شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

سيدنا الله واحنا عباده

سيدنا الله واحنا عباده

تابعتُ بتقزّز مراسمَ تقديم الحكومة المغربية الجديدة لـ”سيّدهم”، وفي مقدّمة هذه الحكومة “للّاهم” “عيشة البوّاسة”، التي لا تردّ يد لامسٍ، ولا مُقبِّل مقبِّل، المسماة “فاطمة المنصوري”، باعتبارها منسِّقة الحزب الفائز بأكبر عددٍ من المقاعد بشراء الذّمم، واستنزال الهمم، وقد أصبح يُسمّى بعد القبض عليه بجريمة التزوير “حزب الصّاك”، وكان قبل ذلك يُسمّى “حزب التراكتور”، الذي يتزعّمه من وراء حجاب علي الهمّة، مستشار “سيّدهم”، والطيور على أشكالها تقع. كان جميعُ الوزراء والوزيرات يلبسون ويلبسن أغلى الثياب، ولا شكّ في أنّهم وأنّهن تعطّروا وتعطّرن بأجود أنواع العطور، مخافة أن يُزعجوا ويُزعجن “سيّدهم” بروائح قد لا تكون طيّبة. على يمين “سيّدهم” كان يقف شخصٌ على بُعد بضعة أمتار، يحمل بيدٍ مرتجفة ورقة، وبصوتٍ متهدّج ينادي أعضاء الحكومة فيتقدّم المنادى عليه وعليها في ذِلة وصَغار، حتى إذا دنا من سيّده “صاحب الجلالة” “سليل” رسول الله صلى اللهُ عليه وسلّم خرّ راكعا، ثم يقوم من الركوع وهو مطأطأ الرأس، مسرعا خطاه، مادًّا يديه لتتشرّفا بلمس يد “صاحب الجلالة” متبرّكا بها، ثم يقبّلها مثنى وثلاث لا فرق بين ذكر وأنثى، فقد استُحدثت وزارة أطلق عليها “وزارة المساواة” وكانت من نصيب إحدى “السيّدات”، إذ لا سيّد في المغرب إلا “سيّدهم”. ثم يقسم الجميع بالإخلاص لـ”دينه” ولملكه ولوطنه، بهذا الترتيب، ولولا الخوف من الشعب لا من الرّب لقُدِّم الملك على الدين أيضا. بينما كنتُ أتابع هذه الملهاة حيث تُزهق الكرامة البشرية وتُذَلّ الإنسانية ويهان الشرف، ورد على خاطري عندما كان الوزير غير قابل للعزل، لأنّه عُيِّن من طرف يهوديّ، وهو وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ورد على خاطري مثَلٌ شعبيٌّ جزائري يعبّر عن نفسية شعبنا الأبي، الذي “يأبى لغير العزّ أن يتضرّعَ”، كما يقول شاعرُنا صالح خرفي رحمه الله. هذا المثلُ الجزائري البليغ هو “سيّدنا الله واحنا عبادُ”؛ ففي هذا المثل إقرارٌ لله عز وجل بوحدانية العزة والسيادة لا لأيِّ شخص ولو كان رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم، أليس هو القائل: أنا عبد الله ورسوله؟ وتأكيدٌ بأنّنا عباد الله لا لبشر مثلنا، وقد يكون فينا من هو أشرفُ حسبا وإن لم يكن شريفا نسبا. رحم الله -العزيز- المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي فضّل أن يعيش وأن يموت وأن يُدفن خارج المغرب لأنّ استقلاله كان خديجا، وحتى لا يُفرضَ عليه –باسم التشريفات الملكية- أن يركع لرجل يعصي اللهَ جهرةً، وإن لبَّس على المغربيين فأمسك سبحة بيدٍ، وأحاط معصمه بسوار من ذهب أو فضّة، كما أترحّم على الشيخ الجليل عبد السلام ياسين الذي فضّل أن يُتّهم بـ”الجنون”، وأن يحشَر مع المجانين في المستشفى على أن يركع لبشرٍ هو دونه، من دون ريب.

المصدر: الشروق