تحقيق أي من السعودية والحوثيين النصر لا يزال مستبعداً
في العاشر من تشرين الأول الجاري هاجم الحوثيون المتحالفون مع إيران مطار الرياض الدولي، وأسفر ذلك عن مقتل 13 شخصاً بينهم مواطن أميركي وإصابة أكثر من 300 أخرين. عمّق هذا الهجوم الأكثر دمويةً تصعيدا كان قائما بالفعل، وقد يجر دولا أخرى إلى القتال بشكل مباشر منها الولايات المتحدة. يسعى الحوثيون منذ تموز الماضي إلى استغلال الحرب مع إيران لإرغام السعوديين على قبول سلام يمليه المنتصر. أي سلام يفرض التخلي عن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ورفع جميع القيود المفروضة على الموانئ والمطارات الخاضعة لسيطرة الحوثيين ودفع تعويضات عن الحرب.
لتحقيق هذه الغاية فرضت الجماعة حصاراً على الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر ثم استؤنفت الهجمات العابرة للحدود والحرب البرية داخل اليمن على نطاق واسع. جاء الهجوم على المطار بعد أيام من إعلان حكومة اليمن شن هجوم مضاد واسع النطاق بدعم سعودي، وذلك بعد سيطرة الحوثيين على ميناء المخا وشريط ساحلي يمتد جنوبا حتى مضيق باب المندب. حتى الآن جاءت نتائج الهجوم متفاوتة. فقد نشرت الرياض قوة جويةً كبيرة واستخدمت نحو مئة طائرة مقاتلة لمساعدة القوات اليمنية على دفع الحوثيين بعيداً عن أقصى الساحل الجنوبي. إلا أن الحوثيين يواصلون الرد على هذه الضربات ويواصلون القتال حول المخا ويشدّدون الحصار على تعز معقل الحكومة في الجنوب الغربي، ويكثّفون هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة على السعودية.
تعيد عودة الحرب الشاملة مشهداً مألوفاً. ففي 2015 أطلقت السعودية "عاصفة الحزم" لإستعادة سيطرة الحكومة اليمنية وفشلت في ذلك. لا يزال حتى الآن الحوثيون راسخين في الشمال لكن هذه الجولة تختلف عن سابقاتها لأسباب ثلاثة في رأي باحثة مهمة في مركز أبحاث أميركي مركزه واشنطن. أولها تطور قدرات القوى المتواجهة في اليمن على نحو يجعل الصراع أكثر تدميراً. إذ تمكّن الحوثيون من توسيع التجنيد والتنسيق مع "محور المقاومة" الإيراني وتطوير قدراتهم في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة. في المقابل لا يزال المعسكر الموالي للحكومة تحالفاً مشتتاً. علما أن المقاتلين المحليين في تعز ومأرب وجنوب اليمن يتمتعون بخبرة واسعة في قتال الحوثيين وعزم على التصدّي لتمدّدهم وقد حصلوا على أسلحة إضافية منها الطائرات المسيّرة. ثانيها أنهكت سنوات الحرب والنزوح قدرة اليمنيين على الصمود. فأكثر من 12 مليون يمني يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي. وقد نزح حتى الآن أكثر من 200 ألف شخص وتراجعت المساعدات الإنسانية إذ قطعت الولايات المتحدة كل تمويلها لليمن وباتت لكبار المانحين الأوروبيين أولويات أخرى. أما ثالثها فهو أن المخاطر التي يواجهها الشرق الأوسط أكثر بكثير اليوم فالحوثيون متحالفون مع إيران لذا ستعزّز مكاسبهم موقف طهران في مواجهة واشنطن وحلفائها في مضيق هرمز وما وراءه. وللحوثيين أيضا طموحاتهم الخاصة المزعزعة للاستقرار. وهم يرون أنفسهم أصحاب الحق في الإمساك بالسلطة في اليمن ورأس الحربة في تحوّل إقليمي يفضي إلى تدمير إسرائيل وأخراج أميركا من المنطقة. تعكس علاقتهم مع حركة الشباب الصومالية التابعة للقاعدة سعيهم إلى بسط نفوذهم في حوض البحر الأحمر. شعرت السعودية أنها محاصرة من جميع الجهات، الحوثيون جنوباً وغرباً وإيران شرقاً، والميليشيات العراقية الموالية لطهران شمالاً. لذلك قرّرت الرد فشكّلت تحالفا متعدد الجنسية لإضفاء الشرعية على هجومها الأخير وتدويل التصدي لتهديدات الحوثيين في البحر الأحمر. وهي تحظى بدعم خارجي كبير إذ اتخذت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وباكستان وتركيا خطوات لمساعدتها في الدفاع عن أراضيها. علما أن جميع الدول تسير على خيط رفيع بين الدفاع عن المملكة وتجنّب الاشتراك المباشر في عمليات هجومية، وإن يكن غير واضح إلى متى سيصمد هذا التمييز.
المصدر: النهار