شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

جان بوغوصيان يرسم بالنار ما يبقى بعد الاحتراق

جان بوغوصيان يرسم بالنار ما يبقى بعد الاحتراق

لافت أن يختار الإنسان النار التي قضى جانباً طويلاً من تاريخه يحاول اتّقاءَها، أداةً لصناعة الجمال. فمنذ اكتشاف قدرتها على تحويل المادة، ارتبطت النار بالتقدُّم الإنساني مثلما ارتبطت بالخسارة. بها صُهرت المعادن وتطوّرت صناعات وحِرَف، وبها أيضاً اختفت مدن ومخطوطات وآثار. ومن هذا التناقض بين القدرة على الإنشاء واحتمالات الفناء، يعمل الفنان جان بوغوصيان في معرضه «شعلة دائمة» بـ«غاليري صالح بركات» في بيروت، مُستدرجاً النار إلى ممارسة فنّية تقوم على إخضاع المادة لتَحوّل قد يحتفظ بنتائج تتجاوز نيات صاحبها. تحمل اللوحة عادةً آثار ما يُضيفه الفنان إلى سطحها. أما الحرق فيجعل الإزالة فعلاً تشكيلياً، ويُحوّل الفقدان إلى عنصر مرئي. ما يختفي من السطح يُشارك في تحديد ما يبقى منه. وتصبح المادة شاهداً على حادثة وقعت لها، فيما يحمل العمل النهائي آثار عملية صنعه، بما فيها احتمالات التلف التي رافقتها. تبدو بعض أعمال بوغوصيان أكثر إقناعاً حين تترك النار آثاراً يصعب على الفنان التحكّم بها بالكامل، فتحتفظ المادة بشيء من طبيعتها الخاصة. فالشقوق والتجاعيد والحواف المتفحِّمة تكشف عن تفاعل فيزيائي حقيقي، وعن زمن قصير وعنيف يترك علاماته على سطح كان مستقراً. وتغدو النار شريكاً يصعب التنبّؤ بسلوكه، مع بقاء الفنان مسؤولاً عن اختيار اللحظة التي يتوقَّف عندها التحوّل. وُلد بوغوصيان في حلب عام 1949 لعائلة لبنانية أرمنية تعمل في المجوهرات، ودرس الاقتصاد وعلم الاجتماع في جامعة القديس يوسف ببيروت، قبل انتقاله إلى بلجيكا عام 1975 مع اندلاع الحرب اللبنانية. عام 1988، بدأ تجاربه مع النار التي أصبحت محوراً ثابتاً في ممارسته الفنّية. ومنذ ذلك الحين، أخذ يختبر تأثيرها في مواد مختلفة، من الورق والقماش إلى الخشب والخزف، ليكتشف ما يمكن أن تفعله الحرارة بالسطح والشكل واللون. وفي منحوتات «أبراج بابل»، يستعيد بوغوصيان إحدى أكثر الحكايات التصاقاً بطموح الإنسان إلى تجاوز حدوده. ترتفع التكوينات الخزفية عبر طبقات متراكمة، تتخلّلها فجوات وتصدّعات وحواف متفاوتة الانتظام. وتستحضر بعض الأعمال عمارة قديمة أنهكها الزمن، وتبدو أخرى أقرب إلى صفحات متراكبة فقدت استواءها. في هذه الأعمال، يحضر البناء والكتابة شاهدَيْن على رغبة الإنسان الأزلية في أن يبقى شيء منه بعد رحيله. تحضر في هذه الأبراج أيضاً فكرة غرور البشر التي تقوم عليها أسطورة بابل. فقد أراد الإنسان بناء برج يصل إلى السماء، مدفوعاً باعتقاده أنّ قدرته على البناء تجعل كلَّ شيء ممكناً. وفي منحوتات بوغوصيان، ترتفع الطبقات بعضها فوق بعض، لكنها تبدو متآكلة ومتصدِّعة، كأنها بقايا مشروع عظيم انتهى إلى الخراب. بذلك تبرز مفارقة إنسانية تتكرَّر في تاريخ الحضارات التي اعتقدت أنها بلغت من القوة ما يحميها من السقوط. بعض هذه المنحوتات يوحي بأنّ انهيار البرج بدأ من داخله، والإنسان في اندفاعه نحو العظمة قد يزرع أسباب سقوطه بيديه. تصبح هذه الفكرة أكثر تأثيراً في الأعمال التي تحمل آثار التآكل، فيما تفقد بعض الأبراج الأكثر انتظاماً شيئاً من قدرتها على إثارة التأمُّل. وفي المنحوتات الخشبية، يلفت الانتباه اختيار بوغوصيان العمل على جذوع الأشجار، بما تحمله من أشكال صنعتها الطبيعة على مدى سنوات. يتدخَّل الفنان بالحفر والحرق، فتظهر التواءات وفتحات تجعل بعض القِطع أقرب إلى أجساد تتحرّك أو تُحاول التحرُّر من وضعيتها الثابتة. تبرز علاقة الإنسان بالطبيعة ورغبته في إعادة تشكيل ما أنتجته من قبل. فالخشب الذي احتاج إلى سنوات طويلة لينمو، يستطيع الفنان تغيير مظهره خلال وقت قصير. وفي هذا الاختلاف بين زمن الطبيعة وزمن الإنسان، يمكن أن نقرأ شيئاً من استعجال البشر الدائم في تغيير العالم من حولهم وإخضاعه لتصوّراتهم. لكن هذه المنحوتات متفاوتة في تأثيرها. فبعضها يلفت النظر بأشكاله الملتوية والفراغات التي تتخلَّل الخشب، في حين يبدو بعضها الآخر أقرب إلى تكرار الفكرة نفسها مع تغييرات محدودة. وتصبح آثار الحرق والحفر في بعض القطع متوقَّعة، خصوصاً حين تتشابه طريقة معالجتها، فتضعف قدرة العمل على إثارة اهتمام المُشاهد. وفي أعمال أخرى، يستلهم بوغوصيان الفنان الياباني كاتسوشيكا هوكوساي (1760-1849)، صاحب العمل الشهير «الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا». بدأت الفكرة عام 2018، حين اتّخذ الجصّ الذي كان يعمل به شكل موجة عن طريق المصادفة، فدفعه ذلك إلى تطوير سلسلة تستحضر حركة البحر. تظهر في اللوحات ألوان زرقاء وبيضاء وصفراء ووردية، تتداخل مع الجصّ وآثار الحرق، وتوحي أحياناً بأمواج تتكسَّر أو مياه تتدفَّق. والمثير أنّ بوغوصيان يستعين بالنار لتشكيل أعمال تستوحي الماء، فيجمع بين عنصرَيْن متعارضَيْن في الطبيعة. وتبدو بعض اللوحات أكثر حيوية حين تترك الألوان والمواد انطباعاً بحركة يصعب تثبيتها. يكشف التفاوت بين أعماله عن أحد التحدّيات التي تواجه الفنان حين يعتمد تقنية معينة على مدى سنوات طويلة. فالنار التي بدأت أداة للتجريب والمفاجأة، قد تصبح مع الوقت وسيلة لإنتاج أشكال مألوفة. ويظهر ذلك في بعض الأعمال التي تتكرَّر فيها آثار الحرق وطريقة توزيع المواد والألوان، حتى يصبح بالإمكان توقُّع النتيجة. وفي المقابل، تحتفظ أعمال أخرى بقدرتها على مفاجأة المُشاهد، حين تؤدّي النار إلى أشكال يصعب تخيُّلها مسبقاً. هذا ما يجعل تجربة جان بوغوصيان مثيرة للنقاش. فبعد سنوات من العمل بالنار، يصبح التحدّي الأكبر أمامه أن يواصل اكتشاف إمكاناتها ويتجنَّب الوقوع في تكرار الأسلوب الذي عُرِف به.

المصدر: الشرق الأوسط