“الإعجاب” الذي ينفع ويرفع
جميعنا يشكو أنّ زماننا هو زمان طغيان المظاهر وخواء الجواهر! أصبحت المظاهر هي ميزان الحكم على النّاس، وأضحى “الإنسان” يوزن بنوع لباسه وماركة سيارته وبما وعاه حسابه البنكيّ أو البريديّ، وأمسى الهمّ الأكبر لكثير من المسلمين فضلا عن غيرهم: بأيّ عين ينظر إليّ النّاس؟ وماذا يقولون عنّي؟ وما الشّيء الذي يثير إعجابهم واهتمامهم؟! أصبحت الأحاديث العامّة والخاصّة لا تبتعد عن المظاهر إلا قليلا، وانتشر بيننا الرياء انتشارا مخيفا. وقد زادتِ الطّين بلّة مواقع الواصل الاجتماعيّ التي تقوم على الاستعراضات والإعجابات والتفاعلات! المشكلة أنّ هذا الواقع جعل قلوبنا تتعلّق بالجزاء الدّنيويّ العاجل، وتنسى الجزاء الأخرويّ الآجل؛ فنحن نحزن ونكسل عندما لا نجد من يهتمّ بنا ويعجب بما نقدّم ويثني على اختياراتنا، ونفرح غاية الفرح حينما نلقى الاهتمام والإعجاب! طبيعيّ أن يطلب العبد الاهتمام في هذه الدّنيا، من والديه ومن إخوته وأبنائه ومن النّاس من حوله، وأن يهتمّ بمكانته بين النّاس، لكن أن يكون هذا هو الهمّ الأكبر بله الأوحد لعبد مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، فتلك خسارة عظيمة.. العبد المؤمن يفترض أن يكون الهمّ الأكبر له هو ما يقال عنه في السّماء، وأن يهتمّ بوزنه في الملأ الأعلى أكثر من اهتمامه بوزنه على الأرض. إنّها خسارة عظيمة أن يقضي العبد حياته كلّها وهو لا همّ يشغله غير ماذا يقول عنه النّاس، وكيف ينظرون إليه؟ وأن تكون أهمّ الأسئلة التي تدور في خلده: “ماذا سيُقال عنّي لو فعلت هذا؟ لو لم أفعل هذا كيف سيُنظر إليّ؟”، أما يقوله عنه ساكنو السّماء، فذاك لا يهمّه ولا يشغل باله! المصيبة أنّه ربّما يجد من النّاس حوله كثيرا ممّن يمدحونه لماله أو منصبه، ولا يسمع منهم إلا الثّناء العطر، وربّما يكون ذلك منهم نفاقا وكذبا، فيفرح لذلك وينتشي ويظنّ أنّه قد بلغ الغاية وحقق المنى، ولا يدري أنّه ربّما يكون مجهولا في السّماء، لا يذكره ولا يعبأ به أحد، ولا يزن عند الله جناح بعوضة.. لا تذكره غير الملائكة المكلّفة بسجل سيئاته، تذكره بغفلته وسوء فعاله وتعلّقه بالدّنيا وحرصه على جزائه العاجل فيها. وربّما يجد ما يرجو وينال ما يتمنّى: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون)). وفي المقابل: ليس أسعد ولا أهنأ ولا أهدأ بالا، من عبد لا همّ يشغله غير ما يقال عنه في السماء وما يُذكر به في الملأ الأعلى؛ لا همّ له بما يقال عنه في الأرض؛ إن قال عنه الناس خيرا فرح بفضل الله وستره. وإن قال عنه الناس شرا تذكّر أنّ صبره على ذلك سيكون خيرا له في الدّنيا والآخرة. إنّ أسعد عبد في هذه الدّنيا، عبد همّه أن يكون له وزن في السّماء، أن يكون مشهورا في الملأ الأعلى؛ ما أن يرفع يديه بالدّعاء حتّى تقول الملائكة: “صوت معروف من عبد معروف”.. لا أروع ولا أهنأ من أن يكون العبد مَحطّ حديث بين الربّ الأعلى وملائكته المقرّبين: في الحديث “أنّ اللهَ –تعالى- إذا أحَبَّ عبدًا نادى جبريلَ: إنِّي قد أحبَبْتُ فلانًا فأحِبَّه؛ فيُحِبُّه جبريلُ، ثم ينادي في أهلِ السَّماءِ: إنَّ اللهَ يُحِبُّ فلانًا فأحِبُّوه؛ فيُحِبُّه أهلُ السَّماءِ، ثم يوضع له القبول في الأرض”. الرّجل الصّالح الخضر -عليه السلام-، قبل لقائه بنبيّ الله موسى –عليه السّلام- لم يكن أحد يعلم بحاله، لكنّه كان رجلا صالحا مذكورا في الملأ الأعلى، وكان عند الله بمقام عال عظيم، حتى أنّ الله ساق إليه نبيّه وكليمه موسى –عليه السّلام- ليتعلّم منه.. امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، المرأة الصّالحة، عاشت في واقع من أصعب ما يكون، زوجها هو فرعون، أطغى رجل في تاريخ البشرية، لا يحيط به غير شرار الخلق، لكنّها مع ذلك عاشت مؤمنة تقية، قلبها معلّق بالسّماء، حتّى بلغت في مكانتها عند الله، أنّه –سبحانه- ضرب بها مثلا لعباده المؤمنين، فقال –سبحانه-: ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين))، وقال عنها النبيّ محمّد –صلّى الله عليه وسلّم- إنّها إحدى أربع نساء كملن في تاريخ البشرية.. وفي قصّة هذه المرأة بالذّات درس لكلّ المسلمات في زماننا هذا يقول: الواقع الفاسد ليس مبررا للفساد؛ إذا كان الزّوج –مثلا- لا يريد طريق الصلاح، فليس ذلك مبررا للمرأة أن ترضى لنفسها بأن تسايره وتمشي خلفه في طريق الغفلة والضياع.. وإذا كانت النّساء من حولها لا همّ لهنّ إلا الدّنيا، فذلك ليس مبررا لها أن تعيش للدّنيا وللدّنيا وحدها. نموذج آخر من نماذج مشهوري السّماء الذين لم يكن همّهم أن يكونوا مشهورين في الأرض: مؤمن آل فرعون، الرّجل الذي لم ينجرف خلف التيار، ولم يرض لنفسه أن يكون بين المصفّقين لفرعون، بل اعتزل بإيمانه، وربط الحبال بالسّماء، وحين رأى الفساد قد بلغ مداه، ورأى آل فرعون يتآمرون لقتل الرّجل الذي دعاهم إلى الله وحده، لم يحتمل السّكوت، فخرج على قومه يعظهم ويخوّفهم بالله ويبرأ إلى الله من فعلهم. وهذا رجل آخر من صالحي أمّة محمّد –صلّى الله عليه وسلّم-، التابعيّ إبراهيم بن أدهم –رحمه الله- قال له أصحابه في سفر: أخبر الناس من أنت؟ قال: لا حاجة لي بهم ما دام الله يعلمني. وقبله، هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب –رضـي الله عنه- في وقعة القادسية، لمّا بدأت بوادر النّصر تلوح في الأفق، وأتاه البشير يبشّره، وقال له: قتل فلان وفلان وخلق كثير لا تعلمهم.. بكى عمر وقال: “وما يضيرهم ألا يعلمهم عمر ما دام رب عمر يعلمهم”. حتى لا تشغلنا موازين الدّنيا عن موازين الآخرة إذا أردنا أن تستقيم أحوالنا، فينبغي أن نجعل نصب أعيننا حقيقةَ أنّ الموازين يوم القيامة ستكون غير الموازين التي تنصب في هذه الدّنيا؛ النّاس في هذه الدّنيا يرفعون مشاهير الفنّ ومشاهير الرياضة ويصنّفونهم نجوما، يتمنّى كلّ أحد لو يظفر بصورة مع أحدهم، بل يتمنّى لو يظفر بنظرة منه. والنّاس يرفعون أصحاب المناصب وأصحاب الأموال ويقدّمونهم ويتودّدون إليهم، ويفخرون إذا امتلكوا علاقات معهم وحازوا أرقام هواتفهم. وربّما يرفع النّاس في هذه الدّنيا أناسا لا يزنون عند الله جناح بعوضة ولا مثقال ذرّة. وقد يرفعون الفسّاق والفجّار والمفسدين، ويتابعون أخبارهم، وصفحاتُهم على مواقع التواصل لها الملايين من المتابعين! وفي المقابل قلّ أن يهتمّوا بالمصلحين، ولا بالدّعاة العاملين، بل ربّما يتّهمونهم في دينهم، وإذا أوذي الدّعاة سكتوا عنهم ونسوهم! هذه هي موازين الدّنيا. لكنّ موازين الآخرة تختلف، فهي موازين قسط وعدل، وستكون مفاجئة لكثير من النّاس! يومَ القيامة سيرتفع أناس ما كان النّاس يعبؤون بهم ولا يلتفتون إليهم ولا يسمعون بهم. ويسقط أناس آخرون كان النّاس في الدّنيا يهتفون بأسمائهم! وفي الحديث: “إنَّه لَيَأتي الرَّجُلُ ا ” (رواه مسلم). يومُ القيامة سيكون يوم المفاجآت؛ عباد كان النّاس يظنّون بهم شرا إذْ بهم يحشرون في زمرة الأخيار: ((وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار)).. وعباد آخرون كان النّاس يظنّون بهم خيرا، يحسبونهم من أهل الصّلاح، إذ بهم يحشرون مع أهل الفساد.. يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “يجاءُ بالرجُلِ يَوْمَ القيامَةِ فيُلْقَى في النارِ، فتَنْذَلِقُ أقتابُهُ، فيدورُ بها في النارِ، كما يدورُ الحمارُ برحاهُ، فيُطِيفُ بِهِ أهلُ النارِ، فيقولون: يا فلان! ما أصابَكَ؟ ألم تكنْ تأمرُنا بالمعروفِ وتنهانا عنِ المنكَرِ؟ فيقولُ: بلَى، قَدْ كنتُ آمرُكُم بالمعروفِ ولَا آتِيهِ، وأنهاكُم عَنِ المنكَرِ وآتِيهِ!”. لذلك ينبغي لنا أن نحذر غاية الحذر، من أن يكون همّ الواحد منّا أن يرى منه النّاس الخير وأن يعجبوا به ويرضوا عنه، يتصنّع لهم ويُظهر -بما يقول ويكتب وينشر- أنّه ملك كريم، بينما هو في خاصّة نفسه وفي خلواته وفي حقيقة أمره شيطان رجيم! يزيّن ظاهره للنّاس ويتكلّف في كلامه ويتخشّع في حاله، لكنّه إذا خلا بنفسه وألقى السّتور، انتهك المحارم وسبح في الشّهوات! العبد الذي يرجو لنفسه أن يكون من مشاهير السّماء، يجعل نصب عينيه هدفا أن يكون باطنه خيرا من ظاهره، وتكون خلوته خيرا من جلوته، وسرّه خيرا من علانيته، وفعله خيرا من قوله.. يتذكّر دائما أنّ أنفع شهرة وأبقاها هي الشّهرة في السّماء وليست شهرة الأرض، وأنّ أنفع إعجاب وأبقاه هو الإعجاب الذي يكتب في السّماء وليس الإعجاب الزّائل الذي يسري على ألسنة بعض النّاس أو الذي يسجّل على منشورات مواقع التواصل.. والعبد قد يثني عليه النّاس بألسنتهم مجاملة وتصنّعا وتكلّفا، لكنّ قلوبهم تلعنه، قال أبو الدّرداء –رضـي الله عنه-: “لِيحذَرْ امرؤ أن تلعنه قلوبُ المؤمنين، من حيث لا يشعر”، قيل كيف ذاك؟ قال: “إنّ العبد يخلو بمعاصي الله، فيُلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر”.
المصدر: الشروق