«الضريبة التي لم تكن… والدولار الذي يبتلع المرتبات» .. تضارب بيانات المركزي والنفط يشعل السوق الموازي -
مليار ونصف دولار شهرياً تبتلع مرتبات الليبيين… وحكومة منتهية الولاية تتفرج على انفجار الدولار في مشهد يعكس حجم العبث السياسي الذي يدفع المواطن الليبي ثمنه فواتير باهظة، كشف الدكتور علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن مراسلة رئيس مجلس النواب بشأن إلغاء الضريبة جاءت “غير موفقة”، لأن الضريبة أُلغيت بالكامل بالفعل، كما تم تخفيض سعر الصرف الرسمي إلى 6.4 دينار للدولار. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما جدوى مطالبة بإلغاء إجراء لم يعد قائماً أصلاً؟ في قراءة اقتصادية وسياسية للأزمة الليبية، يبدو أن الطبقة السياسية منشغلة بمسرحياتها الخاصة بينما الغارق الحقيقي هو المواطن. فحكومة منتهية الولاية تدير الأزمة بمنطق “إطفاء الحرائق” عبر بيانات متضاربة، بدلاً من معالجة جذور الاختلال الهيكلي في الاقتصاد الليبي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نتعامل مع أزمة اقتصادية حقيقية، أم مع أزمة إدارة سياسية تُوظف الاقتصاد لأغراض البقاء في المشهد؟ فاتورة المحروقات: القنبلة الموقوتة في جيب المواطن الأرقام لا تكذب. فاتورة المحروقات في ليبيا تتضخم يوماً بعد يوم، حتى بلغت مليار ونصف مليار دولار شهرياً، وفق ما حذر منه الشريف. هذا الرقم المخيف يعني ببساطة أن الدولة تدفع من ثروة الأجيال القادمة لتغطية استهلاك لحظي غير رشيد، بينما يقف المواطن عاجزاً أمام مستقبل يلوح في الأفق: “فاتورة المحروقات سوف تجعل الناس من غير مرتبات”. في هذا السياق، تبدو حكومة عبد الحميد الدبيبة، المنتهية ولايتها، وكأنها لا ترى ما يحدث، أو أنها تراه وتتجاهله عمداً. ففي الوقت الذي تغرق فيه البلاد في أزمة سيولة نقدية أجنبية، يستمر الاستنزاف غير المبرر للموارد دون خطة إنقاذ حقيقية. والأخطر أن هذا الاستنزاف لا يمس الطبقة السياسية، بل يمس المواطن البسيط الذي يرى مرتبه يتبخر أمام صعود الدولار وارتفاع الأسعار. في مشهد يعكس عمق المرارة التي يعيشها الليبيون، يصف الشريف ربط موضوع المليار المختفي بقصة الكلب المرمي بأنه “شكل من أشكال الكوميديا السوداء التي أصبحت حاضرة على ألسنة أغلب الليبيين”. إنها سخرية موجعة يلجأ إليها الناس للتعبير عن واقع يعجزون عن تغييره، في ظل غياب الحلول واستمرار الأزمات. والمفارقة أن هذه السخرية، رغم قسوتها، تحمل في طياتها تشخيصاً دقيقاً: شعب أنهكته الأزمات المتلاحقة، يرى أمواله تختفي في ظروف غامضة، ويسمع تصريحات متضاربة عن أرقام بمليارات الدولارات، بينما حياته اليومية تزداد صعوبة. فالكوميديا السوداء هنا ليست مجرد نكتة، بل مرآة لواقع يرفض المسؤولون الاعتراف به. فزع السوق وتضارب الرسائل: كيف يُصنع الدولار المرتفع؟ على صعيد آخر، يضع الشريف يده على أحد الأسباب الرئيسية للصعود السريع للدولار في السوق الموازي: “فزع السوق” الناتج عن تضارب التصريحات والبيانات المتبادلة بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط بشأن توريد الإيرادات النفطية وتحصيلها. هذه الرسائل المتبادلة ترسل إشارات سلبية إلى السوق، وتزيد من حالة عدم اليقين والمخاوف بشأن تدفقات النقد الأجنبي، ما يدفع المتعاملين إلى زيادة الطلب على الدولار تحسباً للأسوأ. والقاعدة الذهبية هنا: حين تغيب الثقة وتتضارب الرسائل، يتحول القلق إلى طلب، والطلب إلى ضغط على سعر الصرف. وهكذا يجد المواطن نفسه في حلقة مفرغة: بيانات متضاربة ترفع الدولار، والدولار المرتفع يرفع الأسعار، والأسعار تلتهم مرتبه. في المحصلة، يرسم الشريف صورة قاتمة لواقع اقتصادي تتقاذفه تصريحات المسؤولين وتنازعاتهم، بينما المواطن الليبي — المكلوم — يقف في منتصف المشهد، لا يجد سوى السخرية سلاحاً، والكوميديا السوداء متنفساً. حكومة منتهية الولاية، وبرلمان يطالب بإلغاء ما أُلغي، ومصرف مركزي في مواجهة مؤسسة نفط، وسوق موازي يبتلع المرتبات… تلك هي معادلة الأزمة الليبية التي يدفع ثمنها الأبرياء.
المصدر: ليبيا أخبار