حين تتحول استقلالية المرأة إلى عبء المسؤوليات المتراكمة
لم تعد معارك المرأة داخل الأسرة والمجتمع هي نفسها التي خاضتها الأمهات والجدات قبل عقود، حين كانت تجابه من أجل حقها في التعليم والعمل وامتلاك المال واتخاذ القرار وقيادة السيارة والخروج والتنقل بحرية. فقد كانت الاستقلالية بالنسبة إلى كثير من النساء تعني ببساطة أن تصبح قادرة على إدارة حياتها بنفسها، وألا تكون حركتها وقراراتها مرهونة دائما بموافقة رجل. لكن المفارقة أن بعض الانتصارات التي جاءت بها هذه الاستقلالية فتحت الباب أمام نوع جديد تماما من الخلافات داخل الأسرة. بعد أن كان السؤال: “هل تسمح لي بالعمل؟”، أصبح السؤال في كثير من البيوت: من يتكفل بالأطفال عند خروج الأم للعمل؟ ومن يدفع مصاريف الحضانة؟ ومن يأخذها إلى الطبيب؟” وبعد أن كان النقاش يدور حول حق المرأة في قيادة السيارة، أصبح الخلاف أحيانا: “من يقود السيارة صباحا لإيصال الأطفال إلى المدرسة؟ ومن يعيدهم؟ ومن يذهب بهم إلى الطبيب أو إلى النشاطات؟”… لقد خاضت المرأة معركة طويلة من أجل الحصول على دخل خاص بها، لتجد نفسها في الأخير أمام معركة أخرى مع الفواتير، والقروض، ومصاريف البيت، واحتياجات الأطفال… مزيد من الاستقلالية، أم مزيد من الأدوار؟ العمل كان بالنسبة إلى أجيال من النساء بوابة نحو الاستقلال الاقتصادي، ووسيلة لتأكيد الذات وبناء مستقبل مهني وشخصي خارج إطار المنزل. لكن دخول المرأة إلى سوق العمل لم يكن دائما مصحوبا بإعادة تعريف كاملة للأدوار الأسرية. فقد تعمل الزوجة ثماني ساعات، ثم تعود لتجد أن وظيفتها (الأولى) تنتظرها في المنزل، ويصبح الخلاف أعظم عندما يصبح للزوجة دخل، فيتحول راتبها تدريجيا من حق شخصي واستقلال اقتصادي إلى مورد إضافي للأسرة. يشير الأستاذ لزهر زين الدين، خبير اجتماعي، إلى أن: “الاستقلالية لا تعني أن تحمل المرأة كل شيء. فالمشكلة ليست في أن تقود المرأة السيارة، أو تعمل، أو تحصل على راتب، أو تشارك في اتخاذ القرارات، وإنما في فهم استقلالها على أنها تلقائيا قادرة على تحمل مسؤوليات إضافية”. وقد تحاول المرأة بالفعل إظهار كونها كذلك، لكن تراكم المسؤوليات والأدوار يغير طبيعة الخلاف. تنبّه الأستاذة مريم بركان، خبيرة نفسية واجتماعية، إلى إنه في الماضي كان امتلاك المرأة القدرة على القيادة مثلا: يعد بالنسبة إلى كثيرات حرية في الحركة، وتقليلا في الاعتماد على الشريك، فلم تكن المرأة التي تناضل لذلك تتخيل أن تتحول السيارة نفسها إلى جزء من منظومة الرعاية اليومية، حين تستيقظ الأم مبكرا، تحضر الأطفال، تقودهم إلى المدرسة، تذهب إلى العمل، ثم تعود لاصطحابهم، وتتوقف عند الصيدلية، ثم تشتري حاجيات المنزل… وهنا، تكمن المفارقة. فالقدرة التي كان يفترض أن تمنح المرأة مساحة من الحرية قد تتحول إلى سبب لتحميلها مزيدا من المهام. لقد أصبحت المرأة طبيبة، وأستاذة، ومهندسة، وصحفية، ومحامية، وموظفة، وصاحبة مشروع، لكنها في بعض البيوت لا تزال مطالبة بأن تؤدي الدور التقليدي نفسه، كما لو أنها لا تعمل، وفي الحالات التي يكون فيها الأطفال صغارا، تزداد المسؤولية أكثر، فالأم قد تكون مطالبة بالاستيقاظ ليلا مع الطفل، وتحضير الفطور، وتجهيز الأبناء، وإيصالهم إلى المدرسة أو الحضانة، ثم الذهاب إلى العمل، ثم العودة لإدارة المساء. وإذا مرض طفل، تكون الأم غالبا الطرف الذي يتوقع منه تلقائيا أخذ عطلة أو التغيب عن العمل. وهذا لا يعني أن الرجال لا يشاركون في هذه المسؤوليات، بل إن المشكلة تكمن في التوقع الاجتماعي السائد منذ القديم بأن الرعاية مسؤولية نسائية في المقام الأول. وبالرغم من أن الرجل أيضا يعيش ضغوطا متزايدة، إلا أنه لم يعد منطقيا اليوم اعتبار مساهمة الرجل المالية مبررا لإعفائه من المشاركة في الرعاية اليومية، كما لا يمكن اعتبار عمل المرأة وراتبها مبررا لتحميلها مسؤوليات إضافية بلا حدود.
المصدر: الشروق