شبكات تجارة المخدرات في مرسيليا .. مأساة عائلية تلاحق الإخوة كيساسي
أعادت محاكمة خمسة متهمين بالتورط في قتل ثلاثة شبان بمدينة مرسيليا الفرنسية، في جرائم مرتبطة بالصراع بين شبكات الاتجار بالمخدرات، تسليط الضوء على مأساة عائلة كيساسي، التي فقدت اثنين من أبنائها خلال خمس سنوات، أحدهما كان متورطا في تجارة المخدرات، فيما قتل الثاني رغم ابتعاده عن هذا النشاط، بينما تحول شقيقهما أمين كيساسي إلى أحد أبرز الوجوه المناهضة لشبكات الترويج في المدينة، وأصبح يعيش تحت الحماية الأمنية بسبب التهديدات التي تستهدف حياته.
وتستعد محكمة الجنايات بمدينة إيكس أون بروفانس، الاثنين المقبل، لبدء النظر في قضية قتل ثلاثة شبان عثر على جثثهم متفحمة داخل سيارات محترقة أواخر سنة 2020 ومطلع 2021، في محاكمة يرتقب أن تستمر ثلاثة أسابيع، ويأمل أمين كيساسي، الذي يشغل حاليا منصب نائب عمدة مرسيليا، أن تكشف ملابسات مقتل شقيقه الأكبر إبراهيم شابان، بعد نحو ست سنوات من انتظار العدالة.
وقال أمين، البالغ من العمر 23 عاما، في حديث لوكالة “فرانس برس”، إن هذه المحاكمة تعيد إليه ذكريات مؤلمة وتفتح جروحا لم تلتئم منذ مقتل شقيقه، مؤكدا أن حضوره أمام القضاء لا تحركه الرغبة في الانتقام، وإنما البحث عن الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة.
وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط بعض المتهمين بشبكات إجرامية بارزة في مرسيليا، من بينها تنظيم “دي زد مافيا”، الذي اتسع نفوذه في تجارة المخدرات بالمدينة خلال السنوات الأخيرة، في وقت تواجه فيه الأحياء الشعبية تداعيات الصراعات المسلحة بين المجموعات المتنافسة على مناطق الترويج.
إبراهيم.. مسار انتهى بجثة داخل سيارة محترقة
بدأت مأساة عائلة كيساسي يوم 29 دجنبر 2020، عندما عثرت السلطات الفرنسية على سيارة محترقة داخل نفق على طريق سريع بالقرب من مرسيليا، وبداخلها جثتا شابين أصيبا برصاصتين في الرأس، أحدهما إبراهيم شابان، الشقيق الأكبر لأمين، والآخر رضا الخالدي.
وكان إبراهيم يبلغ 22 عاما عند مقتله، بعدما سبق أن نجا من محاولتي اغتيال خلال الأشهر السابقة، فيما كشفت التحقيقات عن تورطه في تجارة الكوكايين، ضمن شبكات كانت تنشط في عدد من الأحياء الشعبية بمدينة مرسيليا.
وبعد أيام قليلة، وتحديدا في 6 يناير 2021، عثرت السلطات على سيارة أخرى محترقة، احتوى صندوقها الخلفي على جثة نسيم لوباني، التي تعرضت للحرق والتشويه، ما دفع المحققين إلى الربط بين الجرائم الثلاث في سياق الصراعات القائمة بين مجموعات الاتجار بالمخدرات.
وتشير المعطيات القضائية إلى أن القضية تعود إلى مرحلة سبقت صعود شبكة “دي زد مافيا” إلى موقع متقدم في تجارة المخدرات بمرسيليا، عندما كانت مجموعات متنافسة تتصارع على السيطرة على نقاط البيع ومسالك التوزيع.
وفي كتابه “مرسيليا، امسحي دموعك”، استعاد أمين كيساسي تفاصيل السنوات التي سبقت مقتل إبراهيم، متحدثا عن التحولات التي عرفها مسار شقيقه الأكبر منذ المراهقة، بعدما بدأ بالتغيب عن المدرسة قبل أن ينخرط في مراقبة الشوارع لصالح مروجي المخدرات، وهي مهمة غالبا ما تشكل إحدى المراحل الأولى لاستدراج القاصرين إلى شبكات الاتجار.
وانتهى هذا المسار بدخول إبراهيم مؤسسة سجنية مخصصة للقاصرين، غير أن التجربة لم تنجح في إبعاده عن النشاط الإجرامي، رغم المحاولات المتكررة التي بذلتها أسرته لإعادته إلى حياته الدراسية والعائلية.
ويروي أمين في كتابه أن والدته بلغت بها محاولات إنقاذ ابنها حد إبلاغ الشرطة عنه، أملا في إخراجه من محيط المخدرات، كما كانت تقضي ساعات طويلة في البحث عنه داخل أحياء مرسيليا، متنقلة بين المناطق التي تنشط فيها شبكات الترويج.
ومن بين الوقائع التي استعادها أمين تلك الليالي التي كانت والدته تجوب فيها الشوارع بسيارتها بحثا عن إبراهيم، قبل أن تتعرض في إحدى المرات لتهديد مباشر بالسلاح من طرف أحد الأشخاص.
ورغم انخراط شقيقه في تجارة المخدرات، يحتفظ أمين بذكريات مختلفة عن علاقته الشخصية به، إذ يصفه بأنه كان أخا حريصا على حمايته وإبعاده عن الطريق الذي اختاره لنفسه، وكان يشجعه باستمرار على الاهتمام بالدراسة وتجنب الانخراط في الأنشطة غير القانونية.
ويستحضر أمين مواقف من طفولته، من بينها توبيخ إبراهيم له عندما شاهده يقود دراجة نارية دون خوذة واقية، كما يتذكر إعارة شقيقه بعض ملابسه ومنحه هدايا صغيرة، في علاقة عائلية ظلت قائمة رغم التحولات التي عرفتها حياة إبراهيم.
وفي إحدى العبارات التي خصصها لشقيقه الراحل، كتب أمين مخاطبا إياه: “لم تكن تريدني أن أسير على خطاك في طريق الفوضى”، في إشارة إلى حرص إبراهيم على ألا يكرر أخوه الأصغر تجربته.
ودفن إبراهيم في الجزائر، تاركا وراءه طفلة تدعى لونا، فيما ظلت أسرته تنتظر نتائج التحقيقات ومحاسبة المتورطين في مقتله.
وتبرز ضمن المتهمين في القضية شخصيتان معروفتان لدى أجهزة مكافحة الجريمة المنظمة، هما كريم حرات، الذي تصفه السلطات بأنه أحد الأسماء البارزة سابقا في شبكات المخدرات بمرسيليا، وأمين وعلان، المشتبه في تحوله لاحقا إلى أحد قادة شبكة “دي زد مافيا”.
وتتهم السلطات كريم حرات بتدبير عملية القتل وتمويلها من دبي، قبل أن يسلم من المغرب إلى فرنسا سنة 2023، فيما يشتبه في أن أمين وعلان اضطلع بدور رئيسي في التنسيق الميداني والمشاركة في تنفيذ العملية.
وينفي المتهمان علاقتهما بالجرائم، إذ أكد المحامي هوغ فيجييه أن موكله كريم حرات يرفض بصورة قاطعة الاتهامات الموجهة إليه، بينما قالت المحامية إيناس مديون إن موكلها أمين وعلان لا علاقة له بالقضية، معتبرة أن عناصر الملف التي تقدم ضده تدعم براءته.
مهدي.. شقيق بعيد عن المخدرات تطاله الجريمة
بعد نحو خمس سنوات من مقتل إبراهيم، تعرضت عائلة كيساسي لمأساة ثانية يوم 13 نونبر 2025، عندما اغتيل مهدي كيساسي، الشقيق الأصغر لأمين، في وضح النهار بأحد أحياء وسط مرسيليا، قبل أن يفر منفذو الهجوم على متن دراجة نارية.
وكان مهدي يبلغ 20 عاما، ولم تكن له علاقة معروفة بتجارة المخدرات، كما لم يكن مسجلا لدى أجهزة الشرطة ضمن الأشخاص المشتبه في تورطهم في أنشطة إجرامية، وكان يستعد لاجتياز مباراة الالتحاق بسلك الشرطة الفرنسية.
وأثار مقتله صدمة واسعة في فرنسا، خصوصا أن الضحية كان بعيدا عن الشبكات التي تورط فيها شقيقه الأكبر، فيما اكتسبت القضية اهتماما سياسيا وإعلاميا كبيرا، وصل إلى زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبره.
وطرحت السلطات الفرنسية احتمال أن تكون الجريمة عملية ترهيب استهدفت عائلة أمين كيساسي بسبب نشاطه العلني في مواجهة تجارة المخدرات، بينما تحدث الناشط الفرنسي عن فرضية أخرى تتعلق بوقوع خطأ في تحديد الهدف، بعدما يكون منفذو الهجوم قد اعتقدوا أن الشخص المستهدف هو أمين نفسه.
ولا تزال التحقيقات بشأن مقتل مهدي مستمرة، دون حسم نهائي في الدافع وراء الجريمة أو تحديد جميع المسؤولين عنها، فيما أشارت معلومات قريبة من التحقيق إلى احتمال وجود صلة لأمين وعلان، أحد المتهمين في قضية مقتل إبراهيم، بهذا الملف أيضا.
وفي كتابه، يستعيد أمين علاقته بشقيقه الأصغر الذي كان يصغره بعامين، موضحا أنهما نشآ معا في الحي نفسه، وارتبطا بكرة القدم والدراسة والعلاقات اليومية التي تجمع المراهقين.
وكان مهدي، بحسب رواية شقيقه، مهتما بمواقع التواصل الاجتماعي وأصدقائه، فيما ظل قريبا من الأنشطة الجمعوية التي كان ينظمها أمين، دون أن يرغب في الظهور الإعلامي أو المشاركة المباشرة في العمل السياسي.
وقالت الناشطة الجمعوية كاتيا يعقوبي، التي سبق أن شاركت مع أمين في الانتخابات التشريعية لسنة 2024، إنها كانت تشاهد مهدي باستمرار في محيط المبادرات الاجتماعية والتضامنية التي ينظمها شقيقه.
ووصفته بأنه شاب يتمتع بروح الدعابة والبساطة وحب الحياة، وكان شديد الارتباط بوالدته وحريصا على الاهتمام بأسرته، مشيرة إلى أنه فضل البقاء بعيدا عن الأضواء رغم نشاط شقيقه المتزايد في الحياة العامة.
وجعل مقتل مهدي العائلة تواجه فقدانا جديدا، في ظروف تختلف عن تلك التي أحاطت بمقتل إبراهيم، إذ لم يكن الشقيق الأصغر منخرطا في تجارة المخدرات، وكان يستعد لاختيار مسار مهني داخل جهاز الشرطة.
وبعد الجريمة، كثف أمين كيساسي تصريحاته الإعلامية للمطالبة بتعزيز الموارد المخصصة لمكافحة شبكات المخدرات، وإعادة الاستثمار العمومي في الأحياء التي تتضرر من أنشطتها، معربا في مناسبات عدة عن شعوره بالذنب تجاه ما تعرضت له أسرته.
وتشير الناشطة كاتيا يعقوبي إلى أن أمين وجد نفسه أمام مسؤوليات ثقيلة منذ سن مبكرة، بعدما فقد شقيقين وأصبح معرضا للتهديدات بسبب نشاطه، معتبرة أن الظروف التي عاشها دفعته إلى تحمل أعباء تفوق سنه.
وقالت يعقوبي متحدثة عن وضعه: “من يريد حياة كهذه في مثل سنه؟ إنه عبء رهيب”، مضيفة أنه كان ينبغي أن يعيش حياته شابا في مقتبل العمر، لكنه اضطر إلى النضج مبكرا بفعل المآسي التي تعرضت لها عائلته.
أمين.. من مأساة الأسرة إلى مواجهة شبكات المخدرات
تحول أمين كيساسي، البالغ 23 عاما، إلى شخصية بارزة في الحياة العامة بمدينة مرسيليا، بعدما ربط نشاطه السياسي والجمعوي بمناهضة تجارة المخدرات والدفاع عن سكان الأحياء الشعبية المتضررة من انتشار الشبكات الإجرامية.
وبدأ اهتمامه بالعمل الجمعوي والسياسي خلال سنوات الدراسة، إذ نظم في المرحلة الثانوية تجمعا احتجاجيا أمام مقر المحافظة، بعد توقيف اثنين من زملائه بسبب مشكلات تتعلق بوضعهما القانوني في فرنسا.
وأسس جمعية “كونسيونس” قبل مقتل شقيقه الأكبر إبراهيم، وركزت أنشطتها على تنظيم مبادرات اجتماعية وتوزيع المساعدات الغذائية، إلى جانب الاشتغال على القضايا المرتبطة بالشباب وسكان الأحياء التي تعاني الهشاشة الاجتماعية.
وبعد اغتيال إبراهيم، اتجه أمين بصورة أكبر نحو مناهضة تجارة المخدرات، وأصبح من الأصوات التي تطالب بتعزيز حضور المؤسسات العمومية في الأحياء الشعبية، وتوفير بدائل للشباب الذين تستقطبهم شبكات الترويج.
وخاض الانتخابات التشريعية الفرنسية سنة 2024، واقترب من الفوز بمقعد في الجمعية الوطنية أمام مرشحة من اليمين المتطرف، قبل أن يواصل نشاطه السياسي ضمن حزب الخضر.
وفي الانتخابات البلدية الأخيرة، انتخب أمين نائبا رابعا لعمدة مرسيليا، وأسندت إليه مسؤولية ملفات الشباب والمواطنة والمشاركة المدنية، في مسار سياسي جعله يحظى باهتمام متزايد من المسؤولين ووسائل الإعلام الفرنسية.
وأصبح أمين من الشخصيات التي يلتقيها الرئيس الفرنسي أو رئيس الوزراء عند زيارة مرسيليا لبحث قضايا الأمن ومكافحة المخدرات، بالنظر إلى نشاطه الميداني وخلفيته العائلية المرتبطة بالجرائم التي ارتكبتها شبكات الترويج.
غير أن هذا الظهور المتزايد ترافق مع تهديدات أمنية استهدفت حياته، إذ يعيش منذ صيف 2025 تحت حماية الشرطة، بعد ورود معلومات بشأن احتمال وجود مخطط لاغتياله.
وتشير المعطيات المتداولة بشأن هذه التهديدات إلى الاشتباه في ارتباطها بأحد مسؤولي شبكة “دي زد مافيا”، الذي ورد اسمه أيضا في التحقيقات المرتبطة بمقتل إبراهيم شابان.
وبعد مقتل مهدي، اتسع حضور أمين في النقاش العام الفرنسي بشأن جرائم المخدرات، حيث طالب بتوفير إمكانات إضافية للأجهزة المكلفة بمكافحة هذه الشبكات، وتعزيز الخدمات الاجتماعية والتعليمية في المناطق التي تستقطب فيها المجموعات الإجرامية الشباب والقاصرين.
ويواصل الناشط الفرنسي نشاطه داخل حزب الخضر، ويترشح حاليا للمشاركة في القيادة المشتركة للحزب، في وقت تفرض عليه الحماية الأمنية قيودا على حياته اليومية وتحركاته.
وبالتزامن مع هذا المسار، تعود قضية مقتل شقيقه الأكبر إلى القضاء الفرنسي، في محاكمة ستنعقد أمام هيئة من القضاة المحترفين بمحكمة جنايات بوش دو رون، دون مشاركة محلفين شعبيين، بالنظر إلى تعقيد الملف والمخاطر المرتبطة بالجريمة المنظمة.
وأوضح المدعي العام في إيكس أون بروفانس، فرانك راستول، أن اعتماد هيئة قضائية متخصصة يرتبط بالطبيعة التقنية والعلمية للمناقشات المرتقبة، فضلا عن احتمال تعرض المحلفين الشعبيين للتهديدات أو محاولات التأثير والفساد.
وكان كريم حرات قد أدين في يناير الماضي بالسجن عشر سنوات في قضية تتعلق بإدارة شبكة لتجارة المخدرات من الخارج، قبل أن يحكم عليه في مارس بالسجن 25 عاما في ملف اغتيال مزدوج يعود إلى سنة 2019، فيما برأت المحكمة أمين وعلان في القضية الأخيرة.
وقال أمين كيساسي إن ست سنوات من حياته مضت وهو يطالب بالحقيقة بشأن مقتل إبراهيم، مؤكدا أن المحاكمة ستتيح له مواجهة المتهمين والاستماع إلى التفاصيل التي قد تساعده على فهم ما جرى يوم 29 دجنبر 2020.
وشدد على أن ما ينتظره من القضاء هو تحقيق العدالة وليس الانتقام، معتبرا أن المحاكمة قد تقدم إجابات عن الأسئلة التي رافقته منذ مقتل شقيقه الأكبر، رغم أن أي تفسير لن يكون كافيا لتبرير ما تعرضت له أسرته.
وأكد أمين عزمه حضور الجلسات ومواجهة المتهمين مباشرة، قائلا إنه سيقف أمامهم وينظر في أعينهم، بعدما ظل طوال السنوات الماضية يطالب بمعرفة المسؤولين عن الجريمة التي أودت بحياة شقيقه.
The post شبكات تجارة المخدرات في مرسيليا .. مأساة عائلية تلاحق الإخوة كيساسي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس