من باريس إلى بروكسل.. احتجاجات المعيشة والتكنولوجيا تعيد تشكيل الاحتجاجات الأوروبية
تجاوزت الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا، مطالب الأجور وأسعار الوقود والخدمات العامة، لتكشف عن اتساع الفجوة بين الضغوط المعيشية التي تواجه قطاعات من المجتمع الأوروبي وقدرة الحكومات على احتوائها، في وقت تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية مع الاستقطاب السياسي والتوترات الدولية، بما يعمق حالة عدم اليقين في المشهد العالمي. وشارك مئات الآلاف في تظاهرات امتدت إلى باريس ومدن فرنسية عدة، وسط تباين في تقديرات حجمها بين وزارة الداخلية التي أحصت نحو 550 ألف مشارك، والمنظمين الذين قدروا العدد بنحو 800 ألف، وتحولت تجمعات في بعض المناطق إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال نهب وحرق وتخريب طالت متاجر ومباني عامة، فيما أعلنت السلطات توقيف نحو 1200 شخص وإصابة 150 من عناصر الشرطة والدرك. وفي مدينة ليموج، ألحقت النيران أضراراً جسيمة بمبنى البلدية التاريخي الذي يعود إلى عام 1883، بينما شهدت مرسيليا اقتحاماً مؤقتاً لمبنى البلدية، ووقعت أعمال تخريب في ليون وبوردو وليل، واستخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق تجمعات، في حين تعهدت الحكومة بملاحقة المسؤولين عن أعمال العنف، مع استمرار التدقيق في أساليب تعامل الشرطة مع المحتجين. مطالب اجتماعية تتجاوز الحدود لم تبقَ التحركات محصورة داخل فرنسا؛ إذ شهدت بروكسل مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين، غلب عليهم الشباب والطلاب المعترضون على تكاليف التعليم والإصلاحات المرتبطة به، وفي إيطاليا، سُجلت مواجهات خلال احتجاجات في ميلانو وبولونيا، بينما خرجت تظاهرات في البرتغال للمطالبة بأجور أفضل ومعاشات أعلى وخدمات عامة أكثر قدرة على تلبية احتياجات السكان، إلى جانب الاعتراض على أزمة السكن وارتفاع تكاليفه. وتتقاطع هذه التحركات في مطالب تحسين القدرة الشرائية وتخفيف أعباء المعيشة، لكنها لا تشكل بالضرورة حركة أوروبية موحدة؛ فلكل بلد ظروفه الاقتصادية والسياسية، كما تختلف أسباب الاحتجاجات بين ضغوط السكن والتعليم والأجور والوقود والاعتراض على سياسات الحكومات. ففي فرنسا، تستحضر التطورات تجربة حركة «السترات الصفراء» التي انطلقت عام 2018 رفضاً لزيادة أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية، ثم اتسعت لتشمل اعتراضات على السياسات الاقتصادية والاجتماعية للرئيس إيمانويل ماكرون، ويشير تجدد التعبئة إلى أن المطالب المعيشية التي فجرت تلك الحركة لم تفقد قدرتها على تحريك الشارع، حتى مع اختلاف سياق الاحتجاجات الحالية وتنوع المشاركين فيها. ضغوط الاقتصاد في عالم مضطرب وتكتسب الاحتجاجات دلالة إضافية في ظل القيود المالية التي تواجهها حكومات أوروبية، وصعوبة الموازنة بين تمويل الخدمات العامة وضبط العجز والدين، ووفق المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية، بلغ الدين العام الفرنسي 3.595 تريليونات يورو في نهاية الربع الثاني من عام 2026، ما يعادل 119 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس حجم التحدي المالي الذي يواجه صانعي القرار. وتتفاعل هذه الضغوط مع اضطراب البيئة الدولية، حيث تؤثر النزاعات والتوترات الجيوسياسية في أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، فيما تزيد التحولات التكنولوجية والمخاوف من تبدل فرص العمل من الشعور بعدم الاستقرار لدى فئات اجتماعية. كذلك، تحولت الاحتجاجات إلى ساحة للتجاذب السياسي؛ إذ ربط نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس أعمال العنف في فرنسا بالهجرة ومشكلات الاندماج، في قراءة سياسية لا تختزل وحدها أسباب الحراك، الذي تركزت مطالبه المعلنة على تكاليف المعيشة والخدمات العامة. وتكشف المشاهد الأوروبية، في المحصلة، عن اختبار يتجاوز استعادة النظام في الشوارع: كيف تستطيع الحكومات الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والثقة بالمؤسسات في عالم تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية مع الصراعات الدولية والاستقطاب الداخلي؟ أسرة التحرير
المصدر: الوطن