شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

ينسج الكاتب الروائي المصري إيهاب عبد الحميد عالماً متخيلاً لبطل روايته «النبي الصغير» في مساحة قادرة على احتواء حكايات ملحمية وأسطورية، وقالب فني يميل للتجريب، وطرق آفاق سردية جديدة، عبر أمثولات وقضايا كبرى أهمها فكرة «العدالة» كوسيط قيمي يضمن سلام العالم وسكينة البشر. تبدو فكرة العدالة جلية منذ الوهلة الأولى، ففي مطلع الرواية هناك شخص يخضع للمحاكمة، ثم نكتشف أن هذا الشخص هو قائد جماعة اسمها «العدالة الناجزة» تأسست للانتقام من السادة والنبلاء الذين تصدر ضدهم أحكام ولا يستطيع أحد تنفيذها خوفاً من نفوذهم. رواية «النبي الصغير» الصادرة أخيراً عن «مكتبة ديوان» بالقاهرة في جزأين يضمان أكثر من ألف صفحة تضعنا أمام عوالم شتى، يختلط فيها الحقيقي بالأسطوري، واليومي بالملحمي، والخاص بالعام، حيث تتداخل الشخصيات الرئيسية لتصنع ما يمكن اعتباره لوحة موزاييك بشرية في «مملكة رإدمان – مملكة الشمس» التي صنعها توراي الأعظم وقسمها على رغيف خبز، منطلقاً من إجابته عن سؤال بسيط: ما الذي يلزمني لإنشاء مملكة؟ وتأتيه الإجابة من داخل عقله: مال وجند وفكرة. وبعد عقود من رخاء المملكة يظهر «كال» الفتى الصغير المليح القادم من الصحراء. لا يطرق باب أحد في عمل إلا ويجده مفتوحاً. وهكذا عمل في جبال الملح مع شغيلة المملكة وقوة اقتصادها الضاربة، عمل في الأسواق وفي الحمامات، ليأتي اليوم الذي يقرر فيه أنه نبي. وأنه يجب أن يعلن دعوته ويضم إليه الأتباع والأعوان لإطاعة أوامر السماء وفي الوقت نفسه تحقيق العدالة للمقهورين والمظلومين في الأرض، أو على الأقل في الفئات التي عاش بينها. العالم المتخيل أو المملكة التي اختارها الكاتب مسرحاً للأحداث ملامحها محددة. فهي مساحة ممتدة تحيطها جبال وصحارٍ وغابات، وفي وسطها مدينة «توراي ديما» بها نادٍ وسوق، وحانة الذئاب وقاعة مخصصة للطبيب جميان وبيت الحب وجدار الأخبار «وسيلة الإعلام»، وحي السحرة وحمام القزم أبّا وعالم الأقزام عموماً، وبنات الهوى وفتيات العائلات الكبرى الجميلات كلها تتداخل في قصص وحكايات بتقنيات سردية متنوعة، أغلبها تعتمد على الراوي العليم، وبعضها ينطوي على تعدد الأصوات في الحكاية، مع اختيار «نظرة الطائر» كتقنية تصويرية بانورامية كاشفة للعالم الروائي. يبدأ «النبي الصغير – كال» فكرته من انتباهه لعدم وجود دين محدد في المدينة، فبها عشرات اللغات وعشرات المعتقدات، وينطلق عن قناعة بضرورة نشر دين جديد يدعو للحق والعدل وغيرها من القيم التي ربما افتقر إليها مجتمع المدينة كلما توغّل في المدنية. يبدأ «كال» دعوته من لقاءات بأشخاص عرفوا بالزهد والتصوف، حتى أن أحدهم كان نبياً وتخلى عن رسالته، بعد مناوشات وحروب وسفك دماء. وحين يناقشه «كال» يخبره أن الإنسان يموت ثم يحيا ثم يموت ثم يحيا إلى أن يجد الخلاص فيعيش في حياة أبدية كلها سعادة وهناء. وحين يلتقي «كال» مجموعة الزهاد يدخل في حوار مع كبيرهم الذي يسأله عن أسمى القيم؛ فيرد «كال» دون تفكير: «العدل»، فيخبره كبير الزهاد أنه لو كان العدل هو القيمة الأسمى لما خلق الله الدنيا، ويؤكد له «كال» أن العدل قد يغيب عن الدنيا لكن علينا أن نعيده. فيرد عليه الرجل: «لو أعدنا العدل قضينا على الدنيا»، ويستطرد شارحاً الأمر: «إن كل ما تراه حولك، كل زراعة وصناعة وتجارة، كل علم وفن وابتكار، كل ذلك ما كان لينهض من دون مظلمة بعد مظلمة»، مؤكداً في النهاية أن العالم يدور وفقاً للنظام لا العدل. لا يخلو السرد من مخاتلات تسحب القارئ تدريجياً لعوالم مختلفة وتتركه يتفحص جوهر هذه العوالم بكل ما تحتويه من سحر الأساطير وملاحة الأحلام وفداحة الواقع. ففي مملكة «رإدمان» التي قامت على أفكار القوة والوحدة والعلم والعدل، هناك خلل بدا واضحاً في بنيتها، يكشفه هذا الفتى الغريب الذي كاد يقسمها نصفين. تقدم رواية «النبي الصغير» واحداً من أكثر العوالم المتخيلة طموحاً في السرد العربي المعاصر، عالم تتقاطع فيه مصائر عشرات الشخصيات في لحظة فارقة، تكشف علاقاتهم المتشابكة عن أكثر رغبات البشر جموحاً، وفي هذه الشبكة المعقدة من العلاقات التي تتمسرح في قاعات العلم وساحات القضاء والأسواق والقصور والمعابد ومعسكرات الجند ومجالس السمر ومناجم الملح، تتداعى التساؤلات التي تشي باختلاط اليقين بالشك والحياة اليومية بالمصائر الكبرى. يستخدم الكاتب تقنيات تنتمي لفنون أخرى بخلاف فن الرواية إمعاناً في التجريب عبر ملحمته السردية. من بينها ما يسمى كسر الجدار الرابع، أو إزالة الحواجز بين العالم الفني والمتلقي، ليناقش القارئ في مسألة بداية الحكاية. كيف تتوالد الحكايات وتخرج الحكاية من رحم حكاية وكأننا في دائرة سحرية من الحكي الذي لا تتحدد بدايته أو نهايته، أو كأننا في «ألف ليلة وليلة» وحكاياتها الساحرة. يطمح «النبي الصغير» في النهاية لتكريس فكرة العدل التي لا تتحقق إلا بالحروب والمواجهات التي يخوضها أتباعه بقيادة «تايشي» القائد السابق لجماعة «العدالة الناجزة». ولكن هل يتحقق العدل؟ يظل السؤال مطروحاً في نهاية مفتوحة على نبي جديد آخر يتحدث عنه أحد الرواة، لتنتهي الرواية بطابعها الملحمي، وتداخل الأساطير والخيال مع الواقع والتاريخ.

المصدر: الشرق الأوسط