خبراء ومحللون: قدرات صنعاء العسكرية تفكك رهانات الرياض وتعيد رسم المشهد الإقليمي
ناصر جراده ... لم تعد العمليات العسكرية التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية في العمق السعودي مجرد ردود أفعال على استمرار العدوان والحصار، بل تحولت إلى نقطة تحول استراتيجية أعادت رسم الخريطة الجيوسياسية والعسكرية في المنطقة. فمن خلال فرض معادلات ردع صارمة، وفي مقدمتها معادلة ’’الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد’’، نجحت صنعاء في شل القدرات الحيوية للعدو السعودي واستهداف مفاصله الاقتصادية والعسكرية في عمق أراضيه. وفي سياق تصاعد عمليات الردع اليمنية وما تفرضه من تحولات في مسار المواجهة، أجرى موقع ’’الثورة نت’’ هذا الاستطلاع الصحفي مع نخبة من الخبراء والمحللين السياسيين والعسكريين والاقتصاديين، للوقوف على أبعاد هذه التطورات وانعكاساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. تفوق ميداني وتفكيك لخيارات العدوانفي القراءة العسكرية للمشهد، أكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد مجيب شمسان أن هذه العمليات تأتي في إطار سيناريو محكم رسمته القوات المسلحة اليمنية لمواجهة إصرار العدو السعودي على مواصلة عدوانه وحصاره، مشيرًا إلى أن كل مرحلة شهدت تحديد بنك أهداف يتصاعد في حساسيته وتأثيره. وأوضح العميد شمسان أن المسار الأساسي لهذه العمليات يكشف خطأ تقديرات الرياض التي راهنت على التحالفات والوهم، حيث تمكنت صنعاء من تفكيك كل تلك الخيارات وإجبار العدو على مواجهة حقيقته كطرف عاجز عن الاستمرار في ظل ارتفاع الكلفة وتراكم الخسائر. ويضيف: ’’إن التحشيدات التي رتب لها العدو على مدى سنوات، قامت القوات المسلحة بتفكيكها قبل أن تتحول إلى هجوم وشيك، فارضة شللًا عملياتيًا على تحركاته كافة’’. وعلى صعيد الداخل، يرى شمسان أن عمليات الرد تحولت إلى عامل مؤثر حدّ من قدرة العدو على استهداف الأعيان المدنية، عبر فرض معادلة رد عقابية تطال منشآته الحيوية والحساسة، وصولًا إلى فرض الحظر الجوي والحصار البحري. واختتم بالقول: ’’أظهرت هذه الضربات فشل المنظومات الدفاعية للعدو رغم تعدد طبقاتها، حيث وصلت الصواريخ والمسيرات اليمنية، ذات الدقة العالية والتأثير التدميري المضاعف، إلى أهدافها في عمق المملكة وعاصمتها الرياض، مفككة أوهام الدفاع الجوي ومحدثة شللًا كاملًا في مطاراته ومرافقه النفطية والعسكرية’’. رسائل جيوسياسية وتغيير لموازين التفاوضمن جانبه، تطرق المحلل السياسي الدكتور عارف العامري، منسق العلاقات والتواصل للأحزاب المناهضة للعدوان، إلى الأبعاد السياسية والجيوسياسية للعمليات، مؤكدًا أن صنعاء تبعث برسائل صارمة إلى النظام السعودي والأطراف الدولية المستفيدة من المنطقة. وبيّن العامري أن اليمن، بسيطرته على الممرات المائية الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب وباب المندب، يعيد هندسة المشهدين السياسي والاقتصادي، وقد أثبت قدرته على تأمين خطوط الملاحة الدولية دون الحاجة إلى ’’دولنة’’ المنطقة أو الاستعانة بشرعنة خارجية. وأضاف الدكتور العامري أن هذه القدرة اليمنية وضعت حدًا لمشاريع النظام السعودي اللوجستية، مثل ’’رؤية 2030’’ ومشروع ’’نيوم’’، مبينًا أن صنعاء باتت هي الممسكة بالقرار السيادي في الممرات المائية. وفي معرض نقده للمواقف الدولية، تساءل العامري عن الازدواجية والمواقف المدفوعة الأجر في مجلس الأمن والهيئات الدولية التي تتجاهل مجازر الكيان الصهيوني في غزة، بينما تسارع إلى إدانة ردع صنعاء المشروع. وأكد العامري أن التطورات العسكرية الأخيرة غيرت مسار التفاوض كليًا، مشددًا على أن صنعاء فرضت حقوقًا مشروعة للشعب اليمني لا تنازل عنها.. كما نوّه بـ’’الأخلاق العسكرية’’ للجيش اليمني، الذي يحذر مسبقًا من استهداف المواقع الاستراتيجية، بخلاف العدو الذي يستهدف المستشفيات والمدارس. ويرى أن خيارات الدول المعادية باتت ضيقة نتيجة إدراكها حجم القدرات اليمنية وتوسع بنك الأهداف، مما يحرم العدو من تصوير حالة الاستقرار الوهمية للداخل والخارج، ويفشل محاولاته لجذب الاستثمارات أو تنشيط السياحة التي تعطلت بفعل الحظر الجوي واضطراب حركة الملاحة. خسائر اقتصادية شلّت شريان النفط والسياحةأما على الصعيد الاقتصادي، أكد المحلل السياسي والاقتصادي رشيد الحداد أن استهداف منشآت شركة ’’أرامكو’’ ومصافي النفط في جيزان ورابغ وجدة والرياض انعكس مباشرة على أمن الشركة وإنتاجها، الذي تتجاوز قيمته 680 مليار دولار، ما أدى إلى تراجع ثقة المشترين الدوليين وقيمتها السوقية. وبين الحداد أن الضربات اليمنية أدت إلى تعطيل إنتاج أكثر من مليون برميل من المنتجات البترولية، وشلّت محطات الفصل وأنابيب الإمداد ومراكز التصدير، فضلًا عن منع مرور الصادرات النفطية جنوب البحر الأحمر. وأضاف: ’’تسببت هذه العمليات في ارتفاع قياسي لتكاليف الشحن والتأمين وتأخر المشروعات الاستثمارية، حيث يتكبد الاقتصاد السعودي خسائر يومية تُقدّر بنحو نصف مليار دولار كفاقد مبيعات لنحو 3 ملايين برميل نفط خام، ومليون برميل منتجات بترولية، و296 ألف طن من الغاز’’. وأوضح الحداد أن الحظر الجوي واستهداف مطارات رئيسية، مثل مطار الملك خالد بالرياض ومطارات جدة والدمام وأبها وجيزان ونجران، أجبر العديد من شركات الطيران العالمية على إيقاف رحلاتها وإلغاء ما يقارب 50% من الحركة الجوية، مما ضرب قطاع السياحة والفعاليات في العمق. واختتم بالإشارة إلى أن التحذيرات العسكرية الصريحة دعت المستثمرين إلى سحب أسهمهم من ’’أرامكو’’، مؤكدًا أن بيئة الاستثمار في المملكة أصبحت غير آمنة، وأن المؤشرات المشتعلة تؤكد وقوع عجز مالي هائل لا يمكن التغطية عليه عبر الماكينات الإعلامية. اليمن يفرض قواعد اللعبةتؤكد المعطيات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي طرحها الخبراء أن اليمن لم يعد مجرد رقم صعب في المعادلة الإقليمية، بل بات الطرف الأصيل الذي يفرض قواعد اللعبة ويرسم حدود المواجهة. إن النجاح في الانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة ’’الردع الاستراتيجي والشلل المالي والعسكري للعدو’’ يحمل دلالة واحدة مفادها أن المساس بسيادة اليمن واستمرار العدوان والحصار لن يجلبا للنظام السعودي وحلفائه سوى المزيد من الانكسارات والخسائر التي تتجاوز قدرتهم على الاحتمال.
المصدر: 26 سبتمبر