شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

بعض آراء مالك بن نبي ونظراته الاستشرافية في التطورات العالمية

بعض آراء مالك بن نبي ونظراته الاستشرافية في التطورات العالمية

وصف الأستاذ محمد المبارك مالك بن نبي في مقدمته التي وضعها لمؤلف ابن نبي الرائع “وجهة العالم الإسلامي” فقال: “أنا لا أقول بأنه (ابن نبي)ولكن أقول أنه ينهل من نفحات النبوة وينابيع الحقيقة الخالدة”. فاستباق الأحداث والتنبؤ بمجرياتها شأن من الشؤون التي يخص بها الله الأنبياء وقد يمتد ليشمل ورثتهم العلماء. والتوقع من سمات العصر حيث تتبارى الأمم لاستباق الأحداث وتوقعها. من هنا أبدأ حديثي عن جانب من جوانب فكر مالك ابن نبي الكثيرة وأركز على بعض نظراته وتوقعاته في مسار العلاقات الدولية ومآل الأحداث ودروسها ومستقبل الأمم والشعوب في ظل التطورات العالمية، مستكشفا بواطن السياسات والكامن في الأفكار والمناورات وما تروم من أهداف، حتى أنه ليصل بنا إلى نتائج لا يرقى إليها الشك وكيف أنها تكشف عن معرفة دقيقة بجوهر السياسة الدولية ومسارها. ولم تكن البواكير والإرهاصات والتوقعات التي أعلنها أبن نبي ضربات حظ خيالية أو مضاربات نظرية مجردة يسود بها صفحات كتبه، بل هي بمثابة تحذير ودعوة إلى اتخاذ الحذر والحيطة في عالم أصبح فيه استباق الأحداث واستكشافها والاستعداد لها، علما قائما بذاته يغذي سياسات واستراتيجيات الدول والقوى التي تخطط للهيمنة على العالم أو تسعى للاحتماء من شرور إرادة الهيمنة والسيطرة. في ظل رهانات عالم ما انفكت ضراوة المنافسة والعدوانية تشتد فيه. لقد كان مفكرنا الكبير يرتب النتائج على المقدمات بدقته وبعمقه المعروفين. موضوع حديثي أمامكم يتناول نماذج من التوقعات التي تطرق لها المرحوم في تأملاته في شأن التطورات العالمية وكيف تحققت، استخلصتها من تحليلاته، وهي نماذج أسوقها للمثال وهي أيضا دعوة إلى الحكم على فكر رجل فذ بكل ما للكلمة من أبعاد. 1- كيف حكم ابن نبي على الاتحاد السوفييتي بالانهيار متى سقط الاتحاد السوفييتي ؟ الجواب : انهار الاتحاد السوفييتي في سنة 1989 وتأكد انهياره المحتوم عقب فشل الانقلاب الذي وقع على غورباتشوف في أوت 1991. ورغم ذلك وإلى هذا التاريخ، لم يصدق الغرب بأن الإمبراطورية الشيوعية انهارت، وأحيلكم في هذا المجال على ما قال الرئيس الفرنسي وقتذاك وهو فرانسو ميتيران من أن الأحداث في موسكو ربما هي مسرحية الغرض منها خداع الغرب والانقضاض عليه، وطالب بتوخي الحذر. فرغما ما للغرب من أجهزة ومراصد فإنهم لم يتيقنوا من مآل الأحداث ورغم بعض الدراسات التي تنبأت بهذا السقوط إلا أنها لم ترق في حجيتها حدود الإقناع، وأذكر هنا كتاب هيلين كارير دانكوس (H. Carrère d’Encausse) الموسوم : “الإمبراطورية المنفجرة” (L’empire éclaté) إذ بنت نظرتها على عوامل الاختلاف الشديدة التي تكون الإمبراطورية السوفييتية من أديان وأصول وأعراق للحديث عن مخاطر زوال الاتحاد السوفييتي. كان التنبؤات خاطئة. فالجمهوريات الاسلامية في آسيا لم تقاوم الروس كما فعلت الدول المسيحية كدول البلطيق ودول شرق ووسط أوروبا. وبعدها وأفضل منها بكثير، بني ايمانويل توط (Emmanuel Todd) توقعه على انهيار هذا البلد على عوامل ديموغرافية دقيقة كارتفاع وفيات الأطفال ومعطيات اجتماعية واقتصادية كالركود وغيرها. قبلهما، حكم ابن نبي على الاتحاد السوفييتي النهاية وقدم في مناسبات عدة دلائل هذا الانهيار الزاحف والحتمي. كيف استحالت هذه الامبراطورية ضعفا من بعد قوة؟ في منتصف الخمسينات، كانت الحرب الباردة على أشدها وظهرت قوة المعسكر الشيوعي زاحفة تنذر بالهيمنة على العالم. هذا الواقع أربك المفكرين وزاد من هواجس الساسة في الغرب إلى درجه أن بعضهم سلم بحتمية هذه السيطرة التي اعتبروا أن الأمر لا راد لها. وشكك البعض في مذهب احتواء المد الشيوعي الذي اعتمدته الولايات المتحدة من خلال الأحلاف العسكرية والتدخل العسكري في العديد من دول العالم الثالث وخصوصا الهند الصينية. ولا عجب فقد حقق الاتحاد السوفييتي السابق قفزات علمية مكنته من استكشاف الفضاء وتفوق في منجزات أخرى مذهلة في ميادين شتى إلى درجة أن النشوة والازدهاء جعلت الزعيم السوفييتي كروتشوف يتنبأ لنظيره الأمريكي بأن اليوم الذي سيعيش فيه حفيده في أمريكا شيوعية أضحى قريبا. الوطأة وصلت نفوس النخبة وجعلت بعض رموزها تشكك في النظرية الليبرالية ذاتها، كما فعل جوزيف شومبيتر (Schumpeter) في كتابه المشهور الموسوم “الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية” والذي أظهر قناعة بأن الاشتراكية ستسود في نهاية المطاف. وشومبيتر، للتذكير، حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد ويعتبر مرجعا في الاقتصاد الليبيرالي. المعروف عن ابن نبي معاييره ومقاييسه التي تنهل من الثقافة كما حدد مفهومها هو نفسه باعتبارها جوا عاما يموج فيه الإنسان وفيه تتحدد ملامح سلوكه ويطبع درجة فعاليته وذوقه وأعماله ومساعيه وحركاته اليومية وتقع نظرية ابن نبي الرائدة في الثقافة في بعض الجوانب، حسب رأيي واستنتاجاتي الخاصة، بين المدرسة الثقافوية الأمريكية (culturaliste) بزعامة كاردينر (Kardiner) ولينتون (Linton) وميد (Mead) وما أنتجت من مفاهيم كمفهوم “الشخصية الأساسية” (La personnalité de base). ويقترب في جوانب أخرى من بعض ممثلي المدرسة الألمانية في دعوتها إلى التغيير، واستحضر هنا كورتيوس (Curtius) وكتابه : “فكرة الحضارة” أين كتب : “نحن الألمان نبحث عن معالم عملية بغرض التغيير… إلى أن يقول : نحن الألمان نسعى إلى تحقيق أكبر قدر من إمكانيات التغيير”. التغيير يجب أن يكون هدف الثقافة. لم أجد ابن نبي يبدي رفضا مطلقا ومسبقا للأفكار والنظريات مهما تكن مناهلها ومصادرها لمجرد أن عقيدتنا الإسلامية تمجها وترفضها، بل أنه يتجرد من الأحكام المسبقة ويتناولها من خلال نظرة علمية موضوعية وقد يستخلص منها حقائق ومرتكزات وفوائد. بيد أن هذه العوامل لم تمنعه من الاعتراف للنظرية الماركسية بمساهمات قيمة في الفكر الاقتصادي. فأتباع المدرسة الماركسية أغنوا الفكر الاقتصادي الكلاسيكي بمفاهيم القيمة المضافة (la plus-value) أو الإنتاجية (la productivité). ويعتبر ابن نبي أن النظرية الماركسية “مؤسسة في الحدود التي يمكن أن تفسر فيها الظاهرة الاجتماعية تفسيرا اقتصاديا”، كما لا يجب أن تحجب عن أذهاننا حقيقة أن الشيوعية هي التي زودت روسيا بقوتها الاقتصادية بعد أن نجح القادة الشيوعيون في غرس الفكرة الماركسية في ضمير الإنسان الروسي في بدايات تأسيس الاتحاد السوفييتي. )كتاب: المسلم في عالم الاقتصاد(. وعلى طرفي نقيض من هذه الجوانب الإيجابية، يرى ابن نبي أن الفكرة الشيوعية تحمل في طياتها ضعفا كبيرا هو سبب خرابها الأول. فزوال جانبها المذهبي الذي يحقق لها النجاح في البدايات، يعرضها إلى ما يسميه ظاهرة “الشيخوخة الاجتماعية” (vieillissement social) والتسيب (relâchement) فإذا كان هذا الخطر يتهدد كل المجتمعات فإنه يتربص بالأحرى ومن باب أولى بالمجتمعات الشيوعية لأنه يصيبها في الصميم. وعلاوة على عامل الشيخوخة الاجتماعية، يعيب ابن نبي على الفكرة الشيوعية عجزها في الميدان الاقتصادي على تعويض بعض جوانبها السلبية التي تضر بالقدرة الإنتاجية في صميمها عندما تمس مثلا بمبدأ الملكية الخاصة أي عندما تلغي أو تضعف الباعث الذي يحرك الإنسان (motivation) ، والباعث في نظر ابن نبي كما هو معروف قضية مهمة جدا في تحريك الإنسان وتفجير طاقاته وتحدد عامل فعاليته. فابن نبي يرى أن الفكرة الشيوعية تمد أتباعها في بداية الأمر بطاقة كبيرة وبباعث قوي ولكنهما سرعان ما يخبوان وتنطفئ شمعتهما، ويستلهم فكرته هذه من تجربة تاريخية معروفة هي تجربة القرامطة حيث كتب يقول : “إن المجتمع الشيوعي الحديث سيعرف نفس مصير المجتمعات الشيوعية القديمة على غرار القرامطة الذين انهار نظامهم بعد أن هددوا الدولة العباسية وهي في أوج قوتها”. والحالة معروفة تاريخيا، كما أنه يستلهم حكمه من نموذج المجتمع الذي ساد المجتمع الفارسي قبل ظهور الإسلام. ويعزز ابن نبي رأيه بما استخلصه شخصيا من ملاحظات في المجتمع السوفييتي عندما زار موسكو وما شاهد واستنتج في المجتمع السوفييتي من بوادر السقوط من خلال سلوكيات الناس الذين أصبح همهم تقليد الغرب. ولكن قناعته رسخت وبراعته بانت عندما درس وتأمل محتوى التقرير الذي قدمته أكاديمية العلوم السوفييتية الشهيرة للقادة السوفييت بعد وفاة ستالين. تتحدث الوثيقة عن ضعف في الطاقة الخلاقة (L’énergie créatrice) لدى جميع ممثلي المهن والأعمال في البلاد. هذه مصيبة كبيرة ولكن المصيبة الأخطر منها هو اقتراح أكاديمية العلوم والقاضي باستدراك هذا العجز بمحفز مادي (Stimulant matériel) وقد وافق المؤتمر الواحد والعشرون للحزب الشيوعي على مقترحات الأكاديميين، فاستخلص بن نبي حكمه بأن الشيوعية تحتضر وأن ساعتها قد دنت وعلق على ذلك بعد تأمل المفكر بقوله : “إنه خطر تطبيب الداء بالداء” كتاب (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي فصل: جدلية الفكرة والشيء ) ومن جانبه ندد الزعيم الصيني ماو تسي تونغ بالموقف واعتبره تراجعا عن الشيوعية. فحكم ابن نبي على العقيدة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي السابق بالاهتزاز لأن الشيء أصبح يهيمن على الفكرة، إنها بداية النهاية. فالحضارة عنده هي ثمرة فكرة ويتولاها إنسان محفز. فالفكرة الشيوعية هي التي أنتجت ستاخانوف (Stakhanov)، ذلك العامل النموذجي الذي حفزته الفكرة الشيوعية في بداياتها وجندته فأصبح ينتج أضعاف المطلوب منه من الفحم، تماما كما حفزت الفكرة الإسلامية عمار بن ياسر الذي كان يضاعف من جهده ويعمل عمل رجلين عندما شرع المسلمون في بناء المسجد النبوي، هذه الفكرة خلفتها أفكار مميته (Idées mortelles)تدعو إلى السعي للربح والمطالبة بما يسمى بالحقوق ولا شيء غير الحقوق والمزايا. وقد ذكر فوكوياما في كتابه المشهور “نهاية التاريخ والرجل الأخير” في معرض شرحه لانهيار الاتحاد السوفييتي السابق عبارة ذات دلالة وموحية تفوه بها عامل روسي: “يتظاهرون بدفع رواتبنا ونتظاهر من جانبنا بالعمل”. أين روح الستخانوفية المندفعة من هذا التهرب وهذا التظاهر بالعمل ! هذه الحيل وما يسود من أفكار ميتة أو مميتة تقتل الإرادة الحضارية. إنها تذكرنا بما يجري عندنا وادعوكم إلى تأمل عبارات من قبيل : “هف تعيش” و”القفزة والحفزة” و”حشيشة طالبة معيشة”، هذا هو الداء الذي يجب معالجته قبل النظر في أنماط التسيير ونماذج التنظيم في الاقتصاد وغيرها. وهكذا إذن أصاب ابن نبي حيث أخطأ برتراند راسل وجوزيف شومبيتر وغيرهما وظهر بن نبي أكثر عمقا من فرانسيس فوكوياما وأمثاله. ويعزز ابن نبي فكرته حول مآل النموذج السوفييتي بتقسيمه العالم إلى محورين : محور واشنطن-موسكو ومحور طنجة-جاكرتا، فلم يبال كثيرا بالصراع بين الشرق والغرب واعتبره عرضا تاريخيا عابرا لن يكتب له الدوام. ولم تكن فكرته بعيدة عن فكرة الجنرال ديغول الذي كان يعتبر تقسيم أوروبا الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية قضية تاريخية مؤقتة، ستزول بامتحان الزمان. وكان الزعيم الفرنسي يتحدث عن أوروبا أفقية تمتد من حدود الأطلسي غربا إلى الأورال شرقا، وهذا التقسيم غير بعيد عن فكرة ابن نبي، كما يمكن أن نتصور. ولولا بغض ديغول لكل تدخل من جانب الولايات المتحدة في الشأن الأوروبي ولولا محاولته استبعاد حليفتها بريطانيا عن المسرح الأوروبي، لأجزمنا أنه اعتمد تقسيم مالك بن نبي من غير زيادة أو نقصان. فأوروبا من الأطلسي إلى الأورال لا ينقصها إلا أمريكا وبريطانيا، لتشكل محورا يمتد من واشنطن إلى موسكو. كما أن الزعيم الفرنسي كان يقول “روسيا” عوض “الاتحاد السوفييتي” لأنه كان يعتقد أن الحال لن يدوم كثيرا. هذا الجانب المؤقت في قضية الاتحاد السوفييتي هو الذي جعل ابن نبي لا يعول كثيرا على الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي ليجد العالم الإسلامي خلاصا من الهيمنة والتحرش والظلم، كما سنرى فيما بعد عندما دعا إلى بروز كتلة جديدة تضم الدول الإسلامية والهند والصين تواجه محور القوة الواقع من واشنطون وموسكو. أعود لأؤكد أن ابن نبي لم تناول التجربة الصينية من الزاوية المذهبية البحتة حتى يرفضها جملة وتفصيلا ومن الأول بحجة أن البلاد شيوعية، ولكنه درسها من حيث قدرتها على تجنيد الطاقات الظاهرة والكامنة في المجتمع الصيني وتمكنها من إحداث ديناميكية اجتماعية تقوم على مبدئه المعروف الذي وضعه كشرط لكل ديناميكية اجتماعية تضمن النهضة الاقتصادية ومؤداه : “لقمة عيش لكل فم وكل السواعد يجب أن تعمل”. فالقادة في الصين تمكنوا من استبدال “الاستثمار المالي” المفقود أو الخاضع لشروط المؤسسات الدولية والمرابين في العواصم الغربية، بـ”الاستثمار الاجتماعي” الذي يعتمد على استعمال القدرات والإمكانات الذاتية على قلتها ومهما تكن قيمتها، فتمكنوا مثلا من تجاوز ورطة وصعوبة الاختيار بين “الصنع محليا أو الاقتناء من الخارج” . وبعبارة أخرى، لقد نجحت الصين في إحداث توليفة الحضارة القائمة على الإنسان الصيني والتراب الصيني والزمن المتوفر. وكأني أمام دعوة من ابن نبي المجتمعات الاسلامية لاستلهام التجربة الصينية لأنها أصلح لنا ولأنها أقرب إلى واقعنا الاجتماعي، وعليه فقد دعا في كتابه “المسلم في عالم الاقتصاد” إلى الاستلهام منها من حيث قدرتها على تجنيد الشعب والطاقات وخاصة في بدايات تطبيق سياسة اقتصادية عربية في البداية، تمتد جغرافيا بعدها إلى العالم الإسلامي كما دعا إلى اعتماد نظام اقتصادي قوامه الاكتفاء الذاتي(L’autarcie) بحيث يمكن أن تغلق حلقاته إذا ما دعت الضرورات الداخلية أو الخارجية لذلك. وقد حيا ما حققه الشعب الصيني في المجال الحضاري من خلال الإنجازات التي أثمرتها خطوات “الوثبة الكبرى إلى الأمام” “Grand bond en avant”. أما عن أسرار نجاح الوثبة الصينية فيرجعها ابن نبي إلى يقظة القادة في الصين الذين نددوا بالمحفز المادي الذي اقترحته الأكاديمية السوفيتية للعلوم لتعويض ضعف الطاقة الإبداعية للعامل السوفييتي، ولأنهم أدركوا أن المعارك الاقتصادية التي تخوضها الأمم في بدايات مسيراتها إنما يحددها قطب القيم الأخلاقية أو قطب القيم الأخلاقية في بعديه المتمثلان في الواجب والحق، ففي بدايات نشأتها وعندما تضع أولى خطواتها في التاريخ، يجب على الأمم الفتية أن تجعل الأولوية للواجبات على حساب الحقوق وأن تجند الطاقات عوض تركها لقمة سائغة للحديث عن المطالب والحقوق الذي يعتمده الطوباويون والديماغوجيون لصرف الناس عن واجباتهم. وعندما أحست الصين بأن هناك محاولات لتحويل المجرى ليصب في خانة المطالب على حساب الواجبات، أعلنت الثورة الثقافية لتصحيح المسار، وللغربيين أن ينتقدوا ويهاجموا هذه الثورة. لقد نجح هذا البلد في خلق ديناميكية اقتصادية في حين عجز العالم الإسلامي في ذلك لأن ماو ورفاقه اكتشفوا السر. يحدد الزعيم الصيني الهدف من الثورة فيقول إنه “تحويل المظهر الأخلاقي للمجتمع بتغيير ما في أعماق الإنسان”، بينما فشل المسلمون رغم أن القرآن الكريم جعل من الآية الكريمة “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، سنة لن تجد لها تحويلا وقانونا أبديا لن تجد له تغيرا. وأزيد لأشرح ثناء ابن نبي على التجربة الصينية أن المتأمل بإمعان لها يخيل إليه أنها استلهمت سنن الله في عباده. فقد يبدو لنا الأمر وكأن الصين طبقت الحديث المشهور للنبي صلى الله عليه وسلم :” لقد عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، رغم أن قادتها من أبعد الناس عن ديننا. فالمقصود من الحديث هو جهاد النفس وهواها والميول الضارة كالمطالبة بالحقوق دون القيام بالواجبات وغيرها من الأمراض الاجتماعية، وبعبارة أخرى يدعو الحديث الشريف إلى ضبط هذه الميول والأهواء وإخضاعها وتوجيهها نحو أهداف البناء والتنظيم. فعندما انتصرت الثورة الصينية في سنة 1949 لم يقم ماو بتوزيع المنافع على رفاقه بحجة أنهم تصدوا للاستعمار الياباني أو لأنهم حاربوا جيوش شان كي تشيك أو أنهم شاركوه المسيرة الكبرى معه. ولم يدع أن مشاكل الصين انتهت بانهزام اليابان وخروج قوات شان كاي تشيك وفرارها إلى تايوان، وإنما دعا إلى العمل والاجتهاد، فلبس الشعب الصيني لباس العمل الأزرق المشهور، وتجند قاطبة لرفع التحديات التي يفرضها التخلف. وهكذا حق لشوان لاي أن يقول “إن سياستنا لا تخطئ لأنها علم”، بينما نعتصر كمدا لأن مخططاتنا وبرامجنا وسياساتنا فشلت، لأننا لم نسر على هدى من سنن الله في عباده. ولن أجافي الواقع والحقيقة إذا قلت بأن الصين عملت بهذه السنن ولم نعمل بها أبدا رغم وضوحها في دستورنا الأبدي. وأنا أختم كلمتي عن التجربة الصينية، أذكر بأن المرحوم مالك بن نبي زار الصين عندما كان مديرا عاما لوزارة التعليم العالي في بداية الستينيات واستقبله زعيما الصين وقتها، ماو تسي تونغ وشوان لاي. مستقبل الإسلام سيكون في آسيا، هذا ما نص عليه ابن نبي في تأملاته في العلاقات الدولية والوضع العالمي ومآله. فقد توقع أن الحقبة المتوسطية للإسلام انتهت وأن مركز الثقل سينتقل من البجر الأبيض المتوسط إلى آسيا. هل فقد ابن نبي الأمل في رؤية الشعوب العربية الواقعة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط أي في الجناح الغربي للعالم الإسلامي، تنهض من الاضمحلال وتفيق من سباتها العميق ؟ منذ سقوط دولة الموحدين سنه 1369 م وهي السنة التي يؤرخ بها بن نبي لنهاية الحضارة الإسلامية، أصبح الإنسان المسلم عاجزا عن إحداث التركيب التاريخي المطلوب لبناء الحضارة وسيبقى في هذا العجز ما لم يقض على مخلفات ستة قرون من الشلل الذي أصابه،”طبقا للتقاليد الإسلامية الحقة وللتجربة العقلانية الديكارتية” )كتاب : وجهة العالم الإسلامي(. وعلى العكس تماما من هذا الحكم القاسي على إنسان ما بعد الموحدين الساكن في غرب العالم الإسلامي والمقصود تحديدا الإنسان العربي، فإن بن نبي توسم خيرا في شعبي ماليزيا واندونيسيا، وقد كتب بشأنهما : “إن إنسان جاوة دقيق وله حس النظام والتنظيم ويمتاز بحب التفصيل، إنه إنسان الوضوح والجوانب الإيجابية، إنسان التطبيق والتقنية والفنون كذلك”. ويرى ابن نبي في مسلمي آسيا ظهور “وعد بتركيب جديد للإنسان والتراب والزمن، وبالتالي ظهور حضارة جديدة”. )وجهة العالم الإسلامي(. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وآسيا تستقطب اهتمام الاستراتيجيين الغربيين بدأ من الإنجليزي جون هالفورد ماكيندر (Makinder) مبتدع العديد من مفاهيم الجغرافيا السياسية والجيوسياسية وهو صاحب (الأساس الجغرافي للتاريخ Le pivot géographique de l’histoire) ( إلى زبينغنيو بريزنسكي مؤلف (الطريق الجديد للحرير) وما مشروع الشرق الأوسط الكبير إلا حلقة من حلاقات هذا الاهتمام. وكان ابن نبي يتابع الرهانات التي تطرحها آسيا والمناورات التي تحاك لها. وتبرز عظمة المفكر كمنظر للعلاقات الدولية في كتابه )فكرة الإفريقية الآسيوية( وفيه دعوة لظهور توازن جديد يحفظ العالم الإسلامي من الأطماع والهيمنة لأنه كان يرى في نظرته الاستشرافية والاستباقية أن قسمات العالم التي سترسم بعد الحرب العالمية الثانية سوف تهدد العالم الإسلامي ما لم يتحد في كتلة جديدة تشمل الصين والهند والعالم الإسلامي تواجه كتلة القوة والإمكان الحضاري الذي يمثله محور واشنطن-موسكو في مقابل، محور البقاء وغياب الإمكان الحضاري وهو الحيز الواقع بين طنجة وجكارتا. ومن شأن هذا التوازن أن يحفظ السلام العالمي كذلك. غير أن التطورات اللاحقة وغفلة المسلمين وإنشاء دولة باكستان والصراع الهندي الصيني على منطقة التيبت ثم فشل الوعود التي حملتها الفكرة الافروآسيوية، قد قضت على إحدى أكبر نظريات ابن نبي عمقا والتي أبان بها عن معرفة دقيقة لمكنون العلاقات الدولية والمآل الذي ستؤول إليه، وقد تحمس لها أيما تحمس وعانى من أجلها كثيرا كما فصل ذلك في كتابه : الصراع الفكري في البلدان المستعمرة، وهي الفكرة التي قتلها الجاهلون، كما قال بمرارة، وكان يقصد قادة العالم الثالث الذين خدعهم الاستعمار )كتاب : فكرة الأفريقية الآسيوية(. وقد اظهر ابن نبي براعة المنظر غير أنه تألم وعز عليه وحزن لتجاهل القادة أفكاره وتصوره لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. أربعون سنة بعد صدور كتاب )فكرة الإفريقية الآسيوية( وما حوى من أفكار رائدة في العلاقات الدولية )صراع الحضارات وإعادة صوغ النظام الدولي ( لصامويل هـنتغـتون تحدث فيه عن مخاوف تحالف محتمل بين العالم الإسلامي والصين حيث كتب يقول : “إن المجتمعين الإسلامي والصيني ينظران إلى الغرب كخصم مشترك وتحدوهما كل أسباب التعاون بينهما للتحالف ضده” )صفحة 269 (. هذا التحالف هو الذي دعا له ابن نبي كما رأينا ولم يلتفت إليه أحد، ورغم أن الأمور أخذت مجرى آخر إلا أنه احتمال لا يزال يؤرق مضاجع أهل السياسة والاستراتيجية في الغرب وما مشروع الشرق الأوسط الكبير إلا ثمرة لتفكير يراد من ورائه استباق مخاطر هذا التحالف، فماكيندار وبريزنسكي الذي يعمل على تحيين نظرياته يرى أن قلب العالم في وسط آسيا ومن يسيطر على هذه المنطقة إنما يضمن الهيمنة على العالم، والمتأمل في المشروع بإمعان وبعد الاستعانة بالخريطة سيدرك لا محالة أن الغرض هو تمزيق العالم الإسلامي والاستيلاء على ثرواته، ثم جعل الصين وروسيا واليابان على حواشي هذه المنطقة وعلى أطرافها. يجدر إذن إعادة مطالعة كتاب الأفروآسيوية بتمعن لفهم هذه الرهانات. رغم أن مسألة إنشاء دولة باكستان أصبحت تحصيل حاصل ويجب على المسلمين أن يكونوا معها كما يمليه واجب التضامن الإسلامي والتآخي ورغم أن ابن نبي نفسه أصبح من المنافحين على هذه البلاد المسلمة وقد عبر عن وقوفه إلى جانب إخواننا في باكستان في حربهم مع الهند في سنة 1971 إلا أنه وللتذكير قد أصيب بمرارة لا توصف عندما أنشئت وانفصالها عن الهند واعتبر ذلك كارثة على الإسلام تضاهي كارثة صفين وما أفرزت من تمزق للنسيج الإسلامي أذن ظهور الملل والنحل بعدها. أحببت أن أعود لهذه الحلقة من حلقات التاريخ الإسلامي الذي تعرض للمكائد في سياق نظرته للتطورات العالمية التي هندس لها الغربيون طبقا لمصالحهم وعداوتهم للمسلمين. لقد اعتبر ابن نبي أن إنشاء دولة باكستان من مخططاتهم المستنبطة من نظريات ماكيندر ودهاء تشرتشيل، لأن مستقبل الإسلام يكون في هند موحدة. فلنتأمل الخريطة ولنضع أمامنا ميزان الربح والخسارة لنقدر ما حاق بالمسلمين من ويلات ومصائب من سوء تقديرهم وتهافتهم في موضوع الحقوق والاستقلال الناقص كما يسميه. فالدولتان خاضتا ثلاث حروب شابت لها الولدان لويلاتها وعند إنشاء باكستان بقيت أقلية مسلمة تقدر بببضع مئات الملايين من البشر احتوتهم الأكثرية الهندوسية وذاقت الأمرين بفعل الحقد الهندوسي ولا تزال، وانتظر الأعداء الفرصة السانحة لتمزيق هذا الكيان فكانت حرب 1971 التي انفصل فيها الجانب الشرقي من الدولة الفتية وتسمى ببنغلاديش، كما أن كشمير المسلمة مأساة في ضمير كل مسلم يكتوي المصائب التي تصب أهل هذه المنطقة. أما الهند فضيعناها ولم تعد في صفنا بل أصبحت حليفا للعدو الصهيوني وبات الحليفان يكيدان ويتآمران ويتحينان الفرصة للقضاء على قوة باكستان النووية. فلنتصور لو بقي المسلمون في دولة موحدة لشكلوا ثلث سكانه ولكانت شبه القارة الهندية في صفنا لا ضدنا ولن ندرك هذه الحقيقة ومراراتها إلا إذا تأملنا جيدا راهن العلاقات الدولية وما يحاك لدول الشرق الأوسط ولباكستان. الآتي أعظم إذا لم نتدارك الأمور ببصيرة وحكمة. وأبني على المثال الباكستاني ومكائد الصراع العالمي وقائع أخرى جرت في السنوات الأخيرة وما عانه إخواننا في البوسنة والشيشان وكوسوفو وغيرها. فالشعوب في هذه المناطق ذهبت ضحايا لما يسميه ابن نبي في كتابه القيم (الصراع الفكري) الإيحاءات (les insinuations) التي تطلقها المراصد المختصة في الغرب وتبثها مغلفة بحجج وإغراءات كالحقوق والمطالب والاستقلال المشبوه. فقد قيل للباكستانيين من قبل: كيف تتعايشون مع الهندوس الذين يعبدون البقر وأنتم تستهلكونها ؟ طالبوا بانفصالكم وكان ما كان. ثم قيل نفس الحديث للمسلمين في الشيشان والكوسوفو والبوسنة أنهم لا يمكن أن يتعايشوا مع الصرب والكروات والروس، فثار المسلمون وكانت النتيجة ذاتها فارتكبت المجازر الرهيبة في حقهم من قبل مثلما ارتكبت في ارتكب الهندوس المتعصبين الفضائح في حق الباكستانيين. وأربط خاتمة حديثي بمقدمته وأعود لعبارة الأستاذ محمد المبارك رحمه الله في شأن مالك بن نبي من إنه ينهل من النبوة وأذكر بما قاله المرحوم في أخريات أيامه عندما زاره في بيته مثقفون عرب في سنه 1973، فحذر من أننا إن لم نغير أنفسنا فسيغيرنا غيرنا إنها روح العصر وتنبأ بأن العقود الثلاث القادمة ستشهد تغييرات لم يعيشها العالم من قبل، فتماما كما تنبأ، فقد كانت سنة 2003 بالفعل حبلى بالأحداث التي يراد من ورائها تغييرنا حسب مصالحهم وعلاوة عن مشروع الشرق الأوسط الكبير فإن العدو يريد أن يغير حتى مناهج تعليمنا وأسسه. بهذه العجالة سأغمط لا محالة حق ابن نبي رحمه الله كثيرا، لأني لم أذكر كل توقعاته وتنبؤاته التي تحققت سنين بعد أن أعلنها ببصيرته وسعة اطلاعه وقدرة تفكيره. وسأمر على مثالين أرجو أن أبلغ بهما ما أروم به من وراء حديثي. فقد نص قبل غيره ومنذ نصف قرن تقريبا على اتجاه العالم بفعل العامل التكنولوجي نحو ما سماه “العالمية”(mondialisme) والعولمة التي تتخطى الحدود والحواجز سببها أصلا التقدم التكنولوجي وما أفرزه من شبكات اتصال وتبادل هائلة مست كل الجوانب. عندما كنت منكبا على ترجمة مؤلفه المعروف “الصراع الفكري” حيث نص فيه على أن الدولارات التي كانت تدفعها الولايات المتحدة للعديد من الدول الإفريقية والآسيوية لقاء بناء قواعد عسكرية أمريكية فيها إنما كان يخفي هدف إبعاد الضربات الصاروخية النووية السوفييتية عن الحواضر الأمريكية ومراكز الإنتاج فيها بتلقي هذه الدول لهذه الضربات، وقد وقع بين يدي مصادفة تقرير أعده ثلاث باحثين أمريكيين ونشرته الصحف في سنة 1999 بعد أن اطلعوا على وثائق سرية أمريكية بعد انقضاء الآجال القانونية التي تحفظ طابعها السري. مؤدى محتوى هذه الوثائق أن العديد من دول العالم الثالث، ومن بينها دولة عربية على سبيل المثال، كانت ستقصف بالسلاح النووي السوفييتي لو قدر واندلعت الحرب بين القوتين العظميين، أي كما قال ابن نبي بالتمام والكمال في سنة 1960.

المصدر: الشروق