حكومة ثالثة تثير الجدل.. ما مدى قدرة «المجذوب» على فرض سيطرته على طرابلس؟ - اخبار ليبيا
دخل اسم مصطفى المجذوب مجددًا إلى واجهة المشهد الليبي، بعدما أعلن وصوله إلى العاصمة طرابلس وبدء ما وصفها بمهام حكومته، التي يقول إنها جاءت خلفًا لحكومة الوحدة الوطنية، في خطوة تفتح الباب أمام سؤال أكبر من مجرد إعلان سياسي: هل يمتلك المجذوب أدوات فعلية لفرض حكومته على الأرض، أم أن الأمر لا يزال في حدود البيانات والتصريحات؟ وفي كلمة متلفزة، أعلن المجذوب ما وصفه بـ«النفير العسكري العام»، وتجميد عمل مجلسي النواب والمجلس الأعلى للدولة، كما دعا إلى إجراء استفتاء على الدستور خلال 90 يومًا، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال 8 أشهر من انتهاء الاستفتاء. كما وجه دعوة إلى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيسي الحكومتين في طرابلس وبنغازي، عبد الحميد الدبيبة وأسامة حماد، لتسليم السلطة، مبررًا ذلك بالسعي إلى تجنب سفك الدماء. لكن بين الإعلان السياسي والقدرة على إدارة الدولة مسافة كبيرة. فحتى الآن، لا تظهر مؤشرات على انتقال مؤسسات الدولة في طرابلس إلى سلطة المجذوب، أو تسليم مقار حكومية له، أو امتلاكه سيطرة فعلية على الأجهزة الأمنية والعسكرية والمؤسسات السيادية. وبالتالي، فإن إعلان «دخول طرابلس» لا يعني بالضرورة أن حكومته باتت تسيطر على العاصمة، إذ إن الوجود الشخصي في المدينة أو إصدار قرارات سياسية لا يكفي وحده لفرض سلطة تنفيذية في مدينة تتوزع فيها مراكز النفوذ بين مؤسسات رسمية وتشكيلات أمنية وعسكرية متعددة. وزاد المشهد حساسية مع تداول أنباء عن سماع دوي إطلاق نار في مناطق بجنوب طرابلس، وسط حديث عن احتمال ارتباط الأصوات بتحركات أو اشتباكات بين جماعات مسلحة محسوبة على أطراف مؤيدة للمجذوب وأخرى مرتبطة بحكومة الدبيبة. لكن لا تتوافر حتى الآن معلومات مستقلة وموثوقة تسمح بالجزم بأن إطلاق النار مرتبط بالفعل بالمجذوب أو بقوات تابعة له، ولذلك تبقى هذه الرواية في إطار الاحتمال إلى حين صدور معلومات أمنية أو ميدانية مؤكدة. ومع ذلك، فإن خطوة المجذوب لم تأتِ من فراغ كامل. فالقصة بدأت في يوليو الماضي، عندما اجتمعت مجموعة من المواطنين الليبيين وممثلين عن أحزاب سياسية ناشئة في جنيف، برعاية جهات قدمت نفسها باسم «البعثة التحضيرية الدولية» و«الهيئة الدولية لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة»، وأعلنت اختيار مصطفى المجذوب رئيسًا لما وصفته بـ«الحكومة الليبية الموحدة». وتصف مصادر إعلامية المجذوب بأنه كان آمرًا للواء الأول في عملية «بركان الغضب». الإعلان في جنيف لم يصدر عن مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة أو المجلس الرئاسي، كما لم يكن نتاج مسار أممي، وهو ما عزز منذ البداية التساؤلات حول الجهة التي تملك صلاحية اختيار رئيس حكومة جديدة في ليبيا. ونفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أي علاقة لها باجتماع جنيف أو بمخرجاته، بينما وُوجه الإعلان حينها بانتقادات وتشكيك واسع في الأوساط السياسية والإعلامية الليبية. وفي المقابل، حاول المجذوب خلال الأشهر الماضية تقديم مشروعه باعتباره محاولة لإنهاء الانقسام بين الحكومتين في طرابلس وبنغازي، وقال في تصريحات سابقة إن مشروعه يستند إلى ما وصفه بـ«شرعية الإنقاذ الوطني»، وإن الحوار الذي أفضى إلى تشكيل حكومته لم يكن وليد اللحظة، بل جاء بعد عمل استمر أكثر من عامين. وفي تطور لافت بالتزامن مع ظهوره الأخير، نشر ناصر عمار، آمر «قوة الإسناد بعملية بركان الغضب»، وروّج لما وصفه بـ«قرارات القائد الأعلى للجيش الليبي» مصطفى المجذوب، وتضمنت دعوات للجهات العسكرية والأمنية باتخاذ تدابير لحماية المواطنين والمنشآت والبعثات الدبلوماسية، مع التأكيد على الانضباط وضبط النفس وحماية المدنيين. وهذه الإشارة تحديدًا قد تكون أكثر أهمية من الخطاب السياسي نفسه، لأنها تطرح السؤال حول ما إذا كان للمجذوب بالفعل ظهير أمني أو عسكري داخل طرابلس يمكن أن يحول إعلان حكومته إلى نفوذ ميداني. لكن حتى الآن، لا تكشف المعلومات المتاحة عن تشكيل عسكري موحد أعلن رسميًا تبعيته له أو عن سيطرة قواته على مؤسسات أو مناطق رئيسية في العاصمة. أما سياسيًا، فتظل الخطوة أمام عقبة أخرى تتمثل في غياب الاعتراف الرسمي بها. فالمجذوب يعلن نفسه رئيسًا لحكومة جديدة، لكن الإعلان الذي جاء من اجتماع جنيف لم يصدر عن المؤسسات التشريعية القائمة، كما أن بعثة الأمم المتحدة لم تكن طرفًا فيه. وفي ظل استمرار الانقسام بين حكومتي طرابلس وبنغازي، فإن إعلان حكومة ثالثة يضيف جسمًا جديدًا إلى مشهد سياسي يعاني أصلًا من تعدد مراكز القرار. لهذا، فإن اختبار المجذوب الحقيقي لا يبدأ من إعلان دخوله طرابلس، وإنما من قدرته على تحويل الإعلان إلى سلطة فعلية: هل ستستجيب له المؤسسات الحكومية؟ هل ستتبعه الأجهزة الأمنية والعسكرية؟ هل سيحصل على دعم سياسي واسع داخل العاصمة وخارجها؟ وهل يستطيع فرض قراراته على الأرض دون مواجهة مسلحة؟ حتى الآن، الإجابة لا تزال غير محسومة، لكن المؤكد أن ما أعلنه المجذوب يمثل تصعيدًا جديدًا في مشهد السلطة الليبية، بينما تبقى قدرته على فرض السيطرة الفعلية على طرابلس أمرًا يحتاج إلى مؤشرات ميدانية واضحة، وليس مجرد إعلان سياسي أو خطاب متلفز. وفي ظل عدم وجود تأكيد مستقل حتى لحظة إعداد التقرير بشأن ارتباط دوي إطلاق النار في جنوب العاصمة بتحركات مؤيدة له، فإن الحديث عن بدء سيطرته العسكرية على طرابلس سيكون سابقًا لأوانه.
المصدر: ليبيا أخبار