاحي وإنشاء تعاونيات فلاحية بتمويل معفى من الضرائب وحصر الاستيراد في المواد الأخرى غير المنتَجة محليا. إن مؤشرات الأمن الغذائي في الجزائر ليست مثبطة، وحسبنا أن نجمع طاقاتنا وتتحد إرادتنا إذ لاشيء مستحيل مع الإرادة ولاشيء متاح مع الإخلاد إلى الأرض وضرب أخماس على أسداس وترك الحبل على الغارب. الرقابة المستمرة للسوق وتسقيف الأسعار عند الضرورة: لا نشك في دور أعوان ومؤسسات الرقابة في أداء دورهم الرقابي، ولكننا ندعو إلى تكثيف هذه الرقابة وتشديدها وتسقيف الأسعار عند الضرورة كآلية من آليات وقف المضاربة وعمليات الغش التي تتنافى مع قواعد المعاملات التجارية. إن تسقيف الأسعار بما يراعي مصلحة التاجر والمستهلِك في آن واحد من شأنه أن يجنِّبنا بعض الاختلالات الناجمة عن عدم تعاطي بعض التجار مع التدابير الإجرائية والقانونية ويساعد على استقرار الأسعار واستقرار السوق بصفة عامة. إن أول خطوة نخطوها في هذا الاتجاه هي القضاء على التجارة الفوضوية غير القانونية وإنشاء الأسواق الجوارية التي تسمح لذوي الدخل الضعيف والمتوسط بالحصول على احتياجاتهم من الغذاء بأسعار معقولة، وتجربة الأسواق الجوارية ليست جديدة في الجزائر ولكنها بحاجة إلى أن تصبح أكثر تنظيما وانضباطا. وفي أوروبا تساهم الأسواق الجوارية بصفة فعالة في كسر الأسعار والمحافظة على استقرارها ونحن في الجزائر نملك كل الإمكانات لتحقيق ذلك. يخضع السوق والمعاملات التجارية والاقتصادية بصفة عامة لقاعدة “العرض والطلب ” وهي قاعدة أساسية لا ينبغي إغفالها، ومفادها أنه كلما ازداد العرض قلَّ الطلب والعكس صحيح، وزيادة العرض تتحقق بإحدى الطرق الآتية: تخفيف تكاليف الإنتاج، والاعتماد على التكنولوجيا في مجال الفلاحة، وتشجيع المنافسة في مجال الاستثمار الفلاحي والتقليص أو الإعفاء الضريبي إن اقتضى الأمر. وكما نعمل على زيادة العرض فإننا نعمل في المقابل على تقليص الطلب من خلال ترشيد الاستهلاك ومحاربة كل أشكال التبذير والإسراف. ليس صحيحا ما تروجه بعض الصفحات المغرضة في وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام من أن الجزائر على عتبة أزمة غذائية، فكل ما في الأمر أن هناك خللا وسوء تنظيم للسوق وأن علاج ذلك ممكن وتحت السيطرة بتضافر الجهود ومساهمة كل المعنيين بالشأن الغذائي في إيجاد الحلول، والتحلي بروح المسؤولية والتخلي عن حسابات الربح والخسارة عندما يتعلق الأمر بأمننا الغذائي.
المصدر: الشروق