شظايا من الزمن الآتي
د. نواف القنطار
كلما قلت غداً... وضعت حاضري على رفوف الوقت ومضيت أبحث عما ألوذ به من قلق الآتي... كأن الحياة موعد أُرجئه، وكأن الزمن سيبقى واقفاً عند باب انتظاري.
لم أدرك أن أيامي مرت مسرعة، إلا حين رأيت نفسي تبتعد عني وتتركني على درب لم أسلكها زمناً طويلاً.
أَلتفت نحو الماضي، فلا أرى غير غبار الذكريات، وأبحث عن ملامح القادم، فلا أجد سوى احتمال واحد للوصول، كلما دنوتُ منه ازداد نأياً وتأويلا... كأن الغد ماضٍ آخر ينتظرني في حاضري الذي فقدتُه هناك أو سوف أفقده هنا.
أما "الآن" فيسير بجانب "أناي" في صمت... لا يلومني، لا يستعجلني، يفتش مثلي في الزحام عن اسم آخر للحياة أو عن معنى يشبهها قليلاً...
لم يكن الوقت ينقصني، بل شجاعة الحضور فيه، والعبور من ماضي الحاضر إلى حاضر الغد... فكم من حياة أجلتها لأحمي نفسي من مرارة الخسارة، والمكوث على رصيف الانتظار طويلاً... وكم من فرح تركته واقفاً عند الباب خوفاً من أن يكون عابر سبيل قاتلاً أو قتيلاً.
كلما قلت غداً، سمعت قلبي يناديني من أقاصي الوقت، من حيث استودعت حياتي الأولى في العراء منتظراً عودتي من غيبتي الطويلة.
أقول لنفسي: أريد أن أكون هنا والآن، وليس في ما كان، أو ما سوف يكون، أريد أن أعيش هذه اللحظة التي تمضي عارية ولا أتظاهر بأنها لا تثير انتباهي، ولن أطلب من الأمس المهزوم أن يعود ولا من الغد أن يمنحني بقاءً أو رحيلاً.
سأترك للأشياء هشاشتها العذبة، وللحب احتمالاته الطائشة، ولقلبي كامل الحق في الخفقان وهو يمد شرايينه ليتمسك بالحياة... فليس الخلاص أن أبلغ ضفةً لا يصل إليها الفناء، بل أن أعبر النهر من دون أن أقضي العمر واقفاً على حافته، أخشى التيار، فيفوتني الوقت ويصبح العبور مستحيلاً.
وليس همي أن أكون مستعداً للحياة بكامل لياقتي، بل ألاّ أغيب عن شهقة الروح فيها، فاللحظة التي أخشى أن تفلت مني، هي تلك التي سأعيشها الآن، قبل أن أصير حكاية أخرى، أنعيها في مأتم الذاكرة قائلاً: ليتني... يا حاضري... لم أقل غداً.
المصدر: النهار