حول رئاسة مجلس النواب ..
حتى تاريخه، لا يزال الحراك النيابي المتعلق بانتخابات رئاسة مجلس النواب يتصاعد بوتيرة هادئة إلى حد كبير، دون أن تتضح معالم المشهد بصورة نهائية، ورغم أن عددًا من النواب أبدوا رغبتهم في خوض السباق، فإن أحدًا منهم لم يحسم موقفه بعد، لأسباب يتقدمها ارتباط قرار الترشح بمواقف الأحزاب والكتل النيابية التي ينتمون إليها. وللإنصاف، فإن المجلس الحالي لم يشهد منذ بداية عمره خروجًا لافتًا عن قرارات الأحزاب فيما يتعلق بانتخاب رئيس المجلس، وهذه ظاهرة تستحق الإحترام، لما تعكسه من تطور في الانضباط الحزبي، ولما تؤسس له من استقرار في الممارسة البرلمانية.اعتدنا على امتداد دورات نيابية متعاقبة أن يصل رئيس مجلس النواب إلى موقعه بتوافق واسع تحت القبة، وهو تقليد سياسي له وجاهته، إذ يمنح الرئيس مساحة أرحب في إدارة المجلس، ويجعله أكثر قدرة على التعامل مع مختلف الكتل والاتجاهات، باعتباره توافقيا يمثل الغالبية المطلقة، لا ممثلًا لحزبه فقط..يميل المراقبون إلى أن حزب الميثاق يملك فرصة لفرز مرشح يحظى بتوافقات نيابية واسعة، بحكم كونه أكبر الأحزاب تمثيلًا تحت القبة، وما يتيحه له هذا الوضع من قدرة على بناء تحالفات مع كتل أخرى قد ترجح كفته في المنافسة، والمؤشرات تؤكد أن الحزب يتجه بجدية نحو خوض هذا الاستحقاق، دون أن يعني ذلك أن الطريق أمامه بات محسومًا، فهناك أحزاب وازنة، كحزب مبادرة، الذي يمتلك أيضا قدرة على عقد تحالفات تؤهله للمنافسة، فضلًا عن احتمال بروز طموحات حزبية أخرى مع اقتراب موعد الانتخاب مع انعدام اي فرصة امأم حزب الأمة الذي لا يستطيع التحالف مع حزب أخر..لعل ما يستحق التأمل في هذه المنافسة أن رئاسة المجلس لم تعد شأنًا منفصلًا عن التحولات التي تشهدها الحياة الحزبية الأردنية. فالأحزاب التي تسعى اليوم إلى المواقع القيادية تحت القبة باتت أمام امتحان يتجاوز قدرتها على حشد الأصوات إلى قدرتها على ممارسة المسؤولية السياسية، وهناك تحد امام أي حزب حين ينتقل من موقع المطالبة بالتأثير إلى موقع المشاركة في صناعة القرار، لأن الموقع الثاني يكشف من طبائع العمل السياسي ما لا يكشفه الأول، ويضع أصحابه أمام مسؤولية الموازنة بين مقتضيات الانتماء الحزبي ومتطلبات المصلحة الوطنية الأوسع.والتوافق النيابي، على أهميته، يستمد قيمته من طبيعة التفاهم الذي تنتجه تلك الأصوات. فقد تتفق الكتل على انتخاب رئيس ثم تختلف معه عند أول اختبار تشريعي جاد، وقد تنشأ أغلبية أقل عددًا لكنها أكثر تماسكًا في رؤيتها لدور المجلس. وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام الرئيس القادم لا ينتهي بإعلان فوزه، بل يبدأ حين يصبح مطالبًا بأن يكون على مسافة واحدة من الجميع، وأن يحفظ للأغلبية حقها في القرار، وللأقلية حقها الكامل في التعبير والاعتراض.النواب مقبلون على دورة صعبة إلى حد ما، فأماهم قوانين ستخضع لنقاش حاد وموسع، خصوصًا قانون الضمان المؤجل من الدورة العادية السابعة، كذلك إذا تقدمت الحكومة بقانون جديد للانتخابات، وعلى ضوء هذا، لا بد أن تكون شخصية الرئيس القادم تستطيع ضبط أداء المجلس بمهنية عالية للخروج بتوافقات معقولة حول القوانين التي تخاطب مصلحة الناس وتمس حياتهم بعيدًا عن التجاذبات داخل المجلس.سيكون قانون الضمان الاجتماعي على وجه الخصوص اختبارًا بالغ الحساسية أمام النواب، الذين سيجدون أنفسهم بين مطالب الشارع وهواجسه المشروعة من جهة، ومتطلبات الحفاظ على ديمومة مؤسسة الضمان واستقرارها المالي من جهة أخرى. وهي معادلة دقيقة لا تحتمل الانحياز إلى الحلول السهلة، لأن التشريع المسؤول يقاس بقدرته على صون حقوق الناس اليوم دون التفريط بحقوق الأجيال المقبلة. وهنا تتجلى أهمية رئيس المجلس في إدارة نقاش تشريعي معمق، تتقدم فيه الحجة على الانفعال، وتُفحص فيه البدائل بعيدًا عن المزايدات، بما يفضي إلى قانون يوازن بين الحماية الاجتماعية واستدامة المؤسسة.لعل أصعب ما سيواجه رئيس المجلس في مثل هذه الظروف أن يحافظ على هيبة المؤسسة دون أن يضيق بالاختلاف داخلها، وأن يمارس صلاحياته بحزم لا يتحول إلى تشدد، ومرونة لا تنتهي إلى التهاون. فإدارة البرلمان هي في جوهرها قدرة سياسية على فهم موازين المجلس، واستيعاب تناقضاته، وتوجيه طاقته نحو إنتاج تشريعات تعكس المصلحة العامة. ولا شك أن بين أعضاء المجلس الحالي على مختلف انتماءاتهم الحزبية من يمتلكون خبرة نيابية محترمة تؤهلهم لتولي موقع الرئاسة، غير أن طبيعة المرحلة تجعل الاختيار أكثر اتصالًا بالكفاءة في إدارة المؤسسة من الرغبة !!يبقى أن انتخابات رئاسة مجلس النواب هذه المرة تحمل دلالات تتجاوز نتائج التنافس بين المرشحين، فهي تأتي في مرحلة يُفترض أن تبدأ فيها التحولات الحزبية بإنتاج أثر ملموس في طبيعة العمل البرلماني. ومن المبكر الحكم على نضج هذه التجربة من خلال موازين القوى داخل المجلس وحدها، إذ إن الإمتحان الأهم سيكون في قدرة الأحزاب والكتل على تجاوز حسابات الفوز والخسارة إلى بناء تفاهمات سياسية حول القضايا التي تنتظرها. ولعل انتخاب الرئيس القادم سيكون مناسبة لقراءة المسافة التي قطعتها التجربة النيابية في هذا الاتجاه، وما إذا كانت الأحزاب قد بدأت بالفعل الانتقال من مرحلة إثبات حضورها تحت القبة إلى مرحلة التأثير في مسار القرار التشريعي..
المصدر: عمون