شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الوعي الفكري.. حصانة العقل المجتمعي

الوعي الفكري.. حصانة العقل المجتمعي

حمد الناصري يتصدر مفهوم "الأمن الفكري" البنية الاستراتيجية للمجتمعات بوصفه جدار الحِماية الأول والحارس اليقظ لخصوصية الأمة وقيمها العريقة؛ فالأمن في صِبْغته المعاصرة لم يعُد مقتصراً على الأطر الإجرائية أو التدابير المادية الصّرفة، بل هو الوعي الجمعي الوثيق المُتصل بتحصين المجتمع من عواصف الاختراق والمسخ الهوياتي الطارئ. إنّ تفكيك المهددات الفكرية العابرة للقارات والحدود يستدعي صياغة تشريحٍ فكريٍّ مستدام، إذ يمنح الأجيال مناعةً ذاتيةً ضد رياح الأدلجة التي تسلب الإنسان قدرته على "الوعي النقدي المُستنير"، وتجبره على النظر إلى الواقع من خلال أحادية فكرية ومُصطنعة لا تقبل النقاش، وتخضع العقل الجمعي إلى (إيديولوجيا) مؤدلجة التشويه، مخترقة الفكر المجتمعي، وعاملة على خلخلة البناء الأخلاقي للأوطان. فالإلحاد المُعاصر أو النسوية المُتطرفة أو الفكر التكفيري، أدوات للاختراق لمسخ الهوية السلوكية بخلخلةٍ لا وئام تاريخي يُميّزها؛ ولذا يتوجّب على المجتمع العُماني المواءمة والاعتدال كي لا ينجرّ إلى ما ينزع تصلبه ومصادرة التعصّب ليضمن نقاء المجتمع الأخلاقي. ويتجلى هذا التحصين الوقائي وضوحاً في النماذج الفكرية والميدانية الوطنية داخل سَلطنة عُمان؛ إذ مثّلت المحاضرة الفكرية للباحث الدكتور سيف بن سالم الهادي، والتي ألقاها في القاعة الكبرى بالمركز الثقافي في جامعة السلطان قابوس، وثيقةً أكاديميةً بالغةً الحساسية والأهمية في تفكيك محاور الأمن الفكري وفِقه الاختلاف، ومجابهة الأنماط الوافدة كالإلحاد المعاصر والأطر النسوية المتطرفة وأدلجة التكفير. إن هذا الشاهد الميداني الأكاديمي يعكس وعياً مؤسسياً يربط منابر العِلم بمسؤولية التحصين وصَون النسيج المجتمعي المُستقر من تآكل الباطن؛ إذ يتلاقى هذا التوجه الوقائي مباشرةً مع الأطروحات السوسيولوجية والفلسفية الكبرى في المعرفة الإنسانية التي تذود عن صفاء المنظومة الفكرية للأمم. كما برهن المؤرخ والعلامة ابن خلدون في "المقدمة" على أنّ تماسك المجتمعات الإنسانية واستقرار عمرانها يرتكز بالدرجة الأولى على نقاء منظومتها الفكرية وقيمها المشتركة التي تحميها من عواصف الذوبان والتبدد عند اختلاط الأطراف واشتداد المؤثرات الخارجية العابرة للحدود، وهو ذات الميزان الذي يتناغم مع الأطروحات النقدية للمفكر إدوارد سعيد في تأصيله لكون المحكيات والمأثورات الحية هي الحصون الأنثروبولوجية المتينة التي تذود بها المجتمعات عن خصوصيتها وتمنع ذوبان سرديتها التاريخية أمام محاولات التنميط المعولم. وهو ما تؤكده بالبراهين العلمية أوراق عمل "ندوة الخطاب الشفهي والتراث الثقافي في عُمان" في برهنتها على أنّ العزلة التضاريسية والبيئات الطبيعية المُستقرة لحواضر الداخل شكّلت مصفاةً واعيةً حمت الفصاحة الصوتية والمنظومة الروحية، وجعلت المحكي اليومي وثيقةً تاريخيةً نابضةً بالثبات بروح الأصالة النَّقيَّة. وفي هذه القراءة التحليلية الوافية، نؤكد بأنّ تماسك المجتمعات الإنسانية واستقرار عمرانها يرتكز بالدرجة الأولى على "الوعي الفكري"، فهو الحصانة الحقيقية لعقل المجتمع ضِد سُموم الأدلجة وعواصف التنميط المعولم، وتحويله إلى فِكْر مؤدلج وقوالب مُسبقة الصياغة الفكرية خارج سياق المجتمع الثقافي والقِيَمي والتاريخي. خُلاصة القول: وفي أطر سياقات العولمة، نرى أنّ الامن الفكري كينونةً وجوديةً وهو توازنٌ بين طاقة المجتمع الباطنة وظاهرهُ السلوكي الحصين. وأنّ مُجابهة الطفرات الفكرية الحديثة لا تُتم بالانغلاق، بل بتفعيل الوعي النقدي المُستنير الذي يصُون الإرث التاريخي والوطني في كوامن العقل، وأنّ الوئام او المُوائمة بين الاختلاف والاعتدال فِقهٌ ساطعٌ ويقينٌ يُثبت أنّ الفِكر يحمي العقول ويصُون استقرار المجتمع الأخلاقي ويضمن نقاءَهُ المتين من التآكل عَقِبَ تقلبات الزمن العاصف.

المصدر: الرؤية