من شبَّ على شيء شاب عليه
سليمة الغيلاني هكذا هذا القلب وهذا الجسد معًا، كم أكرههما! ما هذه الطريقة التي يتعاملان بها مع الحدث؟ إلى متى هذه التلقائية في كل شيء؟ كم وكم قابلتِ من أجناسٍ وطينٍ لا يستحقون حتى نظرةً ثانية، بمعنى: لا يستحقون استئنافًا. ولكن ما يمرُّ بضعٌ من الزمن، حتى أجد هذين الاثنين، مع أول سلام، قد جعلا مني ورقةً بيضاء، بلا مرجعية ولا تاريخ، وكأنَّ شيئًا لم يكن. وتأتي بعدها قرصةٌ أخرى، وهكذا دواليك... فإلى متى؟ اِعلم: من شبَّ على شيء شاب عليه، ولكن حاشا أن تنسى تلك المضغة، ولكنها تخذلني، فترجع وكأن شيئًا لم يكن. أكره قلبًا مثله مثل ذاكرةٍ يوجد بها الكثير والكثير من العوالم والاهتمامات المتراكمة؛ فتلك الذاكرة قد أعذرتها؛ فالعالم اليوم يجدّد ذاكرته كل ثانية حتى لا يحدث له انفجارٌ من فرط المعلومات. ففي هذا العصر تتغير الأحداث بسرعة البرق، وتختلف الألوان والأجناس، وحتى المشاكل تأتيك كالمطر، لا تعلم أيَّ شاغرٍ لديك ستضعها فيه؛ ذلك لأن الشاغر قد نفض عباءته عن ذكرى قريبة جدًا. أما القلب، ذاك المريض المستسلم بين فكَّي الفطرة، ويقينه بأن كل شيء يتغير، فما إن تضخ الدماء وتدخل، حتى تغسل بالدماء ندبات الأشقياء. إلى متى يا قلب هذا الوجع المتكرر؟ لماذا تفقد علامات الحكمة بتركهم في دهاليز الزمن، حتى لا يؤذيك مخالطتهم؟ لكن الدماء ترجع بموجة، فتدخل غرف المهمَّشين على شواطئ الفطرة، وتأخذ كل الشوائب والعلق الذي كاد يفتك بتلك المضغة؛ فتذهب الذاكرة للمرة المليون، وترجع ريمة لعادتها القديمة!
المصدر: الرؤية