شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

"اليونيفيل" بين نهاية التفويض … والصراع على البديل

"اليونيفيل" بين نهاية التفويض … والصراع على البديل

مع اقتراب الحادي والثلاثين من كانون الأول 2026، يقف جنوب لبنان أمام سؤال لم يعد نظرياً: من سيملأ المكان الذي تشغله قوة "اليونيفيل" منذ عام 1978؟ كان مجلس الأمن قد قرر في آب 2025، تحت ضغط أميركي، إنهاء ولاية القوة بحلول 31 كانون الأول 2026، على أن يعقب ذلك انسحاب القوات الدولية خلال العام ٢٠٢٧ . غير أن الوقائع الميدانية والسياسية منذ ذلك القرار جعلت مسألة الرحيل أبعد من أن تكون محسومة، وحوّلت الأشهر الأخيرة من العام إلى ساحة اختبار بين إرادتين متعاكستين. Advertisement حراك أممي لحسم المصير لم يأتِ الحراك الأممي من فراغ. فقد وصل وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا إلى بيروت، والتقى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، حاملاً مقاربة تقوم على عرض خيارات متعددة للمرحلة التي تلي نهاية المهمة العملانية. وهي خيارات تتراوح بين الإبقاء على المهمة العملانية لليونيفيل والبحث في صيغة جديدة بتفويض من مجلس الأمن. وفي هذا السياق علم أن الخيارات التي طرحها لاكروا تتوزع كالاتي : ⁃ خيار اول النجاح في الحصول على التمديد ، وهي مسألة تبدو صعبة . ⁃ خيار ثان يقضي بخفض عديد القوات من ١٠ الاف ضابط وعنصر إلى ٥ الاف على ان يعاد توزيع انتشار القوات وفق العدد الجديد المخفض . ⁃ خيار ثالث خفض العدد إلى ٣ الاف عنصر على ان يكون التمركز محصوراً في اماكن محددة لا تثير اعتراضات . ⁃ خيار رابع يقضي بان يصبح العدد الف عنصر فقط لا مهام امنية لهم ومنزوعو السلاح بحيث يكون دورهم محصورا بالمراقبة والإفادة ! ويُنتظر أن تُبحث هذه الخيارات الأربعة في جلسة مقبلة للمجلس. لكن اللافت في كلام لاكروا انه يحث مجلس الأمن على بدء مفاوضات بشأن مستقبل القوة في وقت تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها، وشدد على أن المقترحات باتت على طاولة المجلس، معتبراً أن التركيز يجب أن ينصب على طلب لبنان. وهذه إشارة إلى أن الأمانة العامة للأمم المتحدة لا ترى في الانسحاب قدراً محتوماً، بل مساراً يمكن تعديله إذا توافرت الإرادة السياسية داخل المجلس. فالمنظمة الدولية تدرك أن ترك فراغ مفاجئ على خط التماس بين لبنان وإسرائيل مخاطرة لا تخدم أحداً، وأن أربعة عقود من الانتشار راكمت شبكة تنسيق وخطوط اتصال يصعب استبدالها بين ليلة وضحاها. الموقف اللبناني: الدولة تتمسكً بالضمانة الدولية في مقابل هذا الحراك، يبدو الموقف اللبناني الرسمي واضحاً وثابتاً: لا لانسحاب يترك فراغاً. وقد عبّر رئيس الجمهورية عن ذلك بالقول إن رحيل القوة يخلّف فراغاً أمنياً ورقابياً، فيما أبدى لبنان انفتاحه على مناقشة أي صيغة دولية جديدة، مع التمسك بأن يصدر تفويضها عن مجلس الأمن الدولي. وتنطلق بيروت في موقفها من اعتبارات عدة. أولها أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال قائماً في أجزاء من الجنوب، وأن وجود قوة دولية يشكل حاجزاً فاصلاً يحول دون أي تماس مباشر بين الجيش والقوات الإسرائيلية، وما قد يترتب عليه من انزلاق عسكري لا يريده لبنان ولا تتحمل البلاد كلفته. وثانيها أن الجيش ، على رغم ما يبذله من جهد في الانتشار جنوب الليطاني، لا يستطيع وحده أن يسد الفجوة الرقابية والسياسية التي ستنشأ، فضلاً عن أن غياب طرف ثالث محايد يضع المؤسسة العسكرية في مواجهة مباشرة مع أي خرق أو احتكاك. وثالثها أن الشرعية الدولية التي تستند إليها القوة، والقرار 1701 الذي يشكل مرجعية وقف الأعمال العدائية، تمنحان لبنان غطاءً قانونياً وديبلوماسياً لا يوفره أي ترتيب بديل خارج مظلة الأمم المتحدة.من هنا يتمسك لبنان بمبدأ أن يكون أي وجود دولي لاحق صادراً عن مجلس الأمن، لأن الصيغ البديلة المرتبطة بتفاهمات ثنائية أو إقليمية قد تفتقر إلى الإجماع الدولي وإلى الحصانة السياسية التي يحتاج إليها أي انتشار في منطقة بهذه الحساسية. وحرص الرئيس جوزاف عون أن يبلغ هذا الموقف الى وزير الخارجية الاميركية ماركو روبيو خلال الاتصال الهاتفي الذي تم بين الرجلين يوم الجمعة الماضية ، من دون ان يحصل عون على اي جواب حاسم من رأس الديبلوماسية الاميركية بحيث بدأ ان واشنطن لا تمانع في ان يكون الجيش على تماس مع الجيش الاسرائيلي على ارض الجنوب ، وهذا ما يرفضه لبنان بقوة . واشنطن وتل أبيب: رفض متناغم لما بعد "اليونيفيل" على الضفة المقابلة، تقف الولايات المتحدة وإسرائيل في خندق واحد. فواشنطن، بحسب ما يقوله دبلوماسيون، لا تؤيد تمديد ولاية "اليونيفيل" ، وهي التي دفعت في مجلس الأمن عام 2025 نحو إنهاء التفويض. وتتوقع تقارير أن تسعى هي وإسرائيل إلى عرقلة أي مقترح أممي جديد. أما إسرائيل فلها حساباتها الخاصة. فهي لا تقتنع بجدوى القوة، وتعتبر أنها لم تمنع تعاظم قدرات "حزب الله" . والأهم أن عدواناً متكرراً طال مراكز القوة الدولية وجنودها خلال الحرب على الجنوب، وهو ما يطرح علامات استفهام جدية حول ما إذا كان الهدف هو الضغط لإنهاء الوجود الدولي نفسه. فغياب شهود دوليين على الأرض يمنح إسرائيل حرية أوسع في الحركة، ويعفيها من رقابة تسجّل الخروقات وتوثقها، ويترك الجنوب مفتوحاً على ترتيبات أمنية تفرضها القوة لا القانون. وما يزيد الأمر تعقيداً بالنسبة إلى إسرائيل ، أن قيادة "اليونيفيل"وثقت الاعتداءات الاسرائيلية على مراكزها وجنودها وكذلك المضايقات لتحرك آلياتها وتنوي عرضها في اجتماع مفتوح لمجلس الامن خلال الايام القليلة المقبلة، علما ان واشنطن تضغط لمنع حصول العرض . وبذلك يلتقي الموقفان الأميركي والإسرائيلي عند هدف واحد: إنهاء الدور الدولي الفاصل لمصلحة معادلة ترتكز إلى الجيش اللبناني وحده من جهة، وإلى التفوق الإسرائيلي في الميدان من جهة اخرى . أوروبا: بديل سياسي وأمني وضغط مضاد وسط هذا المشهد المعقد، برز العامل الأوروبي بوصفه ورقة إضافية. فقد جاء قرار الاتحاد الأوروبي تشكيل بعثة أمنية سياسية أوروبية من أجل لبنان ليعكس رغبة في عدم ترك الساحة اللبنانية. وهو يتقاطع مع مواقف الدول الأوروبية المساهمة في القوة، إذ أبدت إيطاليا وفرنسا وإسبانيا استعدادها للإبقاء على قوات في لبنان، كما أعربت فرنسا وإيطاليا عن رغبتهما في تشكيل قوة متعددة الجنسيات تحل محل اليونيفيل. غير أن هذه الخطوة لم تمر من دون ضغوط. فقد برز ضغط أميركي ضد تشكيل البعثة، وسط معلومات عن انزعاج واشنطن من الموقف اللبناني الذي رحب بالقرار الأوروبي. وهذا الانزعاج يكشف أن المسألة تتجاوز الجانب الأمني التقني إلى صراع على من يملك القرار في الجنوب: هل يبقى الأمر ضمن ترتيبات تتحكم بها واشنطن وتل أبيب، أم يتسع لحضور أوروبي ودولي مستقل نسبياً؟ ولبنان، بترحيبه بالخطوة الأوروبية، يمارس حقاً سيادياً في تنويع ضماناته وعدم حصرها بطرف واحد، وهو حق لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر ضغط عليه. وكان لافتاً في هذا السياق ما ابلغه الرئيس عون مساء السبت لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بترحيبه باي جهد فرنسي داخل الامم المتحدة ومجلس الامن للوصول إلى الصيغة التي تأتلف مع الرغبة اللبنانية في منع حصول اي فراغ في الجنوب اضافة إلى رغبته في ان يرى وجوداً عسكرياً أوروبياً في البلدات والقرى الجنوبية لاسيما تلك القريبة من الحدود الجنوبية وهو مستعد في هذا السياق ان يقرن رغبته المعلنة شفهيا بنص رسمي يوجه إلى فرنسا وإيطاليا للمضي في تنفيذ الاتفاق بينهما من اجل تشكيل قوة مشتركة تحل محل "اليونيفيل" وتعمل على خطين ، الاول تطبيق الاتفاق الاطار بين اسرائيل ولبنان وتطبيق القرار ١٧٠١ ، والثاني مساعدة الجيش عملانياً ولوجستياً حين يستأنف انتشاره من البلدات والقرى اللبنانية … إذا انسحب منها الاسرائيليون ! معركة مفتوحة لا حسم فيها بعد في اي حال ، يبقى السؤال : هل ينتصر التحالف الأميركي الإسرائيلي على الرغبة الأممية في إبقاء "اليونيفيل" لفترة إضافية، أم يحصل العكس؟ الجواب الأرجح أن النتيجة لن تكون انتصاراً كاملاً لأي من الطرفين، بل صيغة وسطى تُنتزع بالمساومة. فمن جهة، تملك واشنطن حق النقض في مجلس الأمن، وقد ثبت أنها قادرة على فرض إنهاء التفويض عام 2025، وهذا يرجح أن يكون التمديد التقليدي بالشكل القائم مستبعداً. ومن جهة أخرى، لا تملك الولايات المتحدة ترف تجاهل المعارضة الأوروبية، ولا مواقف دول مؤثرة في المجلس تؤيد الإبقاء على قوة أممية على الأرض، ومنها الصين. كما أن الوقائع على الأرض، من احتلال قائم وتوتر دائم، تجعل الدعوة إلى الفراغ الكامل مغامرة لا تصب في مصلحة الاستقرار الذي تقول واشنطن إنها تريده. وعليه، تبدو السيناريوهات الأكثر واقعية هي بقاء وجود دولي بحجم أقل ومهمات معدلة، أو قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية بتغطية من مجلس الأمن، أو مرحلة انتقالية تدريجية تتيح للجيش اللبناني التسلم المنظم للمواقع. وكل ذلك مرهون بقدرة لبنان على الحفاظ على وحدة موقفه الرسمي، وعلى تحرك ديبلوماسي نشط مع الدول الصديقة في المجلس، وعلى إظهار الجدية في تنفيذ التزاماته جنوب الليطاني بما يسحب الذرائع من خصومه. في النهاية، لا تُحسم هذه المعركة في أروقة نيويورك وحدها، بل تتأثر بما يجري في الميدان وبمدى استعداد الأطراف لتحمل كلفة الفراغ. وإلى أن يصدر القرار، يبقى الثابت أن الحضور الدولي في الجنوب ليس مطلباً لبنانياً فحسب، بل ضرورة لصون الحد الأدنى من الاستقرار في منطقة لا تحتمل مزيداً من الارتجال .. والمغامرات التي لا افق لها !

المصدر: لبنان 24