“حسني بي”: إصلاح الاقتصاد الليبي يبدأ من جذور الخلل لا من أعراضه.. الأرقام أولاً بعيداً عن العواطف
“حسني بي” مقالاً قال خلاله: الاقتصاد لا ينتظر القرار السياسي، ولا يخضع للرغبات أو القرارات الإدارية. تحكمه قواعد العرض والطلب، والإيرادات والإنفاق، والإنتاج والتمويل. ومهما اختلفنا حول دقة الأرقام، تبقى العبرة بالآليات والقواعد الاقتصادية، لا بالشعارات والشعبويات. أولاً: لنتوقف عن معالجة الأعراض ونواجه الأسباب. السرقات، والمضاربة، والفجوة بين سعري الصرف، وارتفاع الطلب على الدولار، والسوق الموازية، وتهريب المحروقات، جميعها أعراض واختلالات يغذيها النموذج الاقتصادي القائم. مكافحتها ضرورية، لكنها لن تعالج جذور الأزمة ما لم تتغير الحوافز التي تنتجها. وفق تقديراتي، تجاوز الإنفاق العام الليبي خلال عام 2025 نحو 270 مليار دينار، موزعة على النحو التالي: التنمية وما في حكمها، بما فيها الإنفاق الموازي 54 هذه تقديرات تستوجب المطابقة مع الحسابات الفعلية، لكنها تكشف بوضوح حجم المشكلة وأولويات الإصلاح. فالمحروقات وحدها تمثل 40% من الإنفاق، والمرتبات 28%، والتنمية وما في حكمها 20%. أي إن هذه البنود الثلاثة تستحوذ على نحو 88% من إجمالي الإنفاق العام. فهل يعقل أن ننشغل بالمضاربين ونتجاهل بنية الإنفاق التي تولّد الطلب على الدولار وتموّل الاختلالات؟ ثالثاً: قوة الدينار لا تُقاس بحجم الاحتياطيات وحدها. لا توجد علاقة مباشرة أو آلية تضمن قوة الدينار لمجرد امتلاك احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي. فالاحتياطيات توفر قدرة على التدخل والدفاع عن العملة، لكنها لا تعوض الاختلال المالي والنقدي المستمر. تتحدد استدامة قيمة الدينار بالدرجة الأولى من خلال حجم الإيرادات العامة، وحجم الإنفاق العام، وكيفية تمويل العجز، ونمو الكتلة النقدية، والطلب الحقيقي على النقد الأجنبي. وفي اقتصاد تعتمد إيراداته العامة بنسبة تقارب 93% على النفط والغاز المقومين بالدولار، بينما تُدفع معظم النفقات بالدينار، يصبح سعر تحويل الإيرادات الدولارية إلى الدينار متغيراً حاسماً في التوازن المالي. ولهذا فإن تصحيح سعر الصرف، عندما يكون مبالغاً في تقييم الدينار، يمثل أداة أساسية لاستعادة التوازن، لكنه ليس بديلاً عن ضبط الإنفاق والإصلاح الهيكلي. لا يكفي النظر إلى الموازنة المعلنة. يجب إعداد حساب مالي ونقدي موحد يطابق الإيرادات النفطية وغير النفطية، وتدفقات النقد الأجنبي، والتغير في الاحتياطيات، ونمو القاعدة النقدية، والالتزامات والتمويل خارج الموازنة، مع منع ازدواج احتساب التدفقات بين الخزانة والمصرف المركزي. بهذه المطابقة يمكن كشف الإنفاق الفعلي ومصادر تمويله، بدلاً من الاكتفاء بالأرقام الإدارية المعلنة. المحروقات والطاقة (108 مليارات دينار): إصلاح منظومة الدعم والتوريد والتوزيع، واستبدال الدعم السلعي تدريجياً بتعويض نقدي مباشر وعادل للمواطن، مع وقف الهدر والتهريب. المرتبات (76 مليار دينار): ضبط التوظيف والازدواج الوظيفي، وربط الأجور بالإنتاجية والخدمة الفعلية، دون المساس التعسفي بحقوق العاملين. التنمية والإنفاق الموازي (54 مليار دينار): إخضاع جميع الالتزامات لخزينة موحدة، وربط الصرف بمشروعات قابلة للقياس والعائد الاقتصادي، ومنع الإنفاق خارج الرقابة. سعر الصرف والتمويل: اعتماد سعر صرف أقرب إلى التوازن الاقتصادي، وتوحيد سوق النقد الأجنبي، ووقف التمويل النقدي غير المنضبط للعجز، مع حماية الفئات محدودة الدخل. ليبيا لا تعاني أساساً من نقص الموارد، بل من خلل في إدارة الموارد وتوزيعها وتسعيرها وتمويل الإنفاق العام. لا يمكن الدفاع عن دينار قوي إدارياً في ظل إنفاق غير منضبط، ولا يمكن القضاء على السوق الموازية بقرارات المنع، ولا على التهريب بالعقوبات وحدها ما دامت الفجوات السعرية تخلق أرباحاً استثنائية. الإصلاح يبدأ من أكبر بنود الإنفاق، ومن تصحيح سعر الصرف والحوافز الاقتصادية، لا من مطاردة النتائج وتجاهل الأسباب. فالاقتصاد لا يجامل الحكومات، ولا يحترم الشعارات، ولا ينتظر التوافق السياسي. إما أن نحترم قواعده، أو نستمر في دفع تكلفة تجاهلها من قيمة الدينار والقوة الشرائية ومستقبل الأجيال.
المصدر: ليبيا أخبار