انتخابات الكنيست بين المشاركة والمقاطعة.. ماذا تقول وثائق الحركة الإسلامية؟
يستعرض المقال محطات من بيانات الحركة الإسلامية قبل حظرها إسرائيليًا عام 2015، متتبعًا مواقفها من انتخابات الكنيست بين عامي 1992 و2015، وتحولاتها بين ترك القرار للأفراد والدعوة إلى المقاطعة في عام 2001، وصولًا إلى قراءة الكاتب للمشهد السياسي مع اقتراب انتخابات... على أبواب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تتجدد النقاشات والتساؤلات حول موقف الحركة الإسلامية من المشاركة في هذه الانتخابات، في ظل تعدد التصريحات والتحليلات والمواقف الصادرة عن المرشحين والقوائم الانتخابية. ومن هنا، أجد أن العودة إلى الوثائق والبيانات التاريخية الصادرة عن الحركة الإسلامية قبل حظرها إسرائيليًا في أواخر عام 2015، تمثل مدخلًا ضروريًا لفهم موقفها من انتخابات الكنيست، بعيدًا عن التأويلات والفرضيات التي قد تبتعد عن حقيقة ما ورد في تلك الوثائق. ومن فضل الله تعالى علينا أننا اجتهدنا في بناء أرشيف مصور ومكتوب يوثق مسيرة الحركة الإسلامية قبل حظرها، وقد عملت شخصيًا على نشر جانب من هذا الأرشيف من خلال ستة كتب صدرت بين عامي 2015 و2016، تناولت مفاهيم الحركة ومواقفها، وتاريخ نشأتها وبياناتها ومراسلاتها وأرشيفها المصور. وتتيح هذه الكتب للقارئ العودة إلى الوثائق الأصلية والاطلاع على مواقف الحركة كما عبّرت عنها في حينها، بما يساعد على التمييز بين النصوص الموثقة والقراءات التحليلية التي قد تختلف من شخص إلى آخر. وفي ضوء ذلك، أضع بين أيدي القراء جملة من المحطات التاريخية التي توضح موقف الحركة الإسلامية من انتخابات الكنيست، وصولًا إلى الاستحقاق الانتخابي المقبل. في بيانها الصادر بتاريخ 29 مايو/أيار 1992 بشأن انتخابات الكنيست، وقبل الانقسام الذي شهدته الحركة الإسلامية لاحقًا، قالت الحركة: «الحركة الإسلامية لا تدعو لمقاطعة الانتخابات، وسوف يمارس أبناؤها ومؤيدوها حقهم في التصويت، إلا أن الحركة الإسلامية لا تُكره أحدًا أو تضغط عليه في اتخاذ موقفه، ما لم يتعارض هذا الموقف مع روح الوعي القائم من الفهم الإسلامي والحس الوطني». ويُظهر هذا البيان أن الحركة لم تدعُ آنذاك إلى مقاطعة الانتخابات، كما لم تفرض على أبنائها ومؤيديها موقفًا موحدًا من التصويت، بل تركت لكل فرد اتخاذ موقفه وفق فهمه الإسلامي وحسه الوطني. وبعد الانقسام الذي وقع في الحركة، صدر بيان بتاريخ 29 مارس/آذار 1996 أكد الموقف ذاته، إذ جاء فيه: «إننا غير ملتزمين بأي قرار يتخذ باسم الحركة الإسلامية في موضوع خوض انتخابات الكنيست، ولسنا مسؤولين عنه، ولا نتحمل أي تبعة له على أي صعيد»، مضيفًا: «إننا ماضون في عملنا الإسلامي وفي حركتنا الإسلامية وفق فهمنا العقائدي وحسنا الوطني». وفي 7 يونيو/حزيران 1996، أصدرت الحركة بيانًا آخر شددت فيه على أنها غير مسؤولة عن نتائج الانتخابات أو عن تحالفات أعضاء القائمة العربية الموحدة وتصريحاتهم وسلوكياتهم، مؤكدة استمرارها في عملها وفق فهمها العقائدي وحسها الوطني. وقد تكررت هذه التأكيدات في بيانات لاحقة، في سياق تمايز موقف الحركة التي واصل إعلام إسرائيلي وصفها بـ«الحركة الإسلامية الشمالية» عن موقف التيار الذي اتجه إلى خوض انتخابات الكنيست وشكّل القائمة العربية الموحدة، والذي عُرف إعلاميًا باسم «الحركة الإسلامية الجنوبية». بعد فوز إيهود باراك برئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 1999، أصدرت الحركة الإسلامية بيانًا بتاريخ 20 مايو/أيار من العام نفسه، تناولت فيه تداعيات المعركة الانتخابية على المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني. وجاء في البيان أن الانتخابات خلّفت «مجتمعًا جريحًا»، وأن الخطاب بين الأحزاب وصل إلى حد العنف الجسدي، داعيًا إلى عقد مؤتمر عام بعنوان «مؤتمر الوفاق الوطني»، انطلاقًا من أن «الانتخابات من ورائنا، وهمومنا بين أيدينا، وقضايانا تنادينا؛ فإن الذي يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا». كما حدد البيان مجموعة من القضايا التي رأى أنها ينبغي أن تتصدر الاهتمام بعد الانتخابات، وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى والأرض، والقرى غير المعترف بها، والأوقاف والمقدسات، وأوضاع النقب والمدن الساحلية، إلى جانب قضايا السكن والمعيشة والإصلاح الاجتماعي. وتكتسب هذه الدعوة أهمية في سياق النقاش الحالي؛ إذ إن القضايا التي تناولها البيان لا تزال حاضرة في الخطاب السياسي والاجتماعي المتعلق بالفلسطينيين في الداخل، وإن اختلفت الظروف والتفاصيل بين مرحلة وأخرى. في يناير/كانون الثاني 2001، أصدرت الحركة الإسلامية بيانًا بشأن انتخابات رئاسة الحكومة الإسرائيلية المقررة في 6 فبراير/شباط من العام نفسه، دعت فيه صراحة إلى مقاطعة الانتخابات. وربط البيان موقفه بسياسات حكومة إيهود باراك والأحداث التي شهدها المسجد الأقصى في عام 2000، وما أعقبها من استشهاد 13 شابًا فلسطينيًا من الداخل. وأعلن أن مجلس الشورى القطري للحركة قرر مقاطعة انتخابات رئاسة الحكومة، داعيًا جماهير الداخل الفلسطيني إلى تبني هذا الموقف. وبحسب تسلسل البيانات التي وثقتها الحركة، مثّلت هذه الدعوة الموقف الصريح بالمقاطعة، بينما أكدت بيانات انتخابية أخرى حق كل فرد من أبنائها ومناصريها في تحديد موقفه وفق فهمه العقائدي وحسه الوطني. وفي بيانها الصادر بتاريخ 19 ديسمبر/كانون الأول 2002 بشأن انتخابات الكنيست السادسة عشرة، أكدت الحركة مجددًا أن لكل واحد من أبنائها ومحبيها الحق في اتخاذ موقفه من الانتخابات بما يتناسب مع فهمها العقائدي وحسها الوطني. وتناول البيان ما وصفه بالظلم التاريخي والتمييز القومي والاضطهاد الديني، ومصادرة الأراضي والأوقاف والمقدسات وهدم المنازل، إلى جانب أوضاع القرى غير المعترف بها ومعاناة الفلسطينيين في النقب والمدن الساحلية. كما عبّر عن قناعة الحركة بأن الكنيست ليست طريقًا للوصول إلى الحقوق الفلسطينية، معتبرًا أن ممارساتها تعزز السياسات التي انتقدها البيان. في بيانها الصادر بتاريخ 24 مارس/آذار 2006 بشأن انتخابات الكنيست السابعة عشرة، قالت الحركة الإسلامية إنها، بعد استشارة قاعدة واسعة من أبنائها ومناصريها ومداولات مؤسساتها التنظيمية، قررت التأكيد على موقفها الذي ينص على أن لكل فرد الحق في اتخاذ موقفه من الانتخابات وفق الفهم العقائدي والحس الوطني. وفي 9 فبراير/شباط 2008، أصدرت الحركة بيانًا مقتضبًا أكدت فيه تمسكها بموقفها السابق، محذرة من محاولات، بحسب وصفها، لنقل صورة مغايرة عن موقفها أو الإيحاء بأنها غيّرته. أما بيانها الصادر في 28 يناير/كانون الثاني 2009، فقد تناول تجربة أعضاء الكنيست العرب، معتبرًا أنها لم تنجح في إنهاء الظلم التاريخي والتمييز القومي والاضطهاد الديني اللذين يعاني منهما الفلسطينيون في الداخل. ودعا البيان أبناء الحركة ومناصريها إلى اتخاذ موقفهم من الانتخابات في ضوء هذه المعطيات، وفق فهمهم العقائدي وحسهم الوطني والقومي. وفي 6 ديسمبر/كانون الأول 2012، وصفت الحركة الكنيست بأنها جزء من المشروع الصهيوني، ورأت أن وجود أعضاء عرب فيها استُخدم، بحسب تقديرها، لتحسين صورة المؤسسة الإسرائيلية أمام العالم، بينما استمرت السياسات التي انتقدتها الحركة بحق الفلسطينيين. ثم جاء بيان 13 مارس/آذار 2015 بشأن انتخابات الكنيست العشرين، ليؤكد استمرار الموقف الذي تبنته الحركة في بياناتها السابقة، وذلك قبل أن يصدر قرار حظرها إسرائيليًا في أواخر العام نفسه. ومن خلال هذه المحطات، يتضح أن بيانات الحركة لم تكن جميعها متطابقة في صياغتها، لكنها تضمنت تأكيدات متكررة بشأن ترك الموقف من التصويت للأفراد وفق فهمهم العقائدي وحسهم الوطني، إلى جانب انتقادات واضحة لدور الكنيست وسياسات المؤسسة الإسرائيلية. نصل اليوم إلى انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وسط نقاشات تتجاوز مسألة المشاركة أو المقاطعة إلى طبيعة الخطاب السياسي للقوائم المتنافسة، والحدود الفاصلة بين المطالب اليومية للفلسطينيين في الداخل والقضايا الوطنية الفلسطينية. وفي قراءتي للمشهد الحالي، تبرز عدة مسائل تستحق النقاش. أولها ما أراه من اتجاه لدى بعض المرشحين إلى الفصل بين القضايا المطلبية اليومية والقضايا الوطنية، أو التعامل مع معاناة المجتمع الفلسطيني في الداخل بمعزل عن معاناة بقية أبناء الشعب الفلسطيني. ومن الأمثلة التي أطرحها هنا تقديم خفض معدلات العنف والجريمة في الداخل باعتباره قضية منفصلة عن الموقف من الحرب في قطاع غزة والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس. إن معالجة العنف والجريمة وتوفير الأمن للمجتمع الفلسطيني مطالب أساسية لا يجوز التقليل من أهميتها، لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو كيفية الجمع بين هذه المطالب وبين التمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية، بدل تقديمها باعتبارها قضايا متعارضة أو قابلة للمقايضة. وثانيها أن تكرار المشاركة في انتخابات الكنيست، وفق قراءتي، أسهم في حصر جانب من النقاش السياسي داخل المجتمع الفلسطيني في حدود المنافسة الانتخابية، على حساب البحث في بدائل وأطر تمثيلية أخرى. ومن هنا، أرى أن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على كيفية خوض الانتخابات، بل يجب أن يشمل أيضًا طبيعة المؤسسات التي تمثل الفلسطينيين في الداخل، وسبل تطويرها وتعزيز استقلالية قرارها. وثالثها مسألة التمويل السياسي للقوائم الانتخابية، وما يثار بشأن مصادر الدعم وتأثيرها المحتمل في البرامج والمواقف. وهذه مسألة تستدعي نقاشًا قائمًا على المعلومات الموثقة والشفافية في مصادر التمويل، بدل الاكتفاء بالاتهامات العامة. أما المسألة الرابعة، فتتعلق بصورة المؤسسة الإسرائيلية في الخارج، في ظل ما شهده قطاع غزة من حرب ودمار، وما تشهده الضفة الغربية والقدس من اعتداءات وسياسات تستهدف الفلسطينيين وأرضهم ومقدساتهم. وفي هذا السياق، أرى أن مشاركة القوائم العربية في الكنيست تطرح أسئلة حول حدود تأثيرها، وكيفية موازنتها بين العمل البرلماني والموقف من السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المواقف داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل ليست واحدة، وأن مؤيدي المشاركة في الانتخابات قد ينطلقون من اعتبارات تتعلق بتمثيل المواطنين والدفاع عن حقوقهم اليومية، فيما يرى المعارضون أن إطار الكنيست لا يتيح تحقيق الحقوق الوطنية التي يطمح إليها الفلسطينيون. ويظل تقييم هذه المواقف مرتبطًا بمناقشة تجاربها ونتائجها الفعلية. عندما أعود إلى بيانات الحركة الإسلامية بين عامي 1992 و2015، أجد أن كثيرًا من القضايا التي طرحتها لا تزال حاضرة في النقاشات الراهنة: مكانة القدس والمسجد الأقصى، والأرض والمقدسات، والتمييز القومي، وأوضاع القرى غير المعترف بها، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين في الداخل. لكن الاستفادة من هذه الوثائق لا تعني الاكتفاء باستعادة المواقف التاريخية أو افتراض أن الظروف لم تتغير؛ بل تقتضي قراءة تلك المواقف في سياقها، ومقارنتها بما يجري اليوم، ومناقشة الأسئلة التي تفرضها المرحلة الحالية. لقد أكدت الحركة الإسلامية، في عدد من بياناتها، أن موقفها من انتخابات الكنيست يرتبط بفهمها العقائدي وحسها الوطني والقومي، وانتقدت دور الكنيست في السياسات التي تطال الفلسطينيين. وفي المقابل، تبنت قوى سياسية أخرى خيار المشاركة، انطلاقًا من رؤيتها لأدوات العمل السياسي والبرلماني. ومع اقتراب انتخابات 2026، يبقى السؤال الأهم، في تقديري، أوسع من مجرد المشاركة أو المقاطعة: كيف يستطيع الفلسطينيون في الداخل حماية حقوقهم اليومية والوطنية معًا؟ وكيف يمكن تطوير مؤسساتهم وأطر تمثيلهم، بما يضمن استقلالية قرارهم ويحفظ ارتباط قضاياهم بقضية الشعب الفلسطيني؟ إن العودة إلى الأرشيف ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لفهم الماضي ومناقشة الحاضر على أساس الوثائق، بعيدًا عن الاجتزاء والخلط بين المواقف المختلفة. ومن هنا، فإن بيانات الحركة الإسلامية السابقة تضع أمام القارئ سجلًا تاريخيًا يمكن الرجوع إليه لفهم موقفها، ومناقشة ما طرأ على المشهد السياسي من تحولات، وطرح الأسئلة التي ينبغي أن ترافق الانتخابات المقبلة.
المصدر: وكالة القدس