قانون المالية 2027
مشروع قانون المالية 2027 بالمغرب: بين استمرارية الدولة وتحول الحكومة ورهانات العدالة والمجالية
لم يكن انعقاد المجلس الوزاري، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، برئاسة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، حدثا مؤسساتيا عاديا في المسار السنوي لإعداد مشروع قانون المالية، بقدر ما شكل محطة ذات دلالات دستورية وسياسية واقتصادية عميقة، بالنظر إلى خصوصية الظرفية التي يمر منها المغرب، والمتمثلة في تشكيل حكومة جديدة، وتزايد الانتظارات الاجتماعية، وتصاعد التحديات الاقتصادية الدولية، واقتراب موعد إيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام البرلمان.
فالمغرب اليوم لا يقف فقط أمام إعداد ميزانية لسنة مالية جديدة، وإنما أمام اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على التوفيق بين استمرارية الدولة وتجدد المسؤولية الحكومية، وبين الطموحات الاجتماعية والإمكانات المالية، وبين ضرورات النمو الاقتصادي ومتطلبات العدالة المجالية.
وإذا كانت قوانين المالية تشكل، في ظاهرها، وثائق قانونية تحدد الموارد والتكاليف العمومية، فإنها في جوهرها تعكس فلسفة الدولة في توزيع الثروة، وترتيب الأولويات، وتحديد طبيعة العلاقة بين السلطة العمومية والمجتمع. ولذلك فإن القراءة المتأنية لمشروع قانون المالية لسنة 2027 تقتضي تجاوز الأرقام والمؤشرات نحو مساءلة الاختيارات التي تقف وراءها، والبحث في مدى قدرتها على الاستجابة للتحولات التي يعرفها المغرب.
إن السؤال الذي تفرضه هذه المرحلة ليس فقط ماذا يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، بل أي مغرب اقتصادي واجتماعي تسعى هذه الميزانية إلى بنائه؟
أولا:من الرسالة التأطيرية إلى المجلس الوزاري: استمرارية الدولة في مواجهة الزمن السياسي
تكتسي المذكرة التوجيهية لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة، باعتبارها صدرت خلال شهر غشت 2026 في عهد الحكومة السابقة، وحددت الإطار العام الذي ينبغي أن تستند إليه القطاعات الوزارية في إعداد مقترحاتها المالية.
وقد ركزت هذه المذكرة على توطيد المكتسبات الاقتصادية، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، واستكمال بناء الدولة الاجتماعية، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية مع المحافظة على توازنات المالية العمومية.
كما استندت إلى فرضيات اقتصادية، من بينها توقع تحقيق نمو بنسبة 4.1 في المائة خلال سنة 2027، والتحكم في عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مع الحرص على ترشيد النفقات العمومية وتوجيه الموارد نحو الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم 16 أكتوبر 2026، أدخل عنصراً سياسياً جديداً على هذا المسار، خاصة أن الحكومة وجدت نفسها أمام مشروع مالي جرى التحضير له قبل توليها المسؤولية.
وهنا يبرز سؤال دستوري وسياسي يستحق التوقف عنده: إلى أي حد تستطيع حكومة جديدة أن تمنح مشروع قانون المالية هويتها السياسية الخاصة، وهي تتسلم وثيقة تحددت توجهاتها التحضيرية في ظل حكومة سابقة؟
من الناحية القانونية، لا يمكن اعتبار المذكرة التأطيرية وثيقة ملزمة للحكومة الجديدة بالمعنى الذي يجعل اختياراتها غير قابلة للمراجعة. فهي أداة لتوجيه إعداد المشروع، وليست قانوناً صادراً عن السلطة التشريعية. لكن مراجعة تلك الاختيارات تظل محكومة بإكراهات الزمن المالي، وبضرورة احترام الآجال المحددة في القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية.
وتكشف هذه الوضعية عن إحدى الخصائص الأساسية للمالية العمومية، والمتمثلة في كونها مجالاً تتقاطع فيه الاستمرارية المؤسساتية مع المسؤولية السياسية.
فالدولة لا تتوقف بتغير الحكومات، والالتزامات المالية لا ينبغي أن تصبح رهينة للتحولات الانتخابية، غير أن ذلك لا يعني تجريد الحكومة الجديدة من حقها في تحديد أولوياتها وتحمل مسؤوليتها عن الاختيارات التي ستعرضها على البرلمان.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين استمرارية السياسات الاستراتيجية للدولة وإمكانية تجديد أدوات تنفيذها وفق المسؤولية الحكومية الجديدة.
ثانيا:المجلس الوزاري وإعادة تأكيد البعد الاستراتيجي للقرار المالي
شكل المجلس الوزاري المنعقد في 17 أكتوبر 2026 محطة حاسمة في بلورة التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، حيث قدم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، عرضاً حول الخطوط العريضة للمشروع، وذلك طبقاً لأحكام الفصل 49 من الدستور.
وقد تمحورت التوجهات المعلنة حول خمس أولويات كبرى، تتعلق باستعادة القدرة الشرائية وتوطيد الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتسريع التنمية الترابية، وتعزيز السيادة الاستراتيجية، وتقوية الاقتصاد والاستثمار مع الحفاظ على التوازنات المالية.
وتعكس هذه الأولويات استمرارية التوجهات الاستراتيجية الكبرى للمملكة، وفي مقدمتها بناء الدولة الاجتماعية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
لكن أهمية المجلس الوزاري تتجاوز تحديد هذه الأولويات إلى تأكيد الطبيعة الدستورية المركبة لصناعة القرار المالي بالمغرب.
فالمؤسسة الملكية تضطلع بدور محوري في تحديد التوجهات الاستراتيجية الكبرى، بينما تتحمل الحكومة مسؤولية إعداد مشروع قانون المالية وتنفيذه، ويتولى البرلمان ممارسة اختصاصاته في المناقشة والتصويت والمراقبة.
وهذا التوزيع للاختصاصات يجعل من قانون المالية مجالاً لتكامل الأدوار الدستورية، وليس مجرد اختصاص تقني محصور في وزارة الاقتصاد والمالية.
غير أن المصادقة على التوجهات العامة لا تعني المصادقة النهائية على قانون المالية، إذ يظل المشروع مطالباً باستكمال مساره التشريعي، بما يتيحه ذلك من نقاش عمومي وبرلماني حول طبيعة الاختيارات المالية وجدواها الاقتصادية والاجتماعية.
ثالثا:الدولة الاجتماعية: من منطق توسيع الإنفاق إلى ضرورة قياس الأثر
تحتل القدرة الشرائية وتعزيز أسس الدولة الاجتماعية موقعاً متقدماً ضمن التوجهات المعلنة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، وهو اختيار يجد تفسيره في حجم الانتظارات الاجتماعية المرتبطة بتكاليف المعيشة، وجودة الخدمات العمومية، وتوفير شروط العيش الكريم.
فالمواطن المغربي لا ينظر إلى الميزانية من خلال المؤشرات الاقتصادية المجردة، وإنما من خلال أثرها المباشر على حياته اليومية. وقد لا تعني له نسبة النمو الاقتصادي الكثير إذا لم تنعكس على دخله، أو إذا ظل يواجه صعوبات في الولوج إلى العلاج والتعليم والسكن.
ومن هذه الزاوية، فإن التوجه نحو إصلاح الأسواق والأسعار، ورفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة تعميم التغطية الصحية، وتأهيل المنظومتين العموميتين للصحة والتعليم، يمثل امتداداً لورش بناء الدولة الاجتماعية.
غير أن التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بتوفير الموارد المالية لهذه الأوراش، بل بمدى قدرتها على إنتاج نتائج ملموسة.
فقد ترتفع الاعتمادات المخصصة لقطاع الصحة دون أن يتراجع زمن انتظار المرضى، وقد تتوسع ميزانية التعليم دون أن تتحسن جودة التعلمات، وقد تتزايد التحويلات الاجتماعية دون أن يتحقق الإدماج الاقتصادي المستدام للفئات المستفيدة.
ولذلك، فإن الإصلاح الحقيقي يقتضي الانتقال من قياس حجم الإنفاق العمومي إلى تقييم أثره الاجتماعي.
فالمعيار الذي ينبغي اعتماده ليس فقط عدد المليارات المرصودة، وإنما عدد المواطنين الذين تحسنت ظروفهم بفضل تلك المليارات.
إن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن تختزل في دولة توزع المساعدات، بل يجب أن تكون دولة تضمن الحقوق الأساسية، وتخلق الفرص، وتساعد الأفراد على الانتقال من وضعية الهشاشة إلى الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
وهنا تكمن أهمية الربط بين الحماية الاجتماعية وسياسات التشغيل والتعليم والاستثمار، حتى لا تتحول البرامج الاجتماعية إلى تدخلات متفرقة تستهلك الموارد دون معالجة الأسباب البنيوية للفوارق.
رابعا:الشباب والتشغيل: نحو تجاوز المقاربة الظرفية للبطالة
من بين الإشارات المهمة التي حملتها التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 إعطاء أولوية خاصة لإدماج الشباب في الحياة الاقتصادية، من خلال التوجه نحو برنامج وطني مندمج يمتد من سنة 2027 إلى سنة 2031.
ويكتسي هذا الاختيار أهمية بالغة بالنظر إلى أن إشكالية الشباب لا ترتبط فقط بمحدودية فرص الشغل، وإنما تتداخل فيها اختلالات التكوين، وضعف الملاءمة بين مخرجات التعليم وحاجيات الاقتصاد، وصعوبات الولوج إلى التمويل والأسواق، والتفاوتات المجالية.
ولذلك، فإن معالجة بطالة الشباب تقتضي تجاوز البرامج الظرفية نحو بناء سياسة عمومية مندمجة تربط بين التعليم والتكوين والاستثمار والمقاولة والابتكار.
كما ينبغي أن تحتل الجامعة المغربية مكانة مركزية في هذه المقاربة، باعتبارها مؤسسة لإنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات، وليس مجرد فضاء للحصول على الشهادات.
إن إدماج الشباب في الاقتصاد الوطني لا يتحقق فقط بإحداث مناصب شغل محدودة، وإنما يتطلب بناء منظومة اقتصادية قادرة على إنتاج فرص مستدامة، وتشجيع المبادرة الخاصة، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتثمين الكفاءات الوطنية.
ومن ثم، فإن نجاح البرنامج المنتظر ينبغي أن يقاس بقدرته على إحداث تحول فعلي في المسارات المهنية للشباب، لا بمجرد عدد المستفيدين من التكوين أو المواكبة.
خامسا: العدالة المجالية: حين تصبح الجغرافيا معياراً للإنصاف المالي
إذا كانت الدولة الاجتماعية تمثل أحد العناوين الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027، فإن العدالة المجالية تشكل أحد أكثر رهاناته حساسية.
فالتفاوتات الترابية لا تزال من أبرز التحديات التي تواجه التنمية بالمغرب، حيث تختلف فرص الولوج إلى الخدمات الأساسية والبنيات التحتية والاستثمار بين المجالات الحضرية والقروية، وبين الجهات ذات الدينامية الاقتصادية القوية والمجالات التي تعاني محدودية الموارد.
وفي هذا السياق، يكتسي الإعلان عن تخصيص 25 مليار درهم لتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة دلالة مهمة، باعتباره يعكس توجهاً نحو جعل المجال الترابي في صلب الاختيارات المالية والتنموية.
غير أن فعالية هذا التوجه تظل مرتبطة بطريقة توزيع الموارد، ومدى مراعاة الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل مجال ترابي.
فالعدالة المجالية لا تعني توزيع الاعتمادات بالتساوي بين الجهات والجماعات، وإنما تقتضي توزيعها وفق الحاجيات الفعلية وحجم الخصاص ومستوى الهشاشة والقدرة على تحقيق الأثر التنموي.
ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من منطق التوزيع الإداري للاعتمادات إلى منطق الإنصاف المالي الترابي.
وهذا التحول يستدعي إعادة النظر في العلاقة المالية بين الدولة والجماعات الترابية، وتعزيز الموارد الذاتية لهذه الأخيرة، وتطوير آليات التضامن والتعاون بين المجالات، وتسريع نقل الاختصاصات والوسائل في إطار الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
كما يقتضي إصلاح منظومة الجبايات المحلية بما يسمح بتوسيع الموارد وتحقيق قدر أكبر من العدالة في تحمل الأعباء العمومية.
إن التنمية الترابية لا يمكن أن تتحقق بميزانيات مركزية وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات ترابية قوية، تتمتع باختصاصات واضحة وموارد كافية وقدرات تدبيرية مؤهلة.
والرهان هنا لا يتعلق فقط بتقليص الفوارق بين الجهات، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمجال الذي يعيش فيه، حتى تصبح التنمية حقاً ملموساً لا امتيازاً تحدده الجغرافيا.
سادسا:السيادة الاقتصادية: تحول جديد في وظائف المالية العمومية
تكتسب الأولويات المرتبطة بالسيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية أهمية متزايدة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
فالتوترات الجيوسياسية، واضطراب سلاسل التوريد، وتزايد المنافسة على الطاقة والتكنولوجيا والتمويل، جعلت من الأمن الاقتصادي أحد المحددات الأساسية للسياسات العمومية.
ولم تعد السيادة تقاس فقط بالقدرة على اتخاذ القرار السياسي، وإنما أصبحت ترتبط أيضاً بقدرة الدولة على تأمين حاجياتها الاستراتيجية وتقليص تبعيتها الخارجية.
ومن هذه الزاوية، فإن الاستثمار في الماء والطاقة والأمن الغذائي والتحول الرقمي لم يعد مجرد خيار قطاعي، بل أصبح جزءاً من هندسة الأمن الاقتصادي الوطني.
فالاستثمار في البنيات التحتية المائية، مثلاً، لا ينبغي النظر إليه باعتباره إنفاقاً تقنياً معزولاً، وإنما باعتباره استثماراً في استدامة النشاط الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
والأمر نفسه ينطبق على الطاقات المتجددة والابتكار التكنولوجي، حيث يمكن للاستثمار العمومي الموجه بعناية أن يساهم في تعزيز التنافسية الاقتصادية وخلق فرص جديدة للنمو.
لكن هذه الخيارات تطرح بدورها تحديات تمويلية مهمة، بالنظر إلى كلفة المشاريع الاستراتيجية وطول آجال استرداد عوائدها.
ولذلك فإن السيادة الاقتصادية تتطلب سياسة مالية تجمع بين التخطيط بعيد المدى، وتنويع مصادر التمويل، وتحسين حكامة الاستثمار العمومي، وتطوير الشراكات مع القطاع الخاص.
سابعا: العدالة الجبائية واستدامة المالية العمومية: الوجه الآخر للدولة الاجتماعية
لا يمكن الحديث عن توسيع الحماية الاجتماعية، وتعزيز الاستثمار العمومي، وتمويل التنمية الترابية، دون طرح السؤال المرتبط بمصادر التمويل.
فكل سياسة عمومية تحتاج إلى موارد، وكل توسع في الالتزامات الاجتماعية يفرض التفكير في مدى استدامة تلك الموارد.
وقد أبرزت التوجهات المقدمة أمام المجلس الوزاري توقع تحقيق الاقتصاد الوطني نمواً في حدود 4.7 في المائة عند نهاية سنة 2026، مع احتواء التضخم في حدود 0.7 في المائة، وتوقع تقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام. وهي توقعات ينبغي التمييز بينها وبين النتائج النهائية المحققة.
غير أن المحافظة على التوازنات المالية لا ينبغي أن تتحول إلى غاية مستقلة عن الأهداف الاجتماعية والتنموية.
فالتوازن المالي الحقيقي لا يتحقق فقط بتقليص النفقات أو ضبط العجز، وإنما أيضاً بتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد وتحسين مردودية الإنفاق العمومي.
وهنا تبرز أهمية السياسة الجبائية باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لتحقيق التوازن بين تمويل الدولة والعدالة الاجتماعية.
فالضريبة ليست مجرد وسيلة لتحصيل الموارد، بل هي آلية لإعادة توزيع الثروة، وتوجيه الاستثمار، وتصحيح بعض الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن ثم، فإن مواصلة الإصلاح الجبائي ينبغي أن تتجه نحو توسيع الوعاء الضريبي، وتعزيز المساواة أمام الأعباء العامة، ومحاربة الغش والتهرب الضريبيين، وتبسيط المساطر، وتحسين العلاقة بين الإدارة الجبائية والملزم.
كما ينبغي أن يظل تحفيز الاستثمار المنتج والمقاولات الصغيرة والمتوسطة جزءاً من فلسفة السياسة الضريبية، بما يضمن عدم تحول البحث عن موارد إضافية إلى عامل يحد من المبادرة الاقتصادية.
إن العدالة الجبائية ليست نقيضاً للنجاعة الاقتصادية، بل يمكن أن تكون أحد شروط تحقيقها، عندما تقوم على قواعد واضحة ومستقرة ومنصفة.
ومن هنا، فإن مشروع قانون المالية لسنة 2027 سيكون مطالباً بإيجاد توازن دقيق بين توسيع الموارد الجبائية، والحفاظ على القدرة الشرائية، وتشجيع الاستثمار، وضمان استدامة تمويل الدولة الاجتماعية.
ثامنا: البرلمان أمام مسؤولية الانتقال من مناقشة الأرقام إلى مساءلة النتائج
تكتمل أهمية مشروع قانون المالية داخل المؤسسة التشريعية، باعتبارها الفضاء الدستوري الذي تناقش فيه الاختيارات المالية وتخضع للمساءلة السياسية.
ويحدد القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية آجالاً وإجراءات دقيقة لإعداد المشروع وإيداعه ومناقشته، حيث يتعين إيداعه بالأسبقية لدى مجلس النواب في أجل أقصاه 20 أكتوبر.
وتكتسي هذه المرحلة خصوصية إضافية بالنظر إلى تزامنها مع بداية عمل الحكومة الجديدة، وهو ما يجعل النقاش البرلماني مناسبة لاختبار مدى انسجام المشروع المالي مع التوجهات السياسية والاقتصادية التي ستعلنها الحكومة.
غير أن النقاش البرلماني المطلوب ينبغي أن يتجاوز السجال السياسي الظرفي نحو مساءلة حقيقية لنجاعة السياسات العمومية.
فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بحجم الاعتمادات المخصصة لكل قطاع، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق الأهداف المعلنة.
وهذا يقتضي تعزيز دور البرلمان في تتبع تنفيذ الميزانية، وتقييم البرامج العمومية، ومراقبة النتائج، والاستفادة من التقارير الرقابية الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات وباقي المؤسسات المختصة.
كما يستدعي تطوير ثقافة المسؤولية المالية، بحيث لا ينتهي دور المؤسسات عند الترخيص بالإنفاق، بل يمتد إلى مساءلة المسؤولين عن كيفية استعمال الموارد العمومية والنتائج المترتبة عنها.
إن الانتقال من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج يظل أحد الرهانات الجوهرية لتحديث المالية العمومية بالمغرب، وهو انتقال لا يمكن تحقيقه بالنصوص القانونية وحدها، بل يحتاج إلى ممارسة مؤسساتية قائمة على الشفافية والتقييم والمحاسبة.
تاسعا: من قانون مالية سنوي إلى تعاقد جديد حول النجاعة العمومية
إن القراءة المتكاملة للتوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027 تكشف أن المغرب يوجد أمام لحظة تتجاوز الإعداد التقني للميزانية، لتطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد.
فالتحديات التي تواجه المملكة لا تتعلق فقط بتعبئة موارد إضافية، وإنما بكيفية استعمال تلك الموارد لتحقيق أثر اجتماعي وتنموي مستدام.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال نحو ما يمكن تسميته بالتعاقد الجديد حول النجاعة العمومية، القائم على ربط كل اعتماد مالي بهدف محدد، وكل هدف بمؤشرات قابلة للقياس، وكل مسؤولية بآليات واضحة للمساءلة.
فنجاح الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن يقاس بعدد البرامج المعلنة، وإنما بمدى تحسن حياة المواطنين.
ونجاح التنمية الترابية لا ينبغي أن يقاس بحجم التحويلات المالية وحدها، وإنما بمدى تقليص الفوارق بين المجالات.
ونجاح السياسة الجبائية لا ينبغي أن يقاس فقط بارتفاع المداخيل، وإنما بمدى مساهمتها في تحقيق العدالة وتحفيز النشاط الاقتصادي.
أما نجاح الحكومة الجديدة، فلن يتحدد بمجرد قدرتها على تقديم مشروع قانون المالية في موعده القانوني، بل بمدى قدرتها على تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى سياسات عمومية متماسكة ونتائج قابلة للتقييم.
وفي هذا الإطار، تشكل القيادة الملكية للأوراش الاستراتيجية الكبرى ضمانة لاستمرارية التوجهات الوطنية بعيدة المدى، فيما تتحمل الحكومة مسؤولية ترجمتها إلى برامج وإجراءات، ويضطلع البرلمان بدوره في الرقابة والمساءلة.
إن المغرب، وهو يستعد لدخول سنة مالية جديدة، يحتاج إلى ميزانية قادرة على الجمع بين الطموح والواقعية، وبين التضامن الاجتماعي والنجاعة الاقتصادية، وبين الاستثمار في المستقبل والإنصاف في الحاضر.
ولعل أهم ما ينبغي استخلاصه من هذه اللحظة أن قوة المالية العمومية لا تكمن فقط في حجم مواردها، وإنما في قدرتها على إنتاج الثقة وتحقيق العدالة وصناعة التنمية.
فليس المهم أن تكون للدولة ميزانية أكبر، بل أن يكون لكل درهم تنفقه قيمة أكبر في حياة المواطن.
وإذا كان مشروع قانون المالية لسنة 2027 يحمل طموحا لتوطيد الدولة الاجتماعية وتعزيز السيادة الاقتصادية وتحقيق العدالة المجالية، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تتحول هذه العناوين إلى مستشفيات تقدم العلاج في الوقت المناسب، ومدارس تمنح تعليماً جيداً، وفرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وجماعات ترابية تمتلك وسائل التنمية، واقتصاد وطني أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة.
عندها فقط يمكن الحديث عن قانون مالية يتجاوز وظيفته المحاسبية التقليدية، ليصبح أداة فعلية للتحول الاقتصادي والاجتماعي.فالأمم لا تقاس قوة ماليتها العمومية بما ترصده من اعتمادات فحسب، وإنما بما تحققه تلك الاعتمادات من كرامة وعدالة وتنمية.
-أستاذ جامعي – رئيس مركز ابن خلدون للأبحاث والدراسات الإدارية والمالية
The post قانون المالية 2027 appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس