خريف نتنياهو وربيع عرب إسرائيل
أثخنتهُ حرب غزة بالجروح السياسية العميقة، وتوشك إنتخابات الخريف، أن تُسقِطَ بعض أوراقه السياسية أيضاً. يضيقُ عليه الخناق يوماً بعد يوم، رغم أنه قاتل باستماتة لنزع الشرعية الانتخابية عن الاحزاب العربية، تمهيداً لاستبعادها من سباق الانتخابات، خشيةً منه أن يبدأ ربيع الأحزاب العربية في إسرائيل، واصطفاف قادتها مع المعارضة ضده. هو لازال يأمل أن تسفر هذه الانتخابات عن شلل سياسي، لا يحقّق فيها أي طرف، القدرة على تشكيل حكومة. هذا يعني السماح له الاستمرار برئاسة حكومة انتقالية، لأجراء جولة انتخابية أخرى، تؤخر الحكم على مصيره السياسي ولو إلى حين. هو أصلا لا يملك شيئاً يخسره إذا نجح في خلط أوراق الانتخابات، لأن فقدانه للسلطة يعني التوجه للمحكمة ومن ثم إلى السجن.من يراقب سلوكه العام خلال حملته الانتخابية، يدرك أنه رجلٌ مأزوم، يواصل تحذير الناخبين، من أن الاعداء مازالوا يخططون لشيء ما، ضدّ إسرائيل عشيّة الانتخابات، ويفسّر المعلومات الاستخبارية التي تَرِدُ أليه من كلّ المصادر، بما يخدم أغراضه الانتخابية.يقلقه كثيراً عدم إكتراث ترامب به في حملته الانتخابية، ويعرف أن إشعال أي حريق في المنطقة، سيصبّ في صالحه السياسي، هو يدرك تماما أنّ هذه الانتخابات، ستجري وفق ما وقع في السابع من اكتوبر، وليس على برامج الاحزاب وحدها، وبالتحديد على مصدر جرح إسرائيل العميق على يد حماس. يضيقُ نتنياهو ذرعاً بقول منافسه غادي آيزنكوت، في حملته الانتخابية، بأنه سيمنع حماس من السيطرة على غزة، هذا كلام رئيس أركانٍ إسرائيلي سابق، ومنافسٍ سياسي شرس له، يعرف نتنياهو أنه فقد أبنه في المعارك مع حماس، بالمقابل يشير آيزنكوت بأن الناخب يعرف أيضا، أين كان أبن نتنياهو خلال حرب غزة (في الولايات المتحدة)، هذا جعل نتنياهو يفقد صوابه السياسي، لأن كلام غريمه هذا، يحشره أمام الناخبين في الزاوية الصعبة، مما يجعله يتخبّط بوعده للمترددين في حزب الليكود، خاصة أولئك المتشككين أصلاً بقيادته، في وقت تتصاعد فيه مصداقية آيزنكوت، ويجد نتنياهو في حديثه ذاك تحدياً سياسياً كبيراً له.يحتسب نتنياهو لتقلّبات وتوجهات العملية الانتخابية الاسرائيلية، ولكنه يحتسب أكثر لنظيرتها التي ستجري في الولايات المتحدة، بعد أسبوع واحد منها، كونها ستحدّد توجهات السياسة الأمريكية تجاه تل أبيب في السنوات القادمة، ليس في مجلسي النواب والشيوخ فحسب، وإنما في البيت الأبيض أيضا، بعد أن أظهر استطلاع للرأي، بأن الديمقراطيين يتقدمون بنسبة ٥٤ بالمئة، مقابل ٤٥ بالمئة للجمهوريين، في ظلّ وجود رئيس جمهوري غير شعبي، سيجعله فوز الديمقراطيين بطةً عرجاء، سيَعْرُجُ معها بالضرورة، قادة أحزاب تل أبيب أيضا، وربما إسرائيل برمّتها.إن حدث هذا الفوز وفق توقعات المراقبين في إسرائيل، فسيترتب عليه عواقب وخيمة على تل أبيب، وبصرف النظر عن الحزب الذي سيشكّل الحكومة ورئيسها، لأن وِحْدَةَ القياس السياسي عندهم، غدت تتمثّل عبر إنتخاب الامريكيين، لعمدة نيويورك زهران ممداني، الذي أشار نجاحه في الانتخابات الأخيرة، بأنه كلما انزاح المرشح الديمقراطي نحو اليسار، وانتقد إسرائيل أكثر، كلّما زادت شعبيته، وزادت فرصة بالفوز.حين حاول نتنياهو يائساً، نزع الشرعية الانتخابية عن الاحزاب العربية، كان يدرك تماما، أنها في ظلّ الموزاييك الانتخابي القائم في إسرائيل، يمكن أن تكون بيضة القبّان وصانعة الملوك، مما يجعل هذه الانتخابات مختلفة تماماً عن تلك التي جرت منذ قيام إسرائيل حتى اليوم، بل مصيرية وحاسمة لليهود والعرب معاً، وذلك في سابقة تحدث في إسرائيل لأول مرةً منذ نشأتها في المنطقة.
المصدر: عمون