القماطي: الفقر في ليبيا نتيجة سياسات أهدرت الثروة وأضعفت القدرة الشرائية للمواطن - اخبار ليبيا
قال رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بنغازي حلمي القماطي، إن الفقر في ليبيا ليس قدرًا اقتصاديًا، بل نتيجة سياسات أهدرت الثروة وأضعفت القدرة الشرائية للمواطن، موضحًا بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على الفقر أن تفاقم المعاناة المعيشية في ليبيا لا يمكن تفسيره بارتفاع الأسعار وحده، بل يجب البحث في السياسات النقدية والمالية والاقتصادية التي أدت إلى تآكل القوة الشرائية للمواطن، رغم ما تمتلكه البلاد من ثروات نفطية وإمكانات مالية كان يفترض أن تضمن مستوى معيشيًا أفضل للسكان. وأكد القماطي أن جوهر الأزمة الليبية يكمن في التناقض بين وفرة الموارد العامة وتراجع الرفاه الاقتصادي للأسر؛ فليبيا ليست دولة فقيرة بالموارد، وإنما تعاني من اختلالات في إدارة الثروة وتوزيع عوائدها، وضعف كفاءة الإنفاق العام، وغياب السياسات الاقتصادية القادرة على تحويل الإيرادات النفطية إلى تنمية مستدامة وفرص عمل وتحسن ملموس في مستوى المعيشة. وأوضح رئيس قسم الاقتصاد، أن الفقر لا يُقاس فقط بمقدار ما يتقاضاه المواطن من دخل، وإنما بقدرته الحقيقية على شراء احتياجاته الأساسية. فعندما ترتفع أسعار الغذاء والدواء والسكن والخدمات، بينما تظل الدخول عاجزة عن مواكبة هذه الزيادات، فإن المواطن يتعرض لانخفاض فعلي في دخله الحقيقي، حتى لو لم ينخفض راتبه الاسمي. ومن ثم، فإن الراتب الذي كان يكفي الأسرة لتغطية احتياجاتها بالأمس قد لا يكفيها اليوم، وهو ما يعكس تراجعًا في مستوى المعيشة وتآكلًا في القيمة الاقتصادية للدخل. وذكر القماطي أن السياسات الاقتصادية التي أوصلت المواطن إلى هذا المستوى من المعاناة لا يمكن فصل بعضها عن بعض؛ إذ أسهمت الاختلالات المالية، والتوسع غير المنضبط في الإنفاق الجاري، والاعتماد المفرط على الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، واضطرابات سوق الصرف، وتعدد أسعار النقد الأجنبي وتكاليف الحصول عليه، في زيادة الضغوط على الأسعار وإضعاف استقرار الاقتصاد. ولفت إلى أن اختلال سوق الصرف ليس مجرد مشكلة تخص المتعاملين بالدولار، بل هو مشكلة تمس الأمن المعيشي لكل أسرة ليبية؛ لأن الاقتصاد المعتمد على الاستيراد ينقل آثار ارتفاع تكلفة النقد الأجنبي إلى أسعار السلع والخدمات. وعندما تتراجع قيمة الدينار أو ترتفع تكلفة الحصول على العملة الأجنبية، يتحمل المواطن جزءًا كبيرًا من التكلفة عبر ارتفاع الأسعار، حتى إن لم يكن طرفًا في سوق الصرف. وبيّن القماطي أن من الخطأ التعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد نقص في السيولة أو مشكلة يمكن حلها بضخ الأموال وزيادة المرتبات، فضخ السيولة دون معالجة الاختلالات التي تحكم العرض والطلب على النقد الأجنبي، ودون ضبط الإنفاق وتحسين الإنتاجية، قد يزيد الضغوط التضخمية بدلًا من أن يعالج جذور المشكلة. كما أن زيادة الأجور، إذا لم تترافق مع استقرار الأسعار وتحسن الإنتاجية، قد تتحول إلى زيادة اسمية تلتهمها موجات الغلاء. وأضاف رئيس قسم الاقتصاد، أن الخلل الأعمق يتمثل في غياب الاتساق بين السياسة المالية والسياسة النقدية والسياسة التجارية؛ إذ لا يمكن للمصرف المركزي وحده أن يحقق الاستقرار النقدي في ظل إنفاق عام غير منضبط، وطلب متزايد على النقد الأجنبي، واعتماد واسع على الواردات، كما لا تستطيع السياسة المالية تحقيق الاستقرار إذا ظلت إدارة الإيرادات النفطية والإنفاق العام خاضعة لضغوط المصالح والاعتبارات قصيرة الأجل، بدلًا من قواعد اقتصادية واضحة ومستدامة. ونوه القماطي إلى أن وصول نسبة السكان عند خط الفقر إلى نحو 42% يمثل إنذارًا اجتماعيًا واقتصاديًا بالغ الخطورة، إلا أن اعتمادها علميًا يتطلب التحقق من مصدرها وسنة القياس والمنهجية المستخدمة في تحديد خط الفقر. فخطورة الظاهرة لا تبرر التهاون في دقة بياناتها، بل تستوجب بناء قاعدة معلومات وطنية تقيس الفقر النقدي، والفقر متعدد الأبعاد، وتفاوت تكاليف المعيشة بين المناطق والفئات الاجتماعية. وأوضح أن مواجهة الفقر في ليبيا تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إصلاح أسبابها، من خلال حماية القوة الشرائية للدينار، وتحسين إدارة الإيرادات النفطية، وترشيد الإنفاق العام دون تحميل الفئات محدودة الدخل تكلفة الاختلالات المالية، وإصلاح سوق الصرف، ومكافحة الفساد والريع، ودعم الإنتاج المحلي، وتطوير شبكات حماية اجتماعية تصل إلى مستحقيها وفق بيانات دقيقة. واختتم القماطي تصريحه بقوله: “إن المأساة الاقتصادية الحقيقية ليست في أن تكون الدولة محدودة الموارد، بل في أن تمتلك موارد ضخمة ثم يعجز جزء من مواطنيها عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، فالثروة النفطية لا تُقاس بما يدخل الخزانة العامة فقط، وإنما بما تحققه من أمن معيشي وكرامة إنسانية وعدالة في توزيع الفرص”. يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة الساعة 24
المصدر: ليبيا أخبار