شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

تعدين الذهب العشوائي يُهدد ولايات الشمال بالانهيار البيئي والصحي

تعدين الذهب العشوائي يُهدد ولايات الشمال بالانهيار البيئي والصحي

أبو حمد 19 أكتوبر 2026 – بينما تشتعل جبهات القتال في عدد من الأقاليم، دفع جحيم الحرب مئات الآلاف من السودانيين نحو الولايات الشمالية والشرقية والوسطى التي وُصفت بـ”ملاذات الأمان”. لكن هذه الولايات، وعلى رأسها نهر النيل والشمالية، لم تكن بمعزل عن الكارثة، إذ تحولت إلى مسرح مفتوح ومستباح لـ”اقتصاد الموت”، متمثلاً في طفرة غير مسبوقة للتعدين العشوائي عن الذهب. وتحيط بهذه الولايات كارثة بيئية وصحية ناجمة عن استخدام مواد كيميائية قاتلة كالسيانيد والزئبق في عمليات التنقيب التقليدي. وتؤكد الإحصائيات الصادرة عن وزارة المعادن والجهات الإشرافية الرسمية — الشركة السودانية للموارد المعدنية — أن قطاع التعدين الأهلي والتقليدي يمثل العمود الفقري لإنتاج الذهب في السودان. وتشير التقارير الرسمية، ومن بينها تقارير الأداء للعام والأعوام السابقة التي وثقت إنتاجاً تاريخياً تخطى عشرات الأطنان من المعدن النفيس سنوياً، إلى تصدير أكثر من 58% من إجمالي صادرات البلاد بعائدات تجاوزت المليار ونصف المليار دولار، فيما تشير تقارير مختلفة إلى أن أكثر من 80% من إنتاج الذهب في السودان يأتي عبر التعدين الأهلي. وهذا النشاط الواسع يُدار في الغالب عبر عشوائية مفرطة، حيث تشير بيانات مختلفة إلى وجود أكثر من مليونَي شخص يعملون بشكل مباشر في التنقيب عن الذهب (“الدهابة”) والتعدين التقليدي. كما تشير تقديرات أخرى إلى ارتفاع الرقم إلى نحو 5 ملايين مواطن إذا أُضيفت المهن المصاحبة. وفي ظل غياب سلطة الرقابة الصارمة، وتكدس ملايين الأطنان من مخلفات التعدين (“الكرتة”) المشبعة بمئات الأطنان من مادة الزئبق وآلاف الأطنان من مادة السيانيد السامة بالقرب من التجمعات السكانية ومجاري المياه، باتت البيئة في ولايتَي نهر النيل والشمالية تواجه قنبلة موقوتة تهدد الحياة البرية والبشرية على حد سواء. وأظهرت متابعات ومعلومات لـ”سودان تربيون” انتشار مراكز معالجة مخلفات التعدين المعروفة محلياً بـ”الكرتة” في مناطق العبيدية وأبو حمد ومحيط نهر النيل والوديان الجافة. كما أوضحت المتابعات استخدام أحواض الغسيل والترشيح المفتوحة، والمشبعة بمواد السيانيد والحلزونات الكيميائية، على مرمى حجر من مزارع النخيل ومصادر المياه الجوفية. وأشارت تقارير بيئية إلى أن مياه الأمطار والسيول الموسمية تعمل أحياناً على جرف هذه الأحواض المكشوفة نحو المجاري المائية، ما أدى خلال الفترات الماضية إلى تسجيل حالات تسمم جماعي ونفوق للماشية وتسمم للتربة الزراعية في عدة قرى بنهر النيل. وأظهرت تقارير التحاليل المختبرية للعينات المأخوذة من (القرية 3) مؤشرات بالغة الأهمية تتعلق بتركيزات عنصر الزئبق (Hg) ومستوياته المرصودة في بيئة التربة والمياه. وتكشف التحاليل المختبرية الشاملة للعينات المسحوبة من المنطقة، والتي حصلت عليها “سودان تربيون”، عن تباين واسع ومؤشرات بالغة الخطورة تتعلق بتوزيع المركبات الكيميائية ومستويات التلوث البيئي بين قطاعَي التربة والمياه. وأظهرت عينات التربة تركيزات هائلة تتجاوز بأضعاف المعدلات الطبيعية الآمنة، حيث سجلت إحدى العينات الترابية قمة قياسية بلغت نحو 2825.24 عند درجة حموضة معتدلة (7.77)، تليها عينة تربة أخرى بقيمة 1055.08 عند درجة حموضة (8.34)، وعينة تربة عميقة بلغت 866.33 مع قلوية مرتفعة وصلت إلى (8.89)، فضلاً عن رصد قراءات مستقرة عند 623.08 في قطاعات متعددة من التربة الطينية السطحية والعميقة. وفي المقابل، سجلت العينات المائية التي شملت مصادر حيوية للاستخدام بشقَيه الآدمي والحيواني — مثل مياه الأزيار، وأحواض شرب المواشي، وترعة “كحيلة” الرئيسية — تباين في درجات الحموضة (pH) تراوح بين الحمضية الخفيفة عند (5.36) و(6.03) والقلوية حتى (8.57). وفي حين أظهرت أغلب العينات المائية انخفاضاً أو مستويات غير محسوسة (ND) مقارنة بالتربة. وعند إسقاط هذه النتائج على المعايير القياسية الدولية المعتمدة من وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، تحدد المنظمة والـ (EPA) الحد الأقصى المسموح به لعنصر الزئبق والمواد غير العضوية الخطرة في مياه الشرب والموارد المائية بـ 0.002 ملغ/لتر (أو ما يعادل 2 جزء في البليون)، وهو ما يفرض ضرورة فحص مدى تسرب هذه التراكيز العالية الموجودة في التربة إلى المياه الجوفية والسطحية للترعة الرئيسية. وفي قطاع التربة، تشير المعايير البيئية الناظمة لسلامة الأراضي إلى أن القيم المرصودة للتربة في المنطقة (والتي تتجاوز مئات وألوف الوحدات في بعض الأكواد) تمثل تجاوزاً صارخاً للحدود الآمنة لملوثات التربة، مما ينذر بمخاطر بيئية جسيمة تهدد سلامة الغطاء النباتي، والإنتاج الزراعي، والصحة العامة للمجتمع المحلي على المدى المتوسط والبعيد في نهر النيل. وتشير دراسات ميدانية سابقة أجراها باحثون من جامعة النيلين، والجمعية السودانية لحماية البيئة، والمجلس الأعلى للبيئة، إلى كارثة بيئية محققة في القرى الواقعة شمال مدينة عطبرة وجنوب بربر. وأثبتت الدراسات والتحاليل المختبرية المستويات العالية والمرعبة لمحتوى الزئبق في تربة المزارع، والتي تحول العديد منها بفعل الإهمال وسوء الإدارة إلى مكبات واسعة للكرتة والمخلفات السامة الملوثة بالزئبق. وأظهرت النتائج الإحصائية الدقيقة للفحوصات المخبرية لهذه الدراسات أن نسبة بلغت 20% من عينات مياه الشرب العشوائية تحتوي على عنصري الزئبق والسيانيد بنسب متفاوتة. والأكثر خطورة هو ثبوت احتواء عينتين من أصل سبع عينات مأخوذة من المواطنين، إضافة إلى عينة من أصل أربع عشرة عينة دم، على نسب عالية ومرعبة من الزئبق، كان معظمها مأخوذاً من أطفال صغار تتراوح أعمارهم بين 4 و11 سنة. ويقول عثمان محمد — معدّن من منطقة العبيدية بولاية نهر النيل — إنهم يعملون في ظروف قاسية للغاية، والهدف هو البحث عن لقمة العيش بعد أن اضطرتهم ظروف الحرب للنزوح وفقدان أعمالهم الأصلية والعمل في التنقيب. وذكر عثمان في حديث لـ”سودان تربيون” أنهم يستخدمون أحواض السيانيد وخلاطات الزئبق لفصل الذهب عن الحجر الخام لأنها الطريقة الوحيدة السريعة المتاحة لضمان عائد مالي. ويضيف: “نعلم أن هذه المواد خطيرة ومحرمة بيئياً، لكننا لا نملك بدائل”. في المقابل، يذكر أحمد الطيب — معدّن وبائع مستلزمات تعدين في سوق أبو حمد — أن السوق يشهد فوضى عارمة، فمع نزوح آلاف المواطنين من ولايات أخرى، زاد الإقبال على العمل في التعدين العشوائي بشكل جنوني. وأكد الطيب لـ”سودان تربيون” أن أحواض الاستخلاص تُحفر بطريقة بدائية ودون عوازل بلاستيكية مطابقة للمواصفات، مما يترتب عليه تسرب السوائل الكيميائية مباشرة إلى باطن الأرض والمياه الجوفية التي يشرب منها الأهالي. ونوه بتزايد حالات الإصابة بأمراض صدرية غامضة وحساسية جلدية حادة بين العاملين الجدد والسكان المحليين القريبين من مواقع الخلاطات في الآونة الأخيرة. وفي السياق، يؤكد أحد سكان مدينة أبو حمد، بابكر عبد الرحيم، وهو مالك مزرعة قريبة من مواقع الخلاطات، غياب الحكومة والجهات الرقابية تماماً عن ضبط الخلاطات العشوائية التي تنتشر ليلاً ونهاراً. وقال عبد الرحيم لـ”سودان تربيون” إن بعض أصحاب المصانع يهربون من الرسوم والاشتراطات البيئية عبر إنشاء خلاطات أهلية في مناطق بعيدة عن الأعين، ويستخدمون كميات كبيرة من السيانيد والزئبق دون أي إكتراث بأرواح البشر. ورأى في الوقت نفسه أن النيل والمياه الجوفية يتعرضان لتسمم بطيء وصامت، مضيفاً: “إذا لم تتحرك الدولة لتقنين هذه الأنشطة وفرض عقوبات رادعة، فسنجد أنفسنا أمام كارثة صحية لا تبقي ولا تذر.” في المقابل، أكد مصدر مسؤول في الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة لـ”سودان تربيون”، أن الشركة تواجه تحديات بالغة التعقيد في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وأوضح المصدر أن الشركة لم تتوانَ يوماً عن وضع اشتراطات صارمة للسلامة البيئية، وفرض حظر قاطع على استخدام المواد الكيميائية المحظورة مثل الزئبق والسيانيد خارج المصانع المرخصة التي تطابق المواصفات الهندسية الدقيقة. وأقر بأنه على الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الإدارات الفنية والرقابية للحد من التعدين العشوائي، إلا أن اتساع المساحات الجغرافية في ولايات مثل نهر النيل والشمالية، وتدفق مئات الآلاف من الباحثين عن عمل بسبب الحرب، أدى إلى ظهور أسواق ومخلفات عشوائية خارجة عن السيطرة الرسمية. وأكد وجود تنسيق مع حكومات الولاية والأجهزة الأمنية لتنفيذ حملات تفتيش دورية وضبط المخالفين وإزالة الخلاطات العشوائية، إلى جانب إطلاق برامج توعوية مستمرة لرفع الوعي المجتمعي بمخاطر التعدين الجائر، مع الالتزام بتطوير مشاريع المسؤولية المجتمعية لحماية مصادر المياه والبيئة السكانية قدر الإمكان.

المصدر: سودان تربيون