تبجيل الحياة
يبقى سؤال الموت من الأسئلة الكبرى التي أثّرت بشكل كبير في التاريخ البشري، حتى أن حضارة عظيمة مثل الحضارة المصرية القديمة، جعلت منه الأساس الذي بنت عليه مدار وجودها ومآلها. هذا من جهة، وفي المقابل ـ ويا للمفارقة! ـ فإن الموت أثرى حياة الإنسان، لأن الحضارة الإنسانية عموما، تطورت رغبة في مقاومة الفناء، مدفوعة بغريزة البقاء المنغرسة عميقا في جينات الإنسان.
وحتى يومنا هذا، ما يزال الموت يمارس سطوته على الجنس البشري، وغالبا ما يلف بهالة من القداسة تظهر بشكل جلي في طقوس الجنازة والتردد على المقابر والمزارات والأضرحة، ما دفع العلماء ـ خاصة علماء الأركيولوجيا ـ إلى إطلاق فرضية تزعم أن أول ديانة ظهرت على وجه الأرض هي ديانة “عبادة الأجداد”، ومنها تطورت جميع أشكال الإيمان الذي عرفتها المجتمعات الإنسانية فيما بعد.
في زمانها هذا يختلف حضور الموت بين مجتمع وآخر، فبين الحضور الطاغي عند المجتمعات التقليدية إلى غيابه شبه التام لدى الشعوب الغربية، تتأرجح بقية شعوب العالم بين هذين الحدين.
ولعل تجربة الحضارة الغربية تبقى فريدة في هذا المجال ـ إذا استثنينا التصورات المتطرفة التي وصلت إلى حد “إنكار الموت” ـ بما أنها عرفت كيف تقلل من السطوة التي كان يمارسها الموت على الأفراد والمجتمعات.
بطبيعة الحال لم يحدث ذلك بين عشية وضحاها، بل تدرج هذا التحول بشكل تراكمي عبر الأجيال والتطورات التي عرفتها هذه المجتمعات، خاصة على مستوى نجاحها بالسيطرة الجزئية على الطبيعة والحد من غلوائها التي كانت تجعل الإنسان في حالة قلق دائم على مصيره؛ والتغيرات الجذرية التي طرأت على نمط الإنتاج، بانتقاله من نمط الإنتاج الزراعي الواقع تحت رحمة السماء، إلى نمط إنتاج صناعي تعزز بشكل كبير بفضل المكننة وعقلنة أساليب الإنتاج، ما أدى إلى تراكم مهم لفائض القيمة، رفع من جودة حياة الأفراد، وساهم في ظهور طبقة وسطى واسعة أصبح أفرادها يعيشون في بحبوحة من العيش والرفاه، والأهم أنها بلورة تصورات جديدة عن الحياة والموت، تدعو إلى الإقبال على الحياة، وجعلت من الموت فاصلا زمنيا يستمر للحظات، لينجرف الجميع من جديد في تيار اليومي والاستهلاك الكاسح.
الأكيد أن أشكال التفكير المستحدثة لم تؤثر بشكل كبير على المخيال الجمعي للبشرية التي تبقى عاجزة عن مواجهة الموت، مع ذلك نجحت في الحد من القلق الذي يمارسه الموت على الأفراد وذلك من خلال إعطاء الحياة صفة القداسة، فبدل تقديس الموت ـ الذي ساد منذ البدايات الأولى للحضارة الإنسانية ـ بات تقديس الحياة ديدن العالم بما أنها الحقيقة الوحيدة الماثلة أمام أعيننا، والحالة الوحيدة التي يمكننا التأثير عليها بشكل ملموس سلبا أو إيجابا.
The post تبجيل الحياة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس