فيطح .. محامية تدبّر العلاقات مع البرلمان
قبل أشهر من دخولها الحكومة، كانت قلوب فيطح تتساءل عن إمكانية وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة المغربية، في سياق دفاعها عن تعزيز المشاركة النسائية وتوسيع حضور النساء في مواقع القرار، قبل أن تجد نفسها عضوا في حكومة تقودها امرأة، عقب تعيينها من طرف الملك محمد السادس، الجمعة، وزيرة منتدبة لدى رئيسة الحكومة، مكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني.
ويحمل هذا الانتقال دلالة خاصة في مسار فيطح، التي راكمت تجربة مهنية في المحاماة قبل ولوج المؤسسة التشريعية سنة 2021، وتولت مسؤوليات داخل حزب الأصالة والمعاصرة، أبرزها رئاسة تنظيمه النسائي وتنسيق لجنة إعداد ميثاق الأخلاقيات، الذي جاء في مرحلة شهد فيها الحزب نقاشات داخلية بشأن تخليق الممارسة السياسية والانضباط التنظيمي.
وتنحدر فيطح من مدينة أصيلة، حيث بدأت مسارها الدراسي بمؤسسات تعليمية محلية، من بينها مدرسة ابن خلدون ومؤسسة الإمام الأصيلي، قبل أن تتابع دراستها الجامعية بكلية الحقوق بمدينة طنجة، التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، وتحصل على الإجازة في القانون الخاص، ثم شهادة الماستر في العلوم الجنائية والدراسات حول الأمن.
وبدأت الوزيرة الجديدة مسارها المهني سنة 2003 محامية متمرنة بهيئة طنجة، قبل أن تصبح محامية مرسمة سنة 2006، حيث راكمت خبرة في مجالات قانون الأسرة والقضايا الاجتماعية والمدنية والتجارية، إلى جانب الاستشارة والمواكبة القانونية وإعداد الملفات القضائية وتتبعها.
وشكلت الانتخابات التشريعية لثامن شتنبر 2021 منعطفا في مسار فيطح، بعدما انتخبت نائبة برلمانية عن جهة طنجة تطوان الحسيمة، ضمن اللائحة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة، لتنتقل بذلك إلى العمل التشريعي بعد نحو عقدين من ممارسة المحاماة.
وداخل مجلس النواب، تولت منصب النائبة الأولى لرئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، التي شهدت خلال الولاية التشريعية مناقشة نصوص قانونية أثارت نقاشات سياسية وحقوقية واسعة، كما شاركت في مجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة المكلفة بالمساواة والمناصفة، وانخرطت في تقييم شروط وظروف تطبيق القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء.
وعلى المستوى الحزبي، برز اسم فيطح بصورة أوضح عقب انتخابها، في 20 ماي 2023، رئيسة لمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة، خلال المؤتمر الوطني للمنظمة المنعقد ببوزنيقة، وهو الموقع الذي أتاح لها المشاركة في النقاشات المتعلقة بتعزيز الحضور السياسي للنساء والدفاع عن الإصلاحات التشريعية المرتبطة بالمساواة والحقوق الأسرية.
وكان ورش مراجعة مدونة الأسرة من أبرز الملفات التي انخرطت فيها، إذ حضرت ضمن الوفد الحزبي الذي قدم تصور الأصالة والمعاصرة إلى الهيئة المكلفة بمراجعة المدونة في دجنبر 2023، ودافعت خلال هذه المرحلة عن مراجعة المقتضيات القانونية التي اعتبر حزبها أنها لم تعد تواكب التحولات الاجتماعية، وعن مقاربة تربط الإصلاح بحماية الحقوق وتحقيق الإنصاف داخل الأسرة.
وإلى جانب مسؤوليتها داخل التنظيم النسائي، تولت فيطح تنسيق لجنة إعداد مشروع ميثاق الأخلاقيات بحزب الأصالة والمعاصرة، في مرحلة شهد فيها التنظيم إعادة ترتيب عدد من هياكله عقب مؤتمره الوطني الخامس، وسط نقاشات بشأن المسؤولية السياسية وتعزيز الانضباط داخل المؤسسات الحزبية.
وعرضت فيطح مشروع الميثاق أمام المجلس الوطني للحزب خلال دورته المنعقدة في 11 ماي 2024، التي صادقت عليه بالإجماع، في سياق سياسي واجه خلاله الأصالة والمعاصرة تداعيات قضايا قضائية شملت قياديين منه، وأعادت إلى الواجهة النقاش بشأن معايير اختيار المرشحين والمسؤولية السياسية والضوابط الأخلاقية للعمل الحزبي.
واكتسب الاشتغال على هذه الوثيقة أهمية خاصة بالنظر إلى المرحلة التي كان يمر بها حزب “الجرار”، وما رافقها من مساع لإعادة ترتيب البيت الداخلي وتعزيز قواعد الانضباط والمسؤولية، إذ تناول الميثاق الضوابط المرتبطة بسلوك المنخرطين والمنتخبين والمسؤولين الحزبيين، في إطار توجه التنظيم نحو تقوية آليات التخليق.
وظلت قضية المشاركة السياسية للنساء حاضرة في خطاب فيطح خلال السنوات الأخيرة، حيث دعت إلى تجاوز التمثيلية النسائية الرمزية نحو حضور فعلي في مواقع المسؤولية، وطرحت إمكانية وصول النساء إلى رئاسة المؤسسات الكبرى، بما فيها الحكومة، معتبرة أن تحقيق المناصفة يتطلب توسيع فرص المشاركة في اتخاذ القرار.
وبعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، اعتبرت فيطح الخطوة حدثا مهما بالنسبة إلى المشاركة السياسية للمرأة المغربية، قبل أن تلتحق بدورها بالتشكيلة الحكومية الجديدة، في انتقال جمع بين تجربتها السابقة في الدفاع عن حضور النساء في المؤسسات ومسؤوليتها الجديدة داخل الجهاز التنفيذي.
ويضع التعيين الوزاري قلوب فيطح أمام مهام تختلف عن تلك التي اضطلعت بها داخل البرلمان والحزب، إذ تنتقل من موقع المشاركة في التشريع ومراقبة العمل الحكومي إلى مسؤولية تدبير العلاقات بين الحكومة والمؤسسة التشريعية، ومواكبة المبادرات التشريعية والرقابية في إطار الاختصاصات المخولة للقطاع.
كما تشمل مسؤوليتها العلاقات مع المجتمع المدني، بما تتطلبه من تواصل مع الجمعيات والهيئات المدنية، ومواكبة آليات التشاور والمشاركة في إعداد القرارات والسياسات العمومية، إلى جانب التعامل مع القضايا المرتبطة بالعلاقة بين المؤسسات الحكومية والفاعلين المدنيين.
وتمنحها تجربتها السابقة داخل لجنة العدل والتشريع، وخبرتها في مناقشة النصوص القانونية، معرفة بمساطر العمل البرلماني وإكراهاته، غير أن موقعها الحكومي الجديد سيضع هذه التجربة أمام اختبار يتعلق بتدبير العلاقة مع مجلسي البرلمان، بمختلف مكونات الأغلبية والمعارضة، واحترام الأدوار الدستورية للمؤسسات.
وبعد مسار جمع بين المحاماة والعمل النيابي والمسؤولية الحزبية، تتولى قلوب فيطح حقيبة حكومية ترتبط مباشرة بالمؤسسة التي راكمت داخلها جزءا من تجربتها السياسية، فيما ستشكل قدرتها على تدبير العلاقة بين الحكومة والبرلمان والمجتمع المدني معيارا أساسيا لتقييم أدائها خلال المرحلة المقبلة.
The post فيطح .. محامية تدبّر العلاقات مع البرلمان appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس