شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

عيسى الكبير وحكاية فرانتيشيك نابيليك.. البحرين محط أنظار باحثي أوروبا

عيسى الكبير وحكاية فرانتيشيك نابيليك.. البحرين محط أنظار باحثي أوروبا

للأعوام‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأمم‭ ‬معانٍ‭ ‬تتجاوز‭ ‬حسابات‭ ‬التقويم؛‭ ‬فمنها‭ ‬ما‭ ‬يُختار‭ ‬ليكون‭ ‬عنوانًا‭ ‬لمرحلةٍ‭ ‬ومرآةً‭ ‬تتأمل‭ ‬فيها‭ ‬الأمة‭ ‬ذاتها،‭ ‬وتستحضر‭ ‬فيها‭ ‬جذورها،‭ ‬وتستلهم‭ ‬منها‭ ‬دروس‭ ‬الغد‭ ‬وعزائم‭ ‬المستقبل‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭ ‬جاء‭ ‬عام‭ ‬2026م،‭ ‬الذي‭ ‬تفضّل‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬بتسميته‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬؛‭ ‬وفاءً‭ ‬لذكرى‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬حاكم‭ ‬البحرين‭ ‬وتوابعها‭ (‬1869‭ ‬–‭ ‬1932م‭)‬،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬الذي‭ ‬امتدّ‭ ‬حكمه‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثةٍ‭ ‬وستين‭ ‬عامًا،‭ ‬ظلّت‭ ‬البحرين‭ ‬خلالها‭ ‬واحة‭ ‬أمنٍ‭ ‬واستقرارٍ،‭ ‬ومنارة‭ ‬انفتاحٍ‭ ‬وتسامحٍ،‭ ‬ومقصدًا‭ ‬للتجار‭ ‬والرحالة‭ ‬والعلماء‭ ‬من‭ ‬مشارق‭ ‬الأرض‭ ‬ومغاربها‭. ‬ وفي‭ ‬سلسلة‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬أخصصها‭ ‬لهذا‭ ‬العام،‭ ‬درجت‭ ‬على‭ ‬استحضار‭ ‬شخصياتٍ‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالبحرين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬عظمته،‭ ‬وتستحق‭ ‬أن‭ ‬تُضاء‭ ‬سيرها‭ ‬وتُستعاد‭ ‬ذكراها‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬اليوم‭ ‬فأتناول‭ ‬شخصيةً‭ ‬من‭ ‬طرازٍ‭ ‬مختلفٍ؛‭ ‬ليست‭ ‬شخصية‭ ‬تاجرٍ‭ ‬يسعى‭ ‬وراء‭ ‬اللؤلؤ،‭ ‬ولا‭ ‬رحالةً‭ ‬يستهويه‭ ‬وصف‭ ‬المدن‭ ‬والأسواق،‭ ‬بل‭ ‬عالم‭ ‬نباتٍ‭ ‬شاب‭ ‬قدم‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬أوروبا‭ ‬الوسطى‭ ‬حاملًا‭ ‬دفاتره‭ ‬ومكبس‭ ‬نباتاته،‭ ‬ليحط‭ ‬رحاله‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬عام‭ ‬1910م،‭ ‬إنه‭ ‬الدكتور‭ ‬فرانتيشيك‭ ‬نابيليك‭ ‬الذي‭ ‬تُعدّ‭ ‬زيارته‭ ‬واحدةً‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الزيارات‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭. ‬والحقّ‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كُتب‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬العالِم‭ ‬قليل،‭ ‬سواءً‭ ‬في‭ ‬لغته‭ ‬التشيكية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬اللغات‭ ‬الأوروبية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬العربية؛‭ ‬إذ‭ ‬ظل‭ ‬اسمه‭ ‬معروفًا‭ ‬في‭ ‬الدوائر‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النبات‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التعريف‭ ‬به‭ ‬وبزيارته‭ ‬فرصةً‭ ‬سانحةً‭ ‬لإنصافه،‭ ‬وإضافةً‭ ‬إلى‭ ‬الصفحات‭ ‬المشرقة‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬حفل‭ ‬بها‭ ‬سجل‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬عظمته‭. ‬ من‭ ‬مورافيا‭ ‬إلى‭ ‬فيينا‭.. ‬نشأة‭ ‬عالم وُلد‭ ‬فرانتيشيك‭ ‬نابيليك‭ ‬في‭ ‬3‭ ‬مايو‭ ‬1884م‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كروميرجيج،‭ ‬إحدى‭ ‬المدن‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬مورافيا،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬حينها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬إمبراطورية‭ ‬النمسا‭ ‬والمجر‭ (‬1867‭ ‬–‭ ‬1918م‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُفسّر‭ ‬وصفه‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬البريطانية‭ ‬المعاصرة‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬مجري‮»‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنه‭ ‬تشيكي‭. ‬ونشأ‭ ‬في‭ ‬بيتٍ‭ ‬عامرٍ‭ ‬بالعلم؛‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬والده،‭ ‬الدكتور‭ ‬فرانتيشيك‭ ‬نابيليك‭ ‬الأب،‭ ‬أستاذًا‭ ‬للرياضيات‭ ‬والفيزياء‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬الثانوية‭ ‬بالمدينة،‭ ‬وعالم‭ ‬فلكٍ‭ ‬شغوفًا،‭ ‬أقام‭ ‬في‭ ‬رواق‭ ‬الحديقة‭ ‬التاريخية‭ ‬الشهيرة‭ ‬بمدينته‭ ‬جهازًا‭ ‬علميًا‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬كرةٍ‭ ‬معدنيةٍ‭ ‬معلّقةٍ‭ ‬بخيطٍ‭ ‬طويلٍ‭ ‬من‭ ‬سقف‭ ‬الرواق،‭ ‬تتأرجح‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬فتُريهم‭ ‬بأعينهم‭ ‬أن‭ ‬الأرض‭ ‬تدور،‭ ‬وكان‭ ‬الأهالي‭ ‬يتوافدون‭ ‬على‭ ‬محاضراته‭ ‬الميسّرة‭ ‬عن‭ ‬القمر‭ ‬والشمس‭ ‬والمذنبات،‭ ‬ورسم‭ ‬أولى‭ ‬خرائط‭ ‬النجوم‭ ‬التشيكية‭ ‬الأصيلة،‭ ‬وألّف‭ ‬كتابًا‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬عن‭ ‬النجوم‭: ‬قراءة‭ ‬للجميع‮»‬‭ ‬صدر‭ ‬في‭ ‬كروميرجيج‭ ‬عام‭ ‬1906م‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬البيت،‭ ‬الذي‭ ‬ضمّ‭ ‬أيضًا‭ ‬شقيقةً‭ ‬عازفةً‭ ‬للبيانو‭ ‬وشقيقين‭ ‬درسا‭ ‬الطب،‭ ‬تفتّح‭ ‬وعي‭ ‬الابن‭ ‬البكر‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬الطبيعة‭ ‬وحبّ‭ ‬الاستقصاء،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الأب‭ ‬قد‭ ‬رفع‭ ‬بصره‭ ‬إلى‭ ‬السماء،‭ ‬فإن‭ ‬الابن‭ ‬قد‭ ‬أحنى‭ ‬ظهره‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭ ‬يتأمل‭ ‬ما‭ ‬تُنبت‭. ‬ وبعد‭ ‬أن‭ ‬أتمّ‭ ‬دراسته‭ ‬الثانوية‭ ‬في‭ ‬كروميرجيج‭ ‬عام‭ ‬1901م،‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬فيينا،‭ ‬عاصمة‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬ومركز‭ ‬إشعاعها‭ ‬العلمي،‭ ‬حيث‭ ‬تلقّى‭ ‬تعليمه‭ ‬الجامعي‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1902‭ ‬و1907م‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬البروفيسور‭ ‬ريتشارد‭ ‬فون‭ ‬فيتشتاين،‭ ‬أحد‭ ‬كبار‭ ‬علماء‭ ‬النبات‭ ‬في‭ ‬عصره،‭ ‬ومدير‭ ‬الحديقة‭ ‬النباتية‭ ‬والمعهد‭ ‬النباتي‭ ‬بجامعة‭ ‬فيينا،‭ ‬الذي‭ ‬تخرّج‭ ‬في‭ ‬مدرسته‭ ‬جيلٌ‭ ‬من‭ ‬أمهر‭ ‬علماء‭ ‬النبات‭ ‬الميدانيين،‭ ‬كما‭ ‬تتلمذ‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬عالم‭ ‬فسيولوجيا‭ ‬النبات‭ ‬الشهير‭ ‬يوليوس‭ ‬فيزنر،‭ ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة‭ ‬اكتسب‭ ‬الشاب‭ ‬الصرامة‭ ‬المنهجية‭ ‬وروح‭ ‬العمل‭ ‬الميداني‭ ‬اللتين‭ ‬طبعتا‭ ‬مسيرته‭ ‬كلها‭. ‬ وبعد‭ ‬تخرجه‭ ‬عمل‭ ‬مدرسًا‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المدارس‭ ‬الثانوية‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬ليبنيك‭ ‬ناد‭ ‬بيتشفو‭ ‬في‭ ‬مورافيا،‭ ‬وظل‭ ‬شغف‭ ‬الاستكشاف‭ ‬متقدًا‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رسالة‭ ‬التعليم،‭ ‬فما‭ ‬لبث‭ ‬أن‭ ‬أعد‭ ‬العدة‭ ‬لرحلةٍ‭ ‬ستُخلّد‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬علم‭ ‬النبات‭. ‬ نجح‭ ‬نابيليك‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬تمويل‭ ‬رحلته‭ ‬العلمية‭ ‬إلى‭ ‬المشرق‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬والتعليم‭ ‬الملكية‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬والأكاديمية‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬للعلوم‭ ‬في‭ ‬فيينا،‭ ‬ومن‭ ‬مؤسسة‭ ‬‮«‬سفاتوبور‮»‬‭ ‬في‭ ‬براغ‭ ‬المعنية‭ ‬برعاية‭ ‬العلم‭ ‬والأدب‭ ‬التشيكيين،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬دعمٍ‭ ‬شخصيٍ‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬أساقفة‭ ‬أولوموتس‭ ‬فرانتيشيك‭ ‬ساليسكي‭ ‬باور،‭ ‬المعروف‭ ‬برعايته‭ ‬للعلم‭ ‬والعلماء‭. ‬وفي‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬1909م،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الخامسة‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬انطلق‭ ‬في‭ ‬رحلةٍ‭ ‬امتدت‭ ‬نحو‭ ‬عشرين‭ ‬شهرًا‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بدأها‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬ثم‭ ‬عرّج‭ ‬على‭ ‬الأردن‭ ‬حيث‭ ‬زار‭ ‬البتراء‭ ‬وعيون‭ ‬الزارة‭ ‬الحارّة‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬للبحر‭ ‬الميت،‭ ‬ومنها‭ ‬إلى‭ ‬الشام‭ ‬ولبنان،‭ ‬حيث‭ ‬قضى‭ ‬بين‭ ‬أغسطس‭ ‬ونوفمبر‭ ‬1909م‭ ‬فترة‭ ‬نقاهةٍ‭ ‬من‭ ‬وعكةٍ‭ ‬صحيةٍ‭ ‬بين‭ ‬دمشق‭ ‬وبيروت‭ ‬وبلدة‭ ‬برمانا‭ ‬الجبلية،‭ ‬استعاد‭ ‬خلالها‭ ‬عافيته‭ ‬وعزيمته‭. ‬وفي‭ ‬بيروت‭ ‬التقطت‭ ‬له‭ ‬‮«‬دار‭ ‬بونفيس‮»‬‭ ‬الشهيرة،‭ ‬أعرق‭ ‬استوديوهات‭ ‬التصوير‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬آنذاك،‭ ‬صورةً‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تحتفظ‭ ‬بها‭ ‬أسرته،‭ ‬يظهر‭ ‬فيها‭ ‬بالثوب‭ ‬العربي‭ ‬والغترة‭ ‬والعقال،‭ ‬حاملًا‭ ‬عصاه‭ ‬وبندقيته؛‭ ‬وهي‭ ‬صورةٌ‭ ‬تختصر‭ ‬روح‭ ‬ذلك‭ ‬الجيل‭ ‬من‭ ‬الرحالة‭ ‬الذين‭ ‬اندمجوا‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬قصدوها،‭ ‬وتعلموا‭ ‬لغة‭ ‬أهلها،‭ ‬ولبسوا‭ ‬لباسهم‭. ‬ بعدها‭ ‬استأنف‭ ‬المسير‭ ‬بهمةٍ‭ ‬متجددةٍ؛‭ ‬فتوجه‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النهرين،‭ ‬وأقام‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬نحو‭ ‬شهرٍ‭ ‬بين‭ ‬ديسمبر‭ ‬1909م‭ ‬ويناير‭ ‬1910م،‭ ‬ثم‭ ‬غادرها‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬يناير‭ ‬نازلًا‭ ‬مع‭ ‬مجرى‭ ‬النهر‭ ‬إلى‭ ‬البصرة،‭ ‬ومنها‭ ‬ركب‭ ‬البحر‭ ‬جنوبًا‭ ‬مع‭ ‬البواخر‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تربط‭ ‬موانئ‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬لتكون‭ ‬البحرين‭ ‬محطته‭ ‬اللاحقة‭. ‬‭ ‬ في‭ ‬كنف‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭.. ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬1910م وصل‭ ‬نابيليك‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬عام‭ ‬1910م،‭ ‬وقد‭ ‬أشارت‭ ‬التقارير‭ ‬الإدارية‭ ‬البريطانية‭ ‬لذلك‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬زيارته‭ ‬بوصفه‭ ‬عالمًا‭ ‬متخصصًا‭ ‬في‭ ‬النبات،‭ ‬وهي‭ ‬زيارةٌ‭ ‬تُبرز‭ ‬مكانة‭ ‬البحرين‭ ‬محطةً‭ ‬يقصدها‭ ‬العلماء‭ ‬لذاتها،‭ ‬لما‭ ‬تختزنه‭ ‬من‭ ‬ثراءٍ‭ ‬طبيعيٍ‭ ‬وإنسانيٍ،‭ ‬ولما‭ ‬تنعم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أمنٍ‭ ‬واستقرارٍ‭ ‬يُهيّئان‭ ‬للباحث‭ ‬البيئة‭ ‬المناسبة‭ ‬لعمله‭. ‬ومما‭ ‬يزيد‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬أهميةً‭ ‬أن‭ ‬نابيليك‭ ‬كان‭ ‬حريصًا‭ ‬على‭ ‬مكاتبة‭ ‬أسرته‭ ‬أثناء‭ ‬رحلته،‭ ‬وأن‭ ‬رسائله‭ ‬تلك،‭ ‬المكتوبة‭ ‬بالتشيكية،‭ ‬محفوظةٌ‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أرشيف‭ ‬معهد‭ ‬النبات‭ ‬بأكاديمية‭ ‬العلوم‭ ‬السلوفاكية‭ ‬في‭ ‬براتيسلافا،‭ ‬وقد‭ ‬رُقمنت‭ ‬حديثًا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مذكراته‭ ‬المدوّنة‭. ‬ كانت‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬أبصرها‭ ‬نابيليك‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الشتاء‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬عصرها‭ ‬الذهبي‭ ‬للؤلؤ،‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬مضى‭ ‬على‭ ‬توليه‭ ‬مقاليد‭ ‬الحكم‭ ‬آنذاك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬أرسى‭ ‬خلالها‭ ‬أمنًا‭ ‬واستقرارًا‭ ‬جعلا‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬ملاذًا‭ ‬آمنًا‭ ‬للجميع‭. ‬وكان‭ ‬الموسم‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬فيه‭ ‬هو‭ ‬موسم‭ ‬الخصب‭ ‬في‭ ‬البحرين؛‭ ‬حيث‭ ‬تتفجّر‭ ‬العيون‭ ‬العذبة،‭ ‬وتخضرّ‭ ‬بساتين‭ ‬النخيل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الشمالية،‭ ‬وتكتسي‭ ‬السباخ‭ ‬والسواحل‭ ‬بنباتاتها‭ ‬الموسمية‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬مشهد‭ ‬المنامة‭ ‬من‭ ‬البحر،‭ ‬بسفن‭ ‬الغوص‭ ‬الراسية‭ ‬في‭ ‬مينائها‭ ‬وأسواقها‭ ‬العامرة‭ ‬بتجار‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأمصار،‭ ‬قد‭ ‬ترك‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الشاب‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬أثرًا‭ ‬لا‭ ‬يُمحى‭. ‬وكانت‭ ‬البحرين‭ ‬ببيئتها‭ ‬الفريدة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬النخيل‭ ‬والعيون‭ ‬والصحراء‭ ‬والبحر،‭ ‬كنزًا‭ ‬بكرًا‭ ‬لعالم‭ ‬نباتٍ‭ ‬قادمٍ‭ ‬من‭ ‬جبال‭ ‬أوروبا؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬نباتات‭ ‬الشرق‮»‬‭ ‬للعالم‭ ‬السويسري‭ ‬بواسييه،‭ ‬وهو‭ ‬المرجع‭ ‬المعتمد‭ ‬آنذاك،‭ ‬قد‭ ‬أغفل‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬إغفالًا‭ ‬شبه‭ ‬تام‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تكتسب‭ ‬العينات‭ ‬التي‭ ‬جمعها‭ ‬نابيليك‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬قيمتها‭ ‬الاستثنائية؛‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬السجلات‭ ‬النباتية‭ ‬التي‭ ‬جُمعت‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬أسسٍ‭ ‬علميةٍ‭ ‬منهجيةٍ،‭ ‬وهي‭ ‬تحفظ‭ ‬صورة‭ ‬نبات‭ ‬البحرين‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬الميلادي‭. ‬ وبعد‭ ‬أن‭ ‬أتمّ‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬عاد‭ ‬نابيليك‭ ‬أدراجه‭ ‬شمالًا‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬في‭ ‬إبريل‭ ‬1910م،‭ ‬ومنها‭ ‬إلى‭ ‬الموصل‭ ‬وجبال‭ ‬شمال‭ ‬العراق،‭ ‬حيث‭ ‬قصد‭ ‬الأديرة‭ ‬النسطورية‭ ‬القديمة‭ ‬المعلّقة‭ ‬في‭ ‬أعالي‭ ‬الجبال،‭ ‬ثم‭ ‬جبال‭ ‬حكاري‭ ‬والأناضول‭ ‬الشرقية،‭ ‬وهي‭ ‬مناطق‭ ‬كانت‭ ‬شبه‭ ‬مجهولة‭ ‬لعلماء‭ ‬النبات،‭ ‬وتتميز‭ ‬بكثرة‭ ‬أنواعها‭ ‬المتوطنة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنبت‭ ‬في‭ ‬سواها،‭ ‬فكانت‭ ‬حصاده‭ ‬الأوفر‭ ‬من‭ ‬الأنواع‭ ‬الجديدة‭. ‬وبعد‭ ‬فترة‭ ‬نقاهةٍ‭ ‬ثانيةٍ‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬وان‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬1910م،‭ ‬أتمّ‭ ‬جولته‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬وطنه‭ ‬عبر‭ ‬حلب‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬نفسه،‭ ‬محمّلًا‭ ‬بكنوزه‭ ‬النباتية‭. ‬ لم‭ ‬تكن‭ ‬زيارة‭ ‬نابيليك‭ ‬حدثًا‭ ‬معزولًا،‭ ‬بل‭ ‬حلقةً‭ ‬في‭ ‬سلسلةٍ‭ ‬طويلةٍ‭ ‬من‭ ‬الزيارات‭ ‬العلمية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير؛‭ ‬فقد‭ ‬تعاقب‭ ‬على‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬الرحالة‭ ‬والأطباء‭ ‬والصحفيون‭ ‬والخبراء‭. ‬وفي‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬استقطبت‭ ‬حكومة‭ ‬البحرين‭ ‬خبيرًا‭ ‬زراعيًا‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬كما‭ ‬زارها‭ ‬الكاتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬الشهير‭ ‬ألبير‭ ‬لوندر‭ ‬عام‭ ‬1930م‭ ‬وكتب‭ ‬عنها‭ ‬وعن‭ ‬تجارة‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬فيها‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬لهذا‭ ‬التوافد‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬وليس‭ ‬الحصر‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬لولا‭ ‬ما‭ ‬وفّره‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬من‭ ‬أمنٍ‭ ‬وطمأنينةٍ،‭ ‬وما‭ ‬عُرف‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬حُسن‭ ‬الوفادة‭ ‬وسعة‭ ‬الصدر،‭ ‬وما‭ ‬تمتّعت‭ ‬به‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬من‭ ‬سمعةٍ‭ ‬طيبةٍ‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية،‭ ‬جعلتها‭ ‬تُقصد‭ ‬من‭ ‬الأقطار‭ ‬كافة‭. ‬ وتزداد‭ ‬زيارة‭ ‬نابيليك‭ ‬دلالةً‭ ‬حين‭ ‬نستحضر‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬عن‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬من‭ ‬نظرةٍ‭ ‬استشرافيةٍ‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الزراعة‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي؛‭ ‬إذ‭ ‬أولى‭ ‬بساتين‭ ‬النخيل‭ ‬والعيون‭ ‬عنايته،‭ ‬وشجّع‭ ‬على‭ ‬تجريب‭ ‬محاصيل‭ ‬جديدة،‭ ‬واستقدم‭ ‬الخبراء‭ ‬ليستكشفوا‭ ‬ما‭ ‬يناسب‭ ‬تربة‭ ‬البحرين‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬قدوم‭ ‬عالم‭ ‬نباتٍ‭ ‬أوروبيٍ‭ ‬ليوثّق‭ ‬نبات‭ ‬البحرين‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن،‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬عظمته‭ ‬كانت‭ ‬أرضًا‭ ‬مفتوحةً‭ ‬للعلم‭ ‬والعلماء،‭ ‬وأن‭ ‬حاكم‭ ‬البحرين‭ ‬وتوابعها‭ ‬كان‭ ‬يُدرك‭ ‬أن‭ ‬خير‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬أرضها‭ ‬واستثمار‭ ‬خيراتها‭. ‬ عاد‭ ‬نابيليك‭ ‬إلى‭ ‬وطنه‭ ‬بحصيلةٍ‭ ‬علميةٍ‭ ‬مدهشةٍ؛‭ ‬إذ‭ ‬ضمّ‭ ‬معشبه‭ ‬الرئيس‭ ‬4163‭ ‬رقمًا‭ ‬جمعيًّا‭ ‬تُمثّل‭ ‬نحو‭ ‬6465‭ ‬عينةً‭ ‬نباتيةً‭ ‬محفوظةً،‭ ‬أمضى‭ ‬نحو‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا‭ ‬في‭ ‬تصنيفها‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬كبار‭ ‬المعاشب‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬جنيف‭ ‬وفايمار‭ ‬وفيينا‭. ‬ونُشرت‭ ‬نتائج‭ ‬الرحلة‭ ‬في‭ ‬خمسة‭ ‬أجزاءٍ‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1923م‭ ‬و1929م‭ ‬ضمن‭ ‬مطبوعات‭ ‬كلية‭ ‬العلوم‭ ‬بجامعة‭ ‬ماساريك‭ ‬في‭ ‬برنو،‭ ‬وقد‭ ‬وصف‭ ‬فيها‭ ‬أربعة‭ ‬أجناسٍ‭ ‬نباتيةٍ‭ ‬جديدةٍ‭ ‬و78‭ ‬نوعًا‭ ‬و69‭ ‬ضربًا‭ ‬و38‭ ‬شكلًا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬معروفةً‭ ‬للعلم‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وهي‭ ‬حصيلةٌ‭ ‬استثنائيةٌ‭ ‬لرحلةٍ‭ ‬واحدةٍ‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬رجلٌ‭ ‬واحدٌ‭. ‬وما‭ ‬زال‭ ‬اسمه،‭ ‬بصيغته‭ ‬العلمية‭ ‬المختصرة،‭ ‬يُذيّل‭ ‬نحو‭ ‬148‭ ‬اسمًا‭ ‬نباتيًا‭ ‬في‭ ‬الفهرس‭ ‬الدولي‭ ‬لأسماء‭ ‬النباتات‭. ‬وظلّت‭ ‬سجلاته‭ ‬مرجعًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬لمن‭ ‬جاء‭ ‬بعده؛‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬بيتر‭ ‬ديفيس،‭ ‬مؤلّف‭ ‬المرجع‭ ‬الحديث‭ ‬الشامل‭ ‬لنباتات‭ ‬الأناضول،‭ ‬اعتمد‭ ‬عليها‭ ‬اعتمادًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بعد‭ ‬عقود،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يسبقه‭ ‬أحدٌ‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الجبال‭ ‬النائية‭ ‬سوى‭ ‬نابيليك‭. ‬ وتدرّج‭ ‬نابيليك‭ ‬في‭ ‬السلك‭ ‬الأكاديمي‭ ‬أستاذًا‭ ‬للنبات‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ماساريك،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬عام‭ ‬1939م‭ ‬إلى‭ ‬براتيسلافا،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انخرط‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬المقاومة‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬النازي‭ ‬في‭ ‬برنو،‭ ‬حيث‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬معهد‭ ‬النبات‭ ‬بالجامعة‭ ‬السلوفاكية‭ ‬ومكتبته‭ ‬ومعشبه،‭ ‬وتولّى‭ ‬إدارة‭ ‬حديقتها‭ ‬النباتية،‭ ‬ثم‭ ‬عمادة‭ ‬كلية‭ ‬العلوم،‭ ‬فرئاسة‭ ‬الجامعة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1947م‭ ‬و1948م‭. ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬أتمّ‭ ‬رسالته‭ ‬الجامعية‭ ‬في‭ ‬براتيسلافا‭ ‬عام‭ ‬1950م،‭ ‬فتح‭ ‬له‭ ‬العلم‭ ‬بابًا‭ ‬جديدًا‭ ‬في‭ ‬مشتل‭ ‬ملينياني،‭ ‬فجعله‭ ‬ميدانًا‭ ‬لعطائه،‭ ‬فوضع‭ ‬له‭ ‬جردًا‭ ‬نباتيًا‭ ‬شاملًا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه‭ ‬في‭ ‬مورافيا‭ ‬عام‭ ‬1960م‭. ‬وتوفي‭ ‬في‭ ‬10‭ ‬يونيو‭ ‬1965م،‭ ‬وقد‭ ‬رثاه‭ ‬خلفه‭ ‬البروفيسور‭ ‬يوزف‭ ‬مايوفسكي‭ ‬بقوله‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬‮«‬معلمًا‭ ‬ممتازًا،‭ ‬ومنظّمًا،‭ ‬وموسيقيًا،‭ ‬وإنسانًا‭ ‬طيبًا،‭ ‬وسيظلّ‭ ‬علماء‭ ‬النبات‭ ‬السلوفاكيون‭ ‬مدينين‭ ‬له‭ ‬أبد‭ ‬الدهر‮»‬‭. ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬براتيسلافا‭ ‬تحفظ‭ ‬ذكراه‭ ‬في‭ ‬شارعٍ‭ ‬يحمل‭ ‬اسمه‭ ‬بجوار‭ ‬الحديقة‭ ‬النباتية‭ ‬التي‭ ‬أسسها،‭ ‬فيما‭ ‬يُجمع‭ ‬من‭ ‬عرفوه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬أستاذ‭ ‬جيلٍ‭ ‬كاملٍ‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬النبات‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬البلاد‭. ‬ واليوم،‭ ‬وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرنٍ‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الرحلة،‭ ‬أُعيد‭ ‬لهذا‭ ‬الإرث‭ ‬اعتباره؛‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬تنقّلت‭ ‬مجموعته‭ ‬بين‭ ‬معاشب‭ ‬برنو‭ ‬وبراتيسلافا‭ ‬وملينياني‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬وحُفظت‭ ‬خلالها‭ ‬سليمةً‭ ‬بعناية‭ ‬من‭ ‬تعاقبوا‭ ‬على‭ ‬رعايتها،‭ ‬استقرت‭ ‬أخيرًا‭ ‬في‭ ‬معشب‭ ‬معهد‭ ‬النبات‭ ‬التابع‭ ‬لأكاديمية‭ ‬العلوم‭ ‬السلوفاكية‭ ‬في‭ ‬براتيسلافا،‭ ‬الذي‭ ‬رقمنها‭ ‬كاملةً‭ ‬بدعمٍ‭ ‬من‭ ‬مؤسسة‭ ‬أندرو‭ ‬ميلون‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وحدّد‭ ‬مواقع‭ ‬معظم‭ ‬عيناتها‭ ‬على‭ ‬الخريطة،‭ ‬ومنح‭ ‬كل‭ ‬عينةٍ‭ ‬معرّفًا‭ ‬رقميًا‭ ‬ثابتًا،‭ ‬وأتاحها‭ ‬للباحثين‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬بوابةٍ‭ ‬إلكترونيةٍ‭ ‬مخصّصةٍ‭ ‬وقواعد‭ ‬البيانات‭ ‬العالمية‭. ‬ومعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أوراق‭ ‬النبات‭ ‬التي‭ ‬قطفها‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬شتاء‭ ‬1910م،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬محفوظةً‭ ‬بأسمائها‭ ‬وتواريخها‭ ‬ومواقعها،‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬كل‭ ‬باحثٍ‭ ‬يُريد‭ ‬أن‭ ‬يقارن‭ ‬بين‭ ‬نبات‭ ‬بلاده‭ ‬اليوم‭ ‬ونباتها‭ ‬قبل‭ ‬قرنٍ‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬شاهدةً‭ ‬على‭ ‬بحرين‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭. ‬ إن‭ ‬حكاية‭ ‬فرانتيشيك‭ ‬نابيليك‭ ‬تُذكّرنا‭ ‬بأن‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬كانت‭ ‬أرضًا‭ ‬يقصدها‭ ‬طلاب‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬أقاصي‭ ‬الأرض،‭ ‬آمنين‭ ‬مطمئنين،‭ ‬يجدون‭ ‬فيها‭ ‬حفاوة‭ ‬الاستقبال‭ ‬وكرم‭ ‬الضيافة‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ليتحقق‭ ‬لولا‭ ‬حاكمٌ‭ ‬رشيدٌ‭ ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬هما‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تُبنى‭ ‬عليه‭ ‬النهضة،‭ ‬وأن‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬الأصالة‭ ‬والتمسّك‭ ‬بالثوابت‭. ‬لقد‭ ‬صنع‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير،‭ ‬بحكمته‭ ‬وبُعد‭ ‬نظره،‭ ‬بحرينَ‭ ‬يأتيها‭ ‬العالِم‭ ‬والتاجر‭ ‬والرحّالة‭ ‬سواء،‭ ‬فيُغادرها‭ ‬وقد‭ ‬حمل‭ ‬عنها‭ ‬صورةً‭ ‬مشرقةً‭ ‬ظلّت‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬العالم‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬التاريخ‭ ‬قد‭ ‬أنصف‭ ‬الكبار‭ ‬من‭ ‬الرحّالة‭ ‬والمستكشفين‭ ‬فخصّهم‭ ‬بالدراسات‭ ‬والمؤلفات،‭ ‬فإن‭ ‬رجلًا‭ ‬مثل‭ ‬نابيليك،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يُكتب‭ ‬عنه‭ ‬إلا‭ ‬القليل،‭ ‬جديرٌ‭ ‬بأن‭ ‬تُستعاد‭ ‬سيرته‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬بالذات،‭ ‬لأنه‭ ‬شاهدٌ‭ ‬أمينٌ‭ ‬من‭ ‬شهود‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة،‭ ‬حفظ‭ ‬شهادته‭ ‬في‭ ‬أوراق‭ ‬النبات،‭ ‬فجاءت‭ ‬شهادةً‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬ذاتها‭ ‬على‭ ‬ازدهار‭ ‬البحرين‭ ‬وأمنها‭. ‬ وفي‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬،‭ ‬ونحن‭ ‬نستحضر‭ ‬هذه‭ ‬السيرة‭ ‬العطرة،‭ ‬نُدرك‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬اليوم،‭ ‬بقيادة‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬وبمساندة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬تمضي‭ ‬على‭ ‬النهج‭ ‬ذاته؛‭ ‬أرضًا‭ ‬للعلم‭ ‬والمعرفة،‭ ‬ومركزًا‭ ‬للبحث‭ ‬والدراسة،‭ ‬ومحطًّا‭ ‬لأنظار‭ ‬الباحثين‭ ‬من‭ ‬الأقطار‭ ‬كافة،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرنٍ‭ ‬حين‭ ‬حطّ‭ ‬العالم‭ ‬الشاب‭ ‬رحاله‭ ‬على‭ ‬سواحلها،‭ ‬فسلامٌ‭ ‬على‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬أرسى‭ ‬هذه‭ ‬القيم،‭ ‬وطوبى‭ ‬لمن‭ ‬حمل‭ ‬الراية‭ ‬من‭ ‬بعده،‭ ‬وسار‭ ‬على‭ ‬دربه‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وطنٍ‭ ‬تسمو‭ ‬به‭ ‬العلوم،‭ ‬وتتعاقب‭ ‬على‭ ‬ذراه‭ ‬الأجيال‭.‬ عميد‭ ‬كلية‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬خالد‭ ‬للدراسات‭ ‬الإسلامية

المصدر: أخبار الخليج