الواقع المرير في النفس
ريمون مرهج
الحياة كما تراها أنت ليست موجودة، وكما تودها انت ليست واقعاً إلا إن قررت أن تحيا وحيداً بعيداً من بيئتك وضجيج مجتمعك. ما تحلم به وأنت في زمن الطفولة لا يتحقق إلا جزء يسير منه بعد مثابرة وتحدٍ كبيرين على مرّ السنين.
وإن كنت تحيا وسط عالم فيه من التقاليد والأعراف والقوانين التي وُضعت على قياس متسلطين قدماء ليسوسو الناس من الطبقة العادية، حسب مخططاتهم وأهوائهم التي جعلوها مقدسة مبجلة كي لا يمسها أي إنسان طموح محق يود العدالة والحق والحقيقة.
هذا هو واقع الحال حتى في مجتمعك الضيق بين أقربائك وعائلتك تشعر بالغربة إن كانت أفكارك وآراءك بعيدة عنهم. تُجبر مكرهاً مرغماً على السكوت أحياناً إن كنت مسالماً ولا تود الضجيج والمهاترات، ولكنك تنفجر غضباً عندما ينفد صبرك ويولد مشاكل ونفور في ما بينكم فتُنبذ وتغدو ممقوتاً حتى تُوصف بالمختل أحياناً.
هي الحياة هكذا فليست كما كنت ترسمها وأنت طفل وتلونها على الورق، ليست تلك اللوحة التي "شخبطّها" بأصابعك: بيت، شجرة، عصافير وأزهار. ليست الصور البريئة في خيالك ولا نظراتك نحو النجوم المضيئة في الليل أو رؤية الشمس عند الغروب وهي تغرق خلف البحار. ليست تلك الرأفة والأحاسيس الطيبة حيال طفل متشرد من جيلك يتسكع في الشارع حافي القدمين مبللاً بمياه الأمطار، أو شيخ بثياب رثة يشحذ رغيف خبز على قارعة الطريق فتتحرك في أعماقك مشاعر الغضب والثورة على الظلم. ولكن حينما غدوت شاباً خفتت تلك الأحاسيس وإنكسرت فيك العزيمة بسبب حواجز فولاذية من أراء البشر، ومصاعب جمة مادية ونفسية واجهتها في مجتمع أهله لم تعد لديهم رحمة ولا يؤمنون بالإنسانية بل بالجشع المادي فقط. والأمور تتجه نحو الأسوأ على صعيد الإنسان في زمن تطور الذكاء الإصطناعي الخارق بحيث ستنتهي كل القيم وسيغدو البشر بلا قيمة ولا أهمية لفكرهم وإبداعهم ومشاعرهم.
أمر واحد لا يستطيع العالم أجمع سحقه في فؤادك وفكرك وبه تحمي روحك وتحافظ على مبادئك على الأقل، ولو لم تستطع إنجاز ما توده على الأرض يكفي أن تصون ذاتك وكيانك، أمر لا يهزمه أحد وباق للأبد ألا وهو التواصل مع أبيك السموي، صلاتك إليه ومحادثك معه فهو سيحضنك بين ذراعيه ويحرسك من كل غوغاء هذا العالم وضوضائه، والذي يحملك على ضياع نفسك وعلى خسارة الإنسان فيك.
ثق بربك وبذاتك وثابر من دون تردد مهما أصابتك سهام اليأس، وأبقٍ في قلبك عالمك الخاص الذي به تمرح مع طفولتك، تتعلم وتغامر مع ريعان شبابك وتنثر المحبة، الثقافة والحكمة في زمن شيخوختك. إن أنجزت هذه الأمور فتكون قد حققت بعضاً من أحلامك والحياة التي تمنيت أن تحيا بها.
المصدر: النهار