الغرف العقلية المغلقة المفتوحة
ماجد بن علي الهادي للصور غرف، وللغرف صور، لا يسكنها سواها ولا تسكن دونها. في المخيلة غرف مغلقة ومفتوحة في آن، مغلقة للفضول الخارجي ومفتوحة للفضول الداخلي. هذا الفتح والغلق يعتمدان على المخزنات التراكمية في العقل. ويتواكب معه كل فعل ورد فعل، ومع المواكبة تستدعي الخلايا العصبية مع ناقلاتها كل ما هو ترك أثرا؛ سواء أكان سعيدا أو حزينا. في تلك الغرف تسكن وتعيش الكثير من الصور والقليل من الكلام، تسكنها وهي مستنفرة من هيجان الأفعال التي تستشيط عندما يحترق الذهن والتفكير مع الذكريات. تلك التي أبت إلا والمكوث ما دامت تتغذى على الغث والسمين من الأحاسيس وفق الكنه الفعلي. من هذه الصور المخلفات الذهنية التراكمية، تلك التي وشمت وباقتدار على صفائح العقل، وشمت وشمخت التفكير بحيث كبلت عضلات تأمله في بوتقة مؤلمة، شهقة صدمة نفسية، زفرة ارتكان مرير، احتقان إحساس بغيض. تأتَّت من مواقف صاحبتها هويات وشخصيات ألفتها الروح وعانقتها الطمأنينة يوما ما. لم تستطع ولن ترحل من الغرف، ليس لشيء سوى إنها لم تؤمن في يوم من الأيام بأن الفراق هو النهاية، أو النهاية هي الخاتمة. اللامحدود واللانهاية هما المتسيدان في نبض التفكير. يقابلهما الامتزاج في المتتالية العقلية، المتحدثة على الدوام بلغات وشفرات لا يدركها ولا يعيها الا العقل ذاته. هذه الصور متبروزة بإنسان عزيز بكل تأكيد، قلت صور وليست صورة، لأنها متعنونة بالمواقف، ومتشكلة بالأحداث. أحداث مراحل الحياة المختلفة. فتفرعت من الصورة صور، وتجذرت من الأحداث صورة واحدة ثابتة، ألا وهي صورة ذلك الإنسان العزيز. الذي فارق الحياة ولم يفارق الغرفة العقلية الذهنية الفكرية التفكيرية. يتراءى بشتى المواقف وبصورة واحدة متميزة التأثير، يتواكب بمختلف الرؤى وبخيال واحد جميل. لا يفرض صورته؛ بل يزخرفها في المتوالية الذهنية، لا يتصنعها وإنما يرسمها في السعادة والابتسام. ينام في الغرفة العقلية الذهنية ونبضه الحي يتلون في السبات الذي يكونه العقل. حقيقة لا تكشف غطاءها ولا تكشف سرها لأنها متزاوجة مع صمت الإحساس ورهافته. حقيقة الصورة حقيقية في كل غرفة عقلية ذهنية بشرية، لا ينكرها الواقع لأنه يعيش بها ومنها ينهل أحداثه وسماته. لا ترفضها السمات الذهنية التفكيرية لأنها تتغذى من آثارها وتأثيراتها. سمها ما شئت (توأمة روحية، متلازمة عقلية)؛ فهي في النهاية البذرة التي تدثرت بتربة عقلك، ارتوت من ماء تفكيرك، ونمت في زمن نضج ذهنك تتلون بألوان مشاعرك وأحاسيسك. طوقها عقلك بالحماية من الفضول وأصبحت بمنأى عن كل مشاكس. السؤال عن هذه الصورة. ألم تدخلها غرف أخرى كانت تواكبها المعيشة؟ الجواب بالتأكيد بأنها كانت ترفرف في سموات عقلية وروحية كثيرة. ولكن.. ألم ترى الطيور في السماء محلقة؟ وعندما تريد أن تهبط أو تستكين إلى الهدوء فإنها تختار وتنتقي شجرة بعينها لتبني عشها. هكذا هي الصورة تنتقي وتختار الغرفة العقلية التي ترى فيها سكينتها وطمأنينتها. تحاكي الذبذبات العقلية بابتسامتها وتتوشح بدثارة شعورها وهي تترقرق في التيار العصبي لخلية الإدراك والتميز. اختلاط وامتزاج جميل لا يستشعره إلّا صاحب العقل؛ فتراه يبتسم فجأة وسط ذهول الآخرين، لأن الصورة تبتسم له في الغرفة العقلية، تتبادل الابتسامات في المسارات الذهنية بسلاسة ومرونة خفية. هذه العملية والعمليات المشابهة لا يدرك مدى تعقيدها، لأنها تعيش وتعايش العالم الخفي، العالم الغير مدرك وهو الحاضر القوي في أرض الواقع. العالم الذي تحاول العقول اختراقه، وتتقهقر بثقب متواضع، العالم الذي يتضبب في شمس المعرفة بينما تحاول الرياح "عاجزة" مسح السحب من أمام إشراقتها الساطعة، العالم الذي يعكس مدى الإعجاز في تفسير اللا مُفسَّر. ستبقى الصورة مؤطرة في جدار العقل، وسيبقى ضجيج الصمت العنوان الحقيقي لارتكازها واستقرارها؛ فلنحافظ على الصور الساكنة في غرف عقولنا بمكانتها على ما كانت عليه قبل مفارقتها للحياة، ولنكن عند حسن ظنها ولا نخذلها أبدا لأنها اختارت سكنى عقولنا دون العقول الأخرى، نكرم ضيافتها بأفضل مما يكون وتعويضها عن كل إهمال وقسوة وغلاظة قد عاملناها بها وهي تمشي على أرض الحياة.
المصدر: الرؤية