حكاية معمارية في القلب النابض
لينا الموسوي ** تؤدي الأقدار والصدف دورًا محوريًا في حياتنا، وتمنحنا فرصًا لابتكار وعي جديد يضاف لسيرتنا الشخصية والمهنية، وهذا تمامًا ما حدث لي عند عودتي إلى مسقط بعد غياب؛ عودةٌ بنظرة مختلفة تمامًا عن سنواتي الماضية حين كنت أصغر سنًا وأقل خبرة، أبحث بشغف عن الحداثة الأوروبية العصرية التي اعتدت عليها. لكن مع مرور الزمن واتساع الخبرات، أيقنتُ قيمة ما يسمى بالدفء الاجتماعي؛ ذلك العنصر الإنساني الذي تفتقده المجتمعات الحديثة والمجمعات السكنية الباردة. أدركتُ أن ما كانت تمتلكه مدننا العربية القديمة في تخطيطها من نسيج حضري حميمي هو كنز بدأ يتلاشى ليحل محله نمط عمراني حديث لا يعوض قيمته. في هذه المرة، كنت أبحث عن تلك الهوية المفقودة. كنت أبحث عن ساحل جميل هادئ، وسوق قريب نابض يغذي الروح ويمنح الإنسان الطمأنينة. قد يبدو كلامي للبعض مبالغًا فيه، لكن حين يتنقل الإنسان بين العواصم ويخوض تجارب العيش بين مختلف الشعوب، ينضج خياره المعماري والإنساني، ويدرك ما يحتاجه حقًا. وهناك مقابل الساحل في القلب النابض، وجدتُ ضالتي؛ حيث أجد نفسي في كل صباح ارتشف قهوتي واستنشق نسيم البحر الهادئ؛ حيث استمتع بمراقبة الصيادين وهم يخرجون إلى البحر، متخذين قواربهم البسيطة، ومتوكلين على الله في أرزاقهم. لكل مدينة شفرة وراثية معمارية، وفي ولاية السيب تتجسد هذه الشفرة في الانتقال الفراغي السلس من صخب المركز التجاري إلى سكينة الساحل المفتوح. ففي أزقة السوق، تتلاحم المباني وتتقاطع الممرات لتخلق ظلالًا دافئة تحمي العابرين، وتمتع أنظارهم بالبانوراما الإسلامية المعمارية الجميلة للواجهات. ووسط حيوية الدكاكين وعفوية حركة الناس، تدرك بعين المعماري، بل وبكل ما يحس به قلبك، سر ذلك المثل القديم الذي يطلقه العمانيون على هذه المدينة النابضة. "السيب سكر وحليب".. مثل جميل ومحسوس ينطبق عليها تمامًا؛ حيث ما يزال يقطنها أناس طيبون يتميزون بالبساطة والعراقة. إنهم بشر يمتلكون طيبة وعفوية وحب التعاون مع الجنسيات المختلفة، في بيئة لطالما ارتبطت حياتها بالزراعة والتجارة والصيد. هذا الإرث الإنساني هو مصدر الدفء الذي ما يزال يعم في سكك هذه المدينة الجميلة. لكن حكايتي مع السيب لا تنتهي عند حدود الدكاكين والسكك؛ فبمجرد أن أمشي خطوات قليلة باتجاه البحر، يختفي هذا الضيق والزحام فجأة، لأجد نفسي أمام اتساع البحر الساحر ونسمته الباردة. هذا التغيير المفاجئ من صخب السوق والناس إلى هدوء الشاطئ وأفقه المفتوح هو الذي يعطي السيب روحها الخاصة ويجعلها مكانًا لا يُنسى. فما أود قوله في كلامي عن هذه المدينة العريقة أو أي مدينة عربية قديمة وعريقة، أن الرقي والأصالة لا يُبدلان بثمن، لأنَّ العمران هنا نتاج أحداث تاريخية، وقصص، وروايات لا نجدها في المدن الحديثة. ومن هنا، علينا احترام هذه الفضاءات، وتقديرها، وتقييمها كما نقيم أي لوحة فنية غالية الثمن؛ لأنها لا تعوّض مرة أخرى، لا بأصالتها، ولا في روحها، ولا في حيويتها... إنها القلب النابض، العريق، والمُتأصل. ** مهندسة معمارية
المصدر: الرؤية