شفق نيوز..(مقال) قرية "دارا- خليل فتح الله" شاهدة على 51 عاماً من تهجير كورد خانقين
قرية "دارا- خليل فتح الله" أنموذجا.. في الذكرى الحادية والخمسين للترحيل القسري للكورد من قرى خانقين لم يكن صباح السابع عشر من تشرين الأول عام 1975، في قرية "دارا–خليل فتح الله"، إحدى القرى الكوردية المحيطة بخانقين، صباحا عاديا؛ فقد طوّقت القوات الأمنية والعسكرية القرية، وأجبرت سكانها على مغادرة بيوتهم، ثم دفعتهم إلى شاحنات عسكرية روسية الصنع من طراز "زيل"، من دون أن تمنحهم فرصة كافية لفهم ما يجري أو معرفة الوجهة التي سيُقتادون إليها. كان ذلك اليوم بداية رحلة قسرية لم تقتصر آثارها على خسارة البيوت والأراضي، بل امتدت لتطال الذاكرة والانتماء والعلاقات الاجتماعية، وتترك جرحا ظل مفتوحا لأجيال. لم يكن سكان القرية يعرف كثير منهم اللغة العربية، ولذلك لم يتمكنوا من فهم الأوامر أو الاستفسار عن مصيرهم؛ وكلما حاول أحدهم السؤال، كان يُطلب منه الصمت. وبعد ساعات طويلة من السير، وصلت الشاحنات ليلا إلى منطقة المدائن، جنوب بغداد، حيث أُجبرت العائلات على قضاء ليلتها في باحة مرقد سلمان الفارسي، داخل الإيوانات المحيطة بها، في انتظار مصير لم يكن واضحا. في صباح اليوم التالي، بدأت عملية توزيع العائلات على مناطق متفرقة، شملت ناحية الوحدة، وقرية معمل طابوق القادسية، ومنطقة السابع من نيسان قرب جسر ديالى الجديد، وقرى الخناسة وغيرها من المناطق الواقعة على امتداد نهر دجلة. ولم تكن هذه المحطات وجهات مؤقتة فحسب؛ فقد مثّلت امتدادا اقتلاع جماعي طال القرى الكوردية المحيطة بخانقين، إذ نُقل سكانها قسرا إلى مناطق مختلفة في محافظات وسط العراق وجنوبه، بينها بغداد وبابل والمثنى وذي قار والديوانية، وتوزعوا على أماكن متباعدة، في ظروف زادت من عزلتهم وصعوبة تواصلهم. لم يكن الترحيل مجرد نقل للسكان من مكان إلى آخر، بل كان تفكيكا لعالمهم المألوف. فقد اعتادت هذه العائلات العيش في مجتمعات ريفية مترابطة، تجمعها الأرض واللغة والعادات وروابط القرابة والجوار. وفجأة، وجدت نفسها في بيئات جديدة، بعيدة عن قراها وحقولها ومصادر رزقها، وفي كثير من الأحيان بعيدة حتى عن أقاربها الذين رحّلوا معها. أما ظروف السكن، فلم تكن أقل قسوة من رحلة التهجير، فقد أُسكنت عائلات في غرفتين من الطين، تتخللهما فتحات للأبواب والنوافذ من دون أبواب أو نوافذ فعلية، فيما كانت الأسقف تتكون من جذوع الأشجار والحصر المصنوعة من القصب، تعلوها طبقة من الطين، بما يجعلها أشبه بأكواخ صغيرة لا توفر الحماية الكافية من البرد والأمطار. أما الأرضيات، فكانت مغطاة بكتل الطين ومخلّفاته والأوساخ، فيما كانت الحشرات والحيوانات تزيد من مشقة العيش في تلك المساكن الهشة. إلى جانب الفقر والحرمان، واجه بعض المرحّلين الإهانة والسخرية بسبب أسمائهم الكوردية ولغتهم، ولاسيما أن كثيرين منهم لم يكونوا قادرين على التحدث بالعربية، كما تعرضت بعض العائلات للسرقة، وفقدت أشياء استطاعت نقلها بصعوبة من بيوتها، من بينها السجاد الكوردي وأجهزة الراديو ومسجلات الكاسيت ومقتنيات أخرى كانت تمثل جزءا من حياتها القليلة التي تمكنت من حملها معها. وهكذا، لم تقتصر الخسارة على ما تركوه خلفهم، بل شملت أيضا ما رافقهم في رحلة النزوح ولم يسلم من الاعتداء أو الضياع. جاءت هذه الأحداث في سياق التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها العراق والمنطقة في سبعينيات القرن الماضي؛ فقد أدى اتفاق الجزائر سيء الصيت والمشؤوم، الموقّع في السادس من آذار 1975 بين العراق وإيران، بوساطة الرئيس الجزائري هواري بومدين، إلى إنهاء الدعم الإيراني للحركة الكوردية المسلحة بقيادة الملا مصطفى بارزاني، وهو ما أسهم في انهيار المقاومة المسلحة آنذاك. لكن تداعيات هذا التحول لم تقف عند حدود المواجهة السياسية والعسكرية؛ إذ تحملت جماعات مدنية، بينها سكان القرى الكوردية المحيطة بخانقين، جانبا من كلفة الصراع، بعدما وجدوا أنفسهم أمام الترحيل وفقدان الاستقرار ومصادر العيش. ومهما اختلفت التفسيرات السياسية لتلك المرحلة، فإن معاناة المدنيين تستحق أن تروى وتوثّق بعيدا عن التوظيف الحزبي أو الاختزال؛ فالعائلات التي أُخرجت من بيوتها لم تكن أرقاما في سجل الصراع، بل بشرا لهم أسماء وذكريات وأراض وعلاقات اجتماعية اقتُلعت من سياقها الطبيعي. ومن هنا، فإن استعادة هذه الوقائع ليست مجرد استذكار لماض مؤلم، بل محاولة لفهم ما خلّفته السياسات القسرية في حياة الناس، وما يستمر من آثارها حتى اليوم. مع سقوط النظام السابق عام 2003، ظهرت آمال في معالجة المظالم التي لحقت بالسكان في المناطق المتنازع عليها، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وتصحيح آثار سياسات التغيير الديمغرافي القسري. وقد مثّلت المادة 140 من الدستور العراقي إطارا دستوريا لمعالجة وضع كركوك والمناطق المتنازع عليها، من خلال مراحل التطبيع والإحصاء السكاني والاستفتاء؛ غير أن تنفيذ هذه المادة تعثر، ولم يُنجز منها سوى جزء محدود من الإجراءات، فيما بقيت مراحل أساسية معلّقة، الأمر الذي أسهم في استمرار الخلافات وتعقيد سبل الوصول إلى تسوية عادلة. لكن قضية القرى الكوردية المرحّلة من محيط خانقين لا ينبغي أن تُختزل في خلاف دستوري أو نزاع على الحدود الإدارية أو الملكية العقارية؛ إنها، قبل كل شيء، قضية إنسانية تتعلق بأشخاص حرموا من بيوتهم وأراضيهم وسبل عيشهم، وتعرّضت حياتهم الاجتماعية والثقافية لتغييرات عميقة لم يكن لهم خيار فيها. كما أنها قضية حقوقية وتاريخية تتطلب توثيق الوقائع، وفحص المسؤوليات، ومعالجة الآثار وفق الأدلة والمعايير القانونية. وتزداد القضية تعقيدا مع مرور الزمن، فقد رحل الجزء الأكبر من الجيل الأول الذي عايش التهجير، حاملا معه تفاصيل وذكريات لا يمكن تعويضها؛ أما الأجيال اللاحقة، فقد نشأ كثير منها في بيئات جديدة، غالبا ذات طابع مدني وحضري، تختلف في نمط الحياة والعمل والعلاقات الاجتماعية عن المجتمعات الريفية التي انحدرت منها عائلاتها، وبذلك لم تعد العودة، بالنسبة إلى الجميع، مسألة استعادة منزل أو قطعة أرض فحسب؛ بل أصبحت مرتبطة أيضا بالعمل والتعليم وشبكات العلاقات والاندماج في مجتمعات نشأوا فيها ولم يعرفوا سواها. لقد أوجد طول أمد الترحيل فجوة متراكمة بين المهجرين وأماكنهم الأصلية، كما أسهم في إضعاف الروابط بين مكونات اجتماعية عاشت تاريخيا في فضاءات متجاورة، وإن لم تخلُ علاقاتها من التوترات والخلافات. ولا يمكن ردم هذه الفجوة بقرار إداري أو معالجة قانونية منفردة، بل يتطلب الأمر مسارا طويلا يستند إلى الاعتراف بالمظالم، وبناء الثقة، وحماية حقوق جميع السكان، وتجنب تحويل معاناة مكوّن إلى مبرر لإلحاق الظلم بمكوّن آخر. لذلك، ينبغي ألا تفترض أي معالجة عادلة أن جميع العائلات ترغب في العودة، أو أنها قادرة عليها بعد كل هذه العقود؛ فالمطلوب هو إتاحة خيارات حقيقية للمتضررين، تشمل النظر العادل في مطالبات الملكية والتعويض، وتيسير العودة الطوعية لمن يرغب فيها وتتوفر لها الظروف المناسبة، إلى جانب توثيق الذاكرة الجماعية وحفظ الشهادات والوثائق، وتعزيز التعايش بين المجتمعات. ان استعادة الحقوق لا تعني فرض مسار واحد على الجميع، وإنما تمكين المتضررين من اتخاذ قراراتهم بحرية وكرامة، ضمن إطار يحترم القانون وحقوق الآخرين. إن تعثر تنفيذ المادة 140 لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لاستمرار الجمود، كما لا يجوز أن يكون مرور الزمن سببا لنسيان ما حدث؛ فالتأخر في معالجة المظالم لا يمحوها، بل يجعل معالجتها أكثر صعوبة وإلحاحا. بعد واحد وخمسين عاما، لا تزال حكاية قرى خانقين تطرح أسئلة تتجاوز حدود المكان والزمان: كيف يمكن لدولة أن تستعيد ثقة مواطنيها إذا لم تواجه آثار السياسات التي ألحقت بهم الضرر؟ وكيف يمكن بناء تعايش مستدام بين المكونات الاجتماعية إذا بقيت تجارب التهجير والخسارة خارج دائرة الاعتراف والمعالجة؟ وهل يكفي تغيير النظام السياسي ما لم تتغير أيضا طريقة التعامل مع حقوق الإنسان وكرامة المواطنين وتنوع المجتمع؟ إن إحياء ذكرى الترحيل ليس دعوة إلى استدامة الخصومة، ولا إلى إعادة إنتاج الانقسامات، بل إلى الاعتراف بما جرى كي لا تتكرر المآسي، وإلى وضع الإنسان في قلب أي معالجة سياسية أو دستورية. ان العدالة لا تتحقق بإنكار الماضي أو تجاوزه شكليا، وإنما بالاستماع إلى الضحايا، وتوثيق شهاداتهم، ومعالجة حقوقهم، وتهيئة الظروف التي تسمح للمجتمعات المتضررة باستعادة الثقة والأمان. وتبقى مسؤولية التوثيق أساسية، خصوصا مع رحيل كثير من الشهود المباشرين؛ فجمع الروايات الشفوية، وحفظ الوثائق والصور وسجلات الملكية، والتحقق من أسماء القرى والعائلات ومسارات الترحيل وأماكن الاستقرار، كلها خطوات ضرورية لصون الذاكرة الجماعية، ولإسناد المطالب الحقوقية إلى سجل تاريخي يمكن الرجوع إليه. كما أن إتاحة هذه الذاكرة للأجيال الجديدة تساعدها على فهم ما تعرضت له عائلاتها، من دون أن تجعلها أسيرة الماضي أو تدفعها إلى العداء تجاه الآخرين. في الذكرى الحادية والخمسين لترحيل قرى خانقين وتحديدا قرية "دارا – خليل فتح الله"، تستحق تلك العائلات أن تُروى قصتها بوصفها جزءا من تاريخ العراق، لا هامشا منسيا فيه؛ وتستحق أن تُعامل معاناتها باعتبارها قضية حقوق وكرامة وإنصاف، لا مجرد ملف مؤجل تتقاذفه الخلافات السياسية. لقد اقتُلعت تلك القرى من جذورها، لكن اقتلاع الناس من أرضهم لا ينبغي أن يعني اقتلاع حقهم في الذاكرة والاعتراف والعدالة؛ فالدولة التي تتطلع إلى مستقبل أكثر استقرارا لا تحتاج إلى محو آلام ماضيها، بل إلى مواجهتها بشجاعة، وإلى ضمان ألا تتحول الاختلافات القومية والاجتماعية إلى مبرر للتهجير أو الإقصاء. إن الطريق إلى المصالحة لا يبدأ بالنسيان، بل بالاعتراف؛ ولا يكتمل بمجرد النصوص الدستورية، بل بتنفيذها بعدالة، وصون الحقوق، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين. وحين يصبح الإنسان وكرامته معيارا للسياسات العامة، يمكن للذاكرة أن تتحول من جرح مفتوح إلى أساس لمستقبل أكثر إنصافا للجميع.
المصدر: شفق نيوز