شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

مَن يحرس الحقيقة؟

مَن يحرس الحقيقة؟

ديما زرقط

في عصر تتسابق فيه وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي على نشر الأخبار أصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة من أي وقت مضى، فبين سيل المعلومات المتدفّق يومياً على وسائل التواصل بات من الصعب أحياناً التمييز بين الخبر الصحيح والمعلومة المضلّلة، خصوصاً أنّ الخبر الواحد قادر على الوصول إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، وترك أثر كبير في آرائهم ومواقفهم وعلى حياتهم. وإذا كانت المعلومة الصحيحة تساعد على فهم ما يجري، فإنّ المعلومة الخاطئة قد تثير البلبلة، تزرع الشكوك وتربك المجتمع بأكمله.
من هنا، تبرز أهمية التحقّق من الأخبار قبل تداولها، وتزداد مسؤولية الصحافي في التأكّد من دقّة المعلومات التي ينقلها إلى الجمهور.
أين تكمن الخطورة؟
تكمن خطورة المعلومات المضلّلة في أنّها لا تأتي دائماً على شكل أخبار كاذبة بالكامل، بل بجزء منها، فقد تكون صورة حقيقية نُشرت خارج سياقها أو فيديو قديماً قد أُعيد تداوله على أنّه يوثّق حدثاً جديداً أو خبراً يتضمّن بعض الحقائق إلى جانب معلومات غير دقيقة.
يمكن أن تكون النتائج خطيرة، خصوصاً عندما تتعلّق المعلومات بالحروب والأزمات السياسية والأمنية.
ولعلّ ما حدث في لبنان عام 2024 يشكّل مثالاً واضحاً على خطورة تداول المحتوى خارج سياقه، فقد نشرت وكالة "رويترز" في 30 أيلول تقريراً للتحقّق من فيديو جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، وزُعم أنّه يُظهر لبنانيين يحتفلون بمقتل الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله.
لكنّ التحقّق كشف أنّ الفيديو يعود إلى 19 كانون الثاني 2020، خلال الاحتجاجات التي شهدها لبنان على خلفية الأوضاع الاقتصادية. وكان المقطع يُظهر امرأتين تغنّيان وسط المتظاهرين، وليس احتفالا بالحدث الذي رُبط به بعد سنوات، كما أوضح ناشر الفيديو الأصلي أنّ المقطع قديم ولا علاقة له بأحداث عام 2024. يبيّن هذا المثال كيف يمكن لمحتوى حقيقي أن يتحوّل إلى أداة للتضليل عندما يُرفق بتعليق خاطئ، وكيف يمكن لتغيير السياق وحده أن يبدّل معنى الصورة بالكامل.
أمام هذه الحالات كيف يمكن التأكّد من صحّة خبر أو فيديو قبل تصديقه أو إعادة نشره؟
تبدأ عملية التحقّق بالعودة إلى المصدر الأصلي للمعلومة، ومعرفة الجهة التي نشرتها أولاً، ومقارنة مضمونها بمصادر مستقلة، فانتشار الخبر على عشرات الصفحات لا يعني أنّه صحيح، إذ قد تكون جميعها قد نقلته عن مصدر واحد لم يتمّ التأكّد من صدقيّته.
أمّا الصور والفيديوات فيمكن التحقّق منها باستخدام أدوات البحث العكسي عن الصور، مثل إضافة إلى فحص المعالم الظاهرة، أسماء الشوارع واللافتات، ومحاولة تحديد مكان التصوير وتاريخه، كما يجب التأكّد من أنّ الفيديو لم يُقتطع من سياقه أو يُرفق بتعليق لا يتطابق مع محتواه.
لكنّ هذه المهمّة لا تخلو من التحدّيات، خصوصا بالنسبة إلى الصحافيين الذين يعملون تحت ضغط الوقت ويسعون إلى نشر الأخبار فور وقوعها أو بهدف السبق الصحافي، فقد يؤدي التسرّع إلى نشر معلومات غير دقيقة يصعب تصحيح آثارها لاحقاً. وتزداد الصعوبات خلال الحروب والأزمات، حين تكون المصادر محدودة والشهادات متضاربة، والوصول إلى مكان الحدث محفوفاً بالمخاطر على حياة الصحافي، كما قد يتعرّض الصحافي الذي يكشف معلومات مضلّلة لحملات تشويه أو تهديدات وضغوط، في وقت يفرض فيه تطوّر الذكاء الاصطناعي تحدّياً إضافياً، مع إمكان إنشاء صور وأصوات ومقاطع فيديو تبدو حقيقية رغم أنّها مصطنعة أو معدّلة.
وفي مواجهة هذه التحدّيات لا يكفي أن يعتمد الصحافي على خبرته أو انطباعه الشخصي، بل عليه أن يستند إلى الأدلة و المصادر، ويقارن الروايات، ويعترف بما لم يتمكّن من التأكّد منه. كما تقع على عاتق وسائل الإعلام مسؤولية تصحيح الأخطاء بوضوح، وعدم تقديم الادّعاءات غير المثبتة على أنّها حقائق مؤكّدة.
لا تقتصر مسؤولية مواجهة المعلومات المضلّلة على الصحافيين وحدهم، بل تشمل كلّ مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي فالتريّث قبل مشاركة خبر، والتحقّق من مصدره، قد يمنعان انتشار معلومة خاطئة وتأثيرها في الآخرين.
في زمن يستطيع فيه أي شخص نشر معلومة خلال ثوانٍ، تبقى الحقيقة بحاجة إلى البحث والتدقيق، فصدقية الصحافة لا تُقاس بمن ينشر الخبر أولاً، بل بمن يتحقّق منه بدقّة ويحافظ على حقّ الجمهور في معرفة الحقيقة.

المصدر: النهار