شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

سيادة لبنان في اختبار الضابط السوري السابق معراج أورال... فوضى في المنصورية

سيادة لبنان في اختبار الضابط السوري السابق معراج أورال... فوضى في المنصورية

حين يُقال إن ضابطاً سورياً سابقاً أُوقف من منزله في المنصورية، ثم نُقل إلى سوريا عبر مسار لا تزال تفاصيله موضع تضارب، فإن القضية تتجاوز هوية الموقوف والجرائم المنسوبة إليه لتلامس جوهر السيادة اللبنانية. فالأراضي اللبنانية ليست ساحة مفتوحة لعمليات أجهزة خارجية، ولا يمكن أن يبقى توقيف شخص ونقله عبر الحدود محاطاً بالغموض، فيما تتعدد الروايات وتغيب الرواية الرسمية التي تحدد ما جرى والجهات التي تولّت تنفيذه.

المشهد، بتفاصيله المتداولة، يستحضر مسلسل "فوضى" الإسرائيلي: عملية استخباراتية خاطفة، توقيف من داخل منطقة سكنية، انتقال غامض، ثم وصول إلى خارج الحدود قبل أن تتضح الصورة. لكن ما يصلح حبكةً درامية يصبح في الواقع اللبناني مسألة سيادة وأمن داخلي، لأن القضية لم تعد مصير معراج أورال، المعروف أيضاً باسم علي كيالي، فحسب، بل قدرة الدولة على معرفة ما يجري على أرضها.

فبحسب المصادر الأمنية، فإن توقيف أورال في المنصورية تم على يد مخابرات تركية وسورية، ثم نقله إلى السفارة السورية ومنها إلى سوريا، من دون علم السلطات اللبنانية. في المقابل، تحدثت مصادر أخرى عن تنسيق مع الجانب اللبناني، فيما أفادت الرواية السورية بأن أورال أُوقف أثناء محاولته الفرار عبر الحدود. أما السفارة السورية فنفت أي علاقة لها بالعملية، مؤكدة عدم امتلاكها معلومات عن تفاصيلها.

غياب الرواية الرسمية يوسّع دائرة الخطر

ثلاث روايات لمسار واحد، فيما تبقى الوقائع الحاسمة بحاجة إلى حسم رسمي. وإذا ثبت أن التوقيف حصل في المنصورية، يصبح كشف مسار أورال والجهات التي تولّت نقله ومدى علم الأجهزة اللبنانية شرطاً أساسياً لتحديد المسؤوليات.

ولا يقلّ غياب الرواية اللبنانية الرسمية أهمية عن الغموض الذي يحيط بالعملية. فعندما تتولى مصادر مجهولة أو جهات خارجية تقديم تفاصيل عملية يُفترض أنها حصلت داخل لبنان، تصبح الدولة في موقع من يلاحق رواية الأحداث بدلاً من أن تكون المرجع الذي يحددها. والنتيجة لا تقتصر على الالتباس الإعلامي، بل تمتد إلى الثقة بقدرة المؤسسات الأمنية على ضبط الأراضي اللبنانية ومنع تحويلها إلى مسرح لعمليات لا تتضح حدودها القانونية.

فإذا كانت الأجهزة اللبنانية قد نسّقت في العملية، فإن ذلك يستوجب توضيح طبيعة التنسيق وأطره القانونية. أما إذا نُفذت من دون علمها، فالمسألة تطرح إشكالية سيادية أكثر خطورة. وفي الحالتين، لا يمكن أن يكون الصمت بديلاً من توضيح رسمي. كما أن خطورة الجرائم المنسوبة إلى أورال، ومنها مجازر بانياس عام 2013، لا تمنح أي جهاز أجنبي تفويضاً مفتوحاً لتنفيذ عمليات داخل لبنان، ولا تلغي حق الدولة في معرفة ما يجري على أراضيها.

السفارة السورية بين النفي والاتهامات

في موازاة ذلك، بدأت جهات معارضة للسلطات السورية الحالية الترويج لفكرة أن السفارة السورية في بيروت تحولت إلى مقر أمني أو محطة لعمليات استخباراتية، استناداً إلى ما يُتداول عن احتمال نقل أورال إليها قبل إخراجه إلى سوريا. كما أن ورود اسم السفارة في رواية أمنية لا يكفي وحده لإثبات مشاركتها. لكن استمرار الغموض يمنح الاتهامات مساحة للانتشار، ويهدد بإقحام العلاقات اللبنانية ـ السورية في سجال أمني وديبلوماسي جديد.

وتكتسب المقارنة مع قضية اللواء السوري السابق عادل عيسى أهمية خاصة. ففي آب الماضي، أبلغت السفارة السلطات اللبنانية بوجود عيسى لديها، بعدما حضر لإنجاز معاملة، فتدخلت الأجهزة اللبنانية وأوقفته، واستجوبه القضاء، ثم اتُّخذ قرار تسليمه إلى دمشق وفق الاتفاقية القضائية بين البلدين. وجرت العملية عبر مسار رسمي، من القضاء إلى الأمن العام ثم الحدود.

الفارق بين الحالتين يكمن في وضوح المسار القانوني والمؤسساتي. ففي قضية عيسى تولّت المؤسسات اللبنانية الإجراءات وصولاً إلى التسليم، فيما لا تزال قضية أورال محاطة بروايات متضاربة بشأن مكان توقيفه والجهات التي نقلته ودور السفارة.

في المحصلة، لا يمكن أن تنتهي قضية معراج أورال بمجرد وصوله إلى سوريا. المطلوب كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات، حمايةً لسيادة لبنان ومنعاً لتحويل الشكوك بشأن السفارة إلى اتهامات تؤذي العلاقات بين البلدين. فالمشهد الذي يستحضر "فوضى" لا ينبغي أن ينتهي باختفاء الموقوف من الصورة، فيما تبقى الدولة اللبنانية خارج رواية ما جرى على أرضها.

المصدر: النهار