شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

السياسة الإقليمية التركية الجديدة: من إدارة التوازنات إلى تشكيلها

السياسة الإقليمية التركية الجديدة: من إدارة التوازنات إلى تشكيلها


سمير صالحة *



تسعى أنقرة إلى توظيف شبكة علاقاتها وموقعها الجغرافي وشراكاتها السياسية والأمنية والاقتصادية، لا لتوسيع هامش المناورة فحسب، بل للمشاركة في تشكيل الترتيبات الإقليمية. ولا يتعلق الأمر بالضرورة بتغيير المعسكرات، بل بإعادة تحديد وظيفة كل علاقة وربط مسارات متباينة ضمن توجه إقليمي آخذ في التبلور.
لكن تزامن هذه المسارات لا يكفي لإثبات أنها تشكل استراتيجية واحدة؛ فالمعيار هو قدرة أنقرة على دمجها في مقاربة متكاملة والتأثير من خلالها في خيارات بقية الأطراف.

يمكن قراءة التحرك التركي عبر خمسة أبعاد مترابطة: تنويع العلاقات للحفاظ على هامش الحركة بين القوى الكبرى والشركاء الإقليميين، وبناء الشراكات الأمنية، وتحويل التنسيق إلى أطر تعاون والتزامات قابلة للتنفيذ، والتأثير في ترتيبات الجوار عبر ربط ملفات العراق وسوريا ولبنان والخليج، وتوظيف الجغرافيا الاقتصادية لتحويل الممرات وشبكات النقل إلى مصادر وزن سياسي واقتصادي، ثم تكامل هذه الأدوات ضمن اتجاه إقليمي واحد. ولا تتمثل دلالة الخماسية في تعدد هذه المسارات، بل في قدرة أنقرة على وصلها والتأثير من خلالها في خيارات شركائها وأسس التفاهمات الإقليمية الجديدة.

تتيح منظومة العلاقات، التي بنتها أنقرة مع دول المنطقة، إلى جانب عضويتها في حلف شمال الأطلسي وقنواتها مع موسكو وعلاقاتها مع واشنطن والعواصم الأوروبية، أن تحمي مصالحها وتتجنب الارتهان لاصطفاف واحد.
وتكتسب الشراكة الدفاعية مع السعودية وباكستان أهميتها من اختبار الانتقال من تنويع الشراكات إلى بناء إطار أمني يتجاوز التنسيق الثنائي.

الرهان التركي والالتزامات المطلوبة

لكن الانتقال إلى منظومة ردع إقليمية مكتملة لا يُحسم بمجرد الاتفاق على الالتزامات، بل يتوقف على استكمال إجراءاتها القانونية، وتحديد آليات التنفيذ والمسؤوليات، والقدرة على توفير القوات والقدرات المتفق عليها وإدارة كلفتها والتقريب بين مصالح الشركاء.

لا يقتصر الرهان التركي على إدارة التحديات الأمنية في محيطها، بل يمتد إلى محاولة ربطها بترتيبات سياسية ومصالح اقتصادية أوسع. ففي العراق، تزامن التفاهم بشأن سنجار ومستقبل الوجود العسكري التركي مع دفع التعاون التجاري ومشروع طريق التنمية. وفي سوريا، تتقاطع ملفات أمن الحدود ودمج "قسد" ومكافحة الإرهاب مع مستقبل الدولة السورية وتوازنات الإقليم. ويمتد الاختبار إلى لبنان والخليج، حيث تتباين أدوات أنقرة بين تقارير عن مساعٍ لتيسير التواصل بين دمشق و"حزب الله"، ومساندة السعودية دفاعياً مع التمسك بالديبلوماسية في التعامل مع إيران وأزمة مضيق هرمز. لكن تقاطع هذه الملفات لا يمنح أنقرة التحكم بمآلاتها؛ فكل تفاهم يظل رهناً بحسابات بقية اللاعبين المؤثرين على الأرض.

المصالح الاقتصادية والخيارات السياسية

لا تكتسب الجغرافيا التركية قيمتها من موقعها بين آسيا وأوروبا فحسب، بل من قدرتها على ربط المصالح الاقتصادية بالخيارات السياسية والأمنية. ويتجلى ذلك في الممر الأوسط ومشاريع النقل العابرة للحدود، إذ لا يقتصر الرهان على زيادة حركة التجارة عبر الأراضي التركية، بل يمتد إلى تعزيز موقع أنقرة في شبكات الربط بين آسيا وأوروبا، بما يمكن أن يمنحها وزناً أكبر في حسابات الشركاء. لكن الموقع لا ينتج نفوذاً تلقائياً؛ فالممرات تحتاج إلى استثمارات وتنفيذ وتنسيق متواصلة قبل أن تتحول إلى ميزة اقتصادية وسياسية.

ويبقى الاختبار في قدرة أنقرة على وصل هذه المسارات ضمن أولويات واضحة وآليات قابلة للتنفيذ. فالتكامل بينها، لا مجرد تزامنها، هو ما قد ينقل تركيا من إدارة التوازنات القائمة إلى المشاركة في تشكيلها.

لا تُقاس الخماسية بعدد المسارات التي تتحرك فيها أنقرة، بل بقدرتها على تحويلها إلى التزامات ونتائج قابلة للاستمرار. فالتحدي لا يكمن في توسيع شبكة العلاقات أو تنويع أدوات النفوذ، بل في إدارة تعارض المصالح وكلفة الالتزامات، وتحويل تقاطع المسارات إلى قدرة فعلية على التأثير في الترتيبات الإقليمية. ومن دون ذلك، ستبقى الخماسية إطاراً للطموح أكثر منها استراتيجية إقليمية مكتملة.


* كاتب وأستاذ جامعي في تركيا

المصدر: النهار