آفاق اقتصادية واعدة ترسم ملامح مستقبل عُمان
عمر الكندي لم تعد قراءة مستقبل الاقتصادات تُبنى على حجم مواردها الحالية فحسب، بل على قدرتها على تحويل الموقع الجغرافي، والاستقرار المؤسسي، والبنية الأساسية، والسياسات الاقتصادية إلى محركات مستدامة للنمو. ومن هذا المنظور، تبرز سلطنة عُمان بوصفها اقتصادًا يستحق قراءة استشرافية تتجاوز المؤشرات الآنية، خصوصًا عند النظر إلى السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، وما قد تحمله من تحولات في خريطة الاستثمار الإقليمي، وفي مقدمتها القطاع العقاري. وتستند جاذبية عُمان إلى مجموعة من المقومات المتكاملة؛ فهي تطل على طرق بحرية دولية حيوية، وتتمتع بموقع يربط أسواق الخليج بالمحيط الهندي وشرق أفريقيا وشبه القارة الهندية، فضلًا عن امتدادها الجغرافي وتنوع بيئاتها الطبيعية. غير أن القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذه المقومات لا تتحقق بمجرد امتلاكها، بل بقدرة الدولة على توظيفها في بناء منظومة إنتاج وخدمات ولوجستيات وسياحة، تستقطب رؤوس الأموال وتخلق طلبًا مستدامًا على الأصول والخدمات. وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من التحولات التي تشهدها بنية الاقتصاد العُماني. فبحسب بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للأنشطة غير النفطية خلال النصف الأول من عام 2025 بنحو 4.1% مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، فيما نما إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنحو 2.5% خلال الفترة ذاتها. وتعكس هذه الأرقام اتساع النشاط الاقتصادي خارج قطاع المحروقات، وإن كانت وتيرة التحول لا تزال متفاوتة بين القطاعات. وتنسجم هذه المؤشرات مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي تضع تنويع الاقتصاد، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال، وجذب الاستثمارات النوعية ضمن أولوياتها. وتتمثل أهمية هذه الرؤية للمستثمر في أنها توفر إطارًا استراتيجيًا طويل الأجل يمكن أن تتراكم آثاره تدريجيًا، من خلال تطوير البنية الأساسية، وتوسيع الأنشطة الإنتاجية، وتحسين كفاءة الخدمات، وتعزيز ارتباط الاقتصاد العُماني بالأسواق الإقليمية والعالمية. وفي هذا السياق، تمثل البنية اللوجستية أحد أبرز عناصر القوة المستقبلية. فقد تعاملت الموانئ العُمانية مع أكثر من 137 مليون طن من البضائع خلال عام 2024، بزيادة بلغت نحو 15% عن عام 2023، كما استحوذت الموانئ البحرية على ما يقارب 77% من تجارة الاستيراد والتصدير العُمانية، بقيمة تقارب 16.5 مليار ريال عُماني. وتمنح هذه القدرات السلطنة فرصة لتعزيز دورها في سلاسل الإمداد والتجارة العابرة للحدود، بما يدعم الأنشطة الصناعية والتخزينية والتجارية والخدمات المرتبطة بها. أما القطاع العقاري، فيستحق اهتمامًا خاصًا لأنه يتأثر بتفاعل مجموعة واسعة من المتغيرات، تشمل نمو السكان، وتوسع الأعمال، والسياحة، وحركة الاستثمار الأجنبي، وتطور البنية الأساسية. فكل توسع اقتصادي مستدام يمكن أن يولّد طلبًا على أنماط متعددة من العقارات، بدءًا من الوحدات السكنية والمجمعات التجارية، مرورًا بالمرافق الفندقية والسياحية، وصولًا إلى المستودعات والمنشآت الصناعية واللوجستية. ومع ذلك، فإن القراءة المهنية للسوق تقتضي التمييز بين الإمكانات المستقبلية والأداء الفعلي. فقد بلغت القيمة المتداولة للعقار في السلطنة نحو 2.646 مليار ريال عُماني خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، بانخفاض يقارب 10.1% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وفق النشرة الإحصائية الشهرية للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات. ويؤكد هذا التراجع أن السوق لا يتحرك في مسار صعودي مستقيم، وأن جاذبيته المستقبلية لا تعني ارتفاع جميع العقارات أو المناطق بالوتيرة نفسها. وتتصل الفرص الواعدة كذلك بتطور السياحة والضيافة، ولا سيما في الوجهات التي تجمع بين الطبيعة والهوية الثقافية والمقومات البحرية والجبلية. ويُرجح أن تتسع الحاجة إلى منتجات عقارية أكثر تخصصًا، مثل الوحدات الفندقية، والمشروعات السياحية المتكاملة، والإقامات طويلة الأجل، والمرافق التي تخدم الزوار والشركات. لكن نجاح هذه الاستثمارات سيظل مرتبطًا بقدرتها على تحقيق معدلات إشغال واقعية، وتوليد تدفقات نقدية، وتقديم قيمة مضافة تتجاوز مجرد امتلاك الأرض أو انتظار ارتفاع سعرها. وعلى صعيد الاستثمار الأجنبي، تجاوز رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في عُمان 31.4 مليار ريال عُماني بنهاية الربع الرابع من عام 2025، بزيادة سنوية بلغت نحو 8.1%. غير أن البيانات الرسمية تشير أيضًا إلى أن قطاع استخراج النفط والغاز استحوذ على نحو 80.9% من هذا الرصيد، وهو ما يكشف عن تقدم ملموس في جذب رؤوس الأموال، مقابل استمرار الحاجة إلى توسيع قاعدة الاستثمارات المتجهة إلى الأنشطة غير النفطية، ومنها الصناعة والخدمات والعقار. ومن هنا، فإن الرهان على مستقبل عُمان لا ينبغي أن يُفهم بوصفه توقعًا لقفزة مضمونة في الأسعار أو الأرباح، بل قراءة لاحتمال تزايد القيمة الاقتصادية للأصول مع اكتمال مشروعات التنمية واتساع النشاط الخاص. فالمستثمر الذي يدرس الموقع، وحجم الطلب الحقيقي، والبنية الأساسية، والأنظمة المنظمة للملكية والتطوير، والتكلفة التمويلية، يستطيع أن يميز بين فرصة تنمو مع الاقتصاد وأصل ترتفع قيمته بفعل المضاربة وحدها. وخلال الفترة الممتدة إلى عام 2040، قد تتضح بصورة أكبر نتائج التراكم التنموي الذي تعمل عليه السلطنة، خصوصًا إذا استمر تنفيذ الإصلاحات، وتوسعت الاستثمارات المنتجة، وتحسنت إنتاجية القطاعات غير النفطية. وقد ينعكس ذلك على مكانة عُمان الاقتصادية والإقليمية، وعلى طبيعة الفرص المتاحة فيها، بما يتجاوز الصورة التقليدية لسوق عقاري محدود إلى منظومة استثمارية أكثر تنوعًا وترابطًا. إن ما يجعل عُمان جديرة بالمتابعة ليس افتراض أن مستقبلها محسوم، بل اجتماع مقومات استراتيجية مع مسار إصلاحي طويل الأجل، في مرحلة لا تزال فيها فرص كثيرة قابلة للتشكل. وفي مثل هذه البيئات، لا تُقاس جودة الاستثمار بسرعة العائد وحدها، بل بقدرة المستثمر على استباق التحولات، واختيار الأصول المناسبة، والدخول على أسس اقتصادية مدروسة قبل أن تنعكس جميع آثار التنمية على الأسعار والمنافسة.
المصدر: الرؤية