شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل تجاوز الاقتصاد الصيني صدمة مضيق هرمز بدعم التصنيع والصادرات؟ | صحيفة الاقتصادية

هل تجاوز الاقتصاد الصيني صدمة مضيق هرمز بدعم التصنيع والصادرات؟ | صحيفة الاقتصادية

تشير بيانات الاقتصاد الصيني إلى نمو أسرع في الربع الثالث من العام الجاري، على الرغم من اضطرابات إمدادات الطاقة المرتبطة بأزمة مضيق هرمز، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن فجوة واضحة بين قوة الإنتاج وضعف الاستثمار والطلب المحلي.وفقا لبيانات أولية نشرها المكتب الوطني الصيني للإحصاء اليوم الاثنين، فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري 107.1 تريليون يوان (نحو 16 تريليون دولار)، بنمو حقيقي قدره 4.6%.أما النمو السنوي في الربع الثالث وحده، فقد تسارع إلى 4.5 %، مقارنة بـ 4.3% خلال الربع الثاني من العام.تكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة، لأنها تظهر استمرار التوسع الاقتصادي خلال فترة تعرضت فيها أسواق الطاقة العالمية لاضطرابات حادة، وارتفعت فيها تكاليف النفط والنقل والتأمين البحري.فهذا الأداء يضع الاقتصاد الصيني على المسار الصحيح لتحقيق مستهدفه السنوي الذي حددته الحكومة لعام 2026، ويراوح بين 4.5-5%.لكن رغم الطفرة الكبيرة في الإنتاج الصناعي والصادرات، تظهر الأرقام الرسمية الصادرة اليوم أن الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري في الداخل لا يزالان متأخرين بشكل كبير. فقد تسارع نمو مبيعات التجزئة في سبتمبر إلى 1.1% على أساس سنوي من 0.4% في أغسطس، إلا أنها لا تزال متخلفة جداً عن نمو الإنتاج الصناعي, أما الاستثمار في الأصول الثابتة، فقد سجل انكماشا بنسبة 7.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، متأثراً بشكل مباشر بأزمة العقارات المستمرة، حيث هبط الاستثمار العقاري بنسبة حادة بلغت 20.6%.اقرأ أيضا: اقتصاد الصين يتسارع إلى 4.5% في الربع الثالث متجاوزاً التوقعات | صحيفة الاقتصاديةكيف تسارع النمو الصيني رغم الأزمة؟تتمثل إحدى أهم نقاط القوة الصينية في أن النمو لم يعد يعتمد على العقارات والبنية التحتية وحدهما، بل يستند أيضًا إلى قاعدة صناعية واسعة تشمل المعدات والبطاريات والروبوتات والإلكترونيات والتقنيات المتقدمة.تسارع النمو الصيني جاء مدعوما بقوة هذه القاعدة الصناعية، ونمو قطاعات التصنيع المتقدم، وقدرته على تعديل واردات النفط وتشغيل المصافي، بما يتناسب مع ظروف السوق. وفقًا لبيانات المكتب الوطني الصيني للإحصاء، فقد ارتفعت القيمة المضافة للإنتاج الصناعي للمؤسسات الكبرى بنسبة 5.3% على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من العاماقرأ أيضا: الصين لا تملك رفاهية خسارة السوق الأوروبية .. هل تراجعت خطوة للوراء؟ | صحيفة الاقتصاديةفي السياق، نما إنتاج الصناعات التحويلية عالية التقنية 14.3%، وزادت القيمة المضافة لصناعة المعدات 10.2%. كما ارتفع إنتاج معدات الطباعة ثلاثية الأبعاد 62.5%، وبطاريات الليثيوم 39.5%، والروبوتات الصناعية 29.1% على أساس سنوي. بحسب تحليل لمؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" نشر اليوم، فإن تحسن بعض بيانات سبتمبر يشير إلى استعادة الاقتصاد زخمًا في نهاية الربع الثالث، رغم التباين بين نمو الناتج المحلي ومؤشر النشاط الاقتصادي الذي تطوره المؤسسة.نمو إنتاج الروبوتات الصناعية في الصين ارتفع 29.1% على أساس سنوي في التسعة أشهر الأولى من العام : صورة من "رويترز" __2026-10-19T081627Z_915432352_RC2Z5OAMI2GN_RTRMADP_3_CHINA-ECONOMY-GDP-1792397947الصادرات تمنح الاقتصاد الصيني هامشًا للمناورةتوفر الصادرات قناة مهمة لتعويض ضعف الطلب المحلي، خصوصا عندما تكون الشركات الصينية قادرة على المنافسة من حيث التكلفة والطاقة الإنتاجية وتنوع المنتجات.الصادرات الصينية قفزت 21.3% على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام إلى 3.37 تريليون دولار.في المقابل، ارتفعت الواردات بنسبة 27.5% إلى 2.43 تريليون دولار، بفائض تجاري ضخم بلغ 938.1 مليار دولار.هذا الفائض يضع الصين على مسار كسر رقمها القياسي السنوي والاقتراب من حاجز 1.2 تريليون دولار بنهاية العام.اقرأ أيضا: محافظ "المركزي السعودي": تعزيز التعاون المالي الخليجي الصيني مهم | صحيفة الاقتصاديةتُظهر بيانات التجارة الصينية التي تناولتها "كابيتال إيكونوميكس" في تحليلها لتجارة السلع خلال سبتمبر أن نمو الصادرات والواردات تسارع، مع التنبيه إلى أن ارتفاع أسعار أشباه الموصلات وبعض السلع الأساسية يضخم القيمة الاسمية للتجارة. تكمن أهمية هذا العامل في أن الصين لا تواجه صدمة الطاقة من موقع اقتصاد يعتمد بالكامل على الاستيراد ثم الاستهلاك؛ بل من موقع قاعدة صناعية ضخمة تستطيع تصدير المعدات والمنتجات المصنعة والتقنيات، وتحقيق إيرادات بالعملات الأجنبية.الصادرات الصينية قفزت 21.3% على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام : "صورة من رويترز" China tradeكيف تعاملت الصين مع أزمة مضيق هرمز؟لم يكن التكيف الصيني مع أزمة الطاقة قائمًا على استمرار استيراد النفط بالمعدلات السابقة، بل شمل خفض المشتريات، والاستفادة من المخزونات، وتعديل نشاط التكرير، إلى جانب التحول التدريجي في مزيج الطاقة.وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فقد تراجعت واردات الصين من النفط الخام إلى متوسط 8.1 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026، بانخفاض 32% مقارنة بالربع الأول. في الوقت ذاته، هبطت الواردات في مايو ويونيو إلى أقل من 8 ملايين برميل يوميًا، للمرة الأولى منذ 2016، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز. بيانات وكالة الطاقة الدولية في تقرير سوق النفط الصادر في سبتمبر 2026 تشير إلى أن المخزونات النفطية العالمية المرصودة انخفضت بمقدار تراكمي بلغ 507 ملايين برميل منذ فبراير وحتى نهاية أغسطس، مع تسجيل الصين انخفاضًا في مخزوناتها ضمن الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. هذا يعني أن المخزونات ساعدت على امتصاص الصدمة، لكنها ليست موردًا غير محدود.3 مسارات ساعدت الصين على تجاوز أزمة هرمزتظهر أهمية هذه الأرقام في 3 مسارات رئيسية: إدارة الواردات، والاستفادة من المخزونات، وتنويع الطاقة.في المسار الأول، أدى خفض شراء النفط إلى تقلص التعرض الفوري للأسعار المرتفعة. لكنه قد يعكس أيضًا ضعف الطلب أو تقليص تشغيل المصافي، وليس بالضرورة تحسن الكفاءة وحده.أما المخزونات، فوفرت هامشا زمنيًا للتكيف مع تعطل بعض الإمدادات. غير أن السحب المستمر منها لا يمكن أن يحل محل تدفقات النفط بصورة دائمة.نمو مصادر الطاقة المحلية والمتجددة ساعد الصين على تقليل الاعتماد النسبي على الوقود المستورد في توليد الكهرباء. لكنه لا يلغي حاجة قطاعات النقل والبتروكيماويات والصناعة إلى النفط والمنتجات المكررة.بحسب المكتب الوطني الصيني للإحصاء، كانت مصادر الطاقة المتجددة قد مثلت نحو 60% من القدرة المركبة لتوليد الكهرباء في الصين بنهاية 2025.الاستهلاك والعقارات والاستثمار.. نقاط ضعف أساسيةرغم قوة الإنتاج، لا تقدم البيانات صورة متكاملة عن تعافٍ واسع النطاق في الاقتصاد الصيني. فبينما ارتفعت مبيعات التجزئة تراجع الاستثمار في الأصول الثابتة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، وانخفض الاستثمار في التطوير العقاري، وتراجعت مبيعات العقارات الجديدة.هذه الجوانب مهمة عند تقييم قدرة الصين على النمو، لأنها توضح أن قطاع الإنتاج أكثر قوة من بعض مكونات الطلب المحلي.فإذا استمرت الأسر في الحذر من الإنفاق، وتراجعت استثمارات الشركات، وظل قطاع العقارات تحت الضغط، ستحتاج الصين إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الصادرات والسياسات المالية الحكومية لتعويض الفجوة.وفقًا لتقرير مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي بشأن الصين، الصادر هذا العام، فإن الاقتصاد الصيني أظهر قدرة على الصمود أمام الصدمات، لكن استمرار ضعف الطلب المحلي وضغوط قطاع العقارات وارتفاع الديون يفرض تحديات على نموذج النمو. الصندوق حذر كذلك من أن الاعتماد المتزايد على الصادرات قد يفاقم الاختلالات الخارجية، خصوصًا في ظل التوترات التجارية.ماذا تقول المؤسسات الدولية عن قدرة الصين على مواصلة النمو؟تدعم التقديرات الدولية فكرة أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة أكبر من المتوقع أمام صدمة الطاقة، لكنها لا تشير إلى اختفاء المخاطر.وفقًا لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي الصادر في أكتوبر الجاري، يُتوقع نمو الاقتصاد العالمي 3.1% في 2026، مع ارتفاع التضخم العالمي إلى 4.7%، في ظل اضطرابات جيوسياسية ومخاطر مرتبطة بالتجارة والمالية العامة. لكن قدرة الصين على تجاوز التوقعات في ربع واحد ينبغي قراءتها إلى جانب مؤشرات الإنتاج والتجارة والاستثمار والاستهلاك، لا باعتبارها دليلًا منفردًا على انتهاء أثر الأزمة.فتراجع الاستثمار في الأصول الثابتة والعقارات، وضعف نمو مبيعات التجزئة، واستمرار مخاطر الديون والتوترات التجارية، تحد من القدرة على تحويل النمو الحالي إلى تعافٍ أكثر توازنًا.لن يكون الاختبار الأهم في الأشهر المقبلة مجرد تسجيل معدل نمو يتجاوز توقعات المحللين، بل قدرة الصين على الحفاظ على نمو الإنتاج والصادرات بالتزامن مع تحسن الاستهلاك والاستثمار الخاص، وتجنب استنزاف مخزونات الطاقة، وتقليل تعرضها لاضطرابات الإمدادات والتجارة العالمية.

المصدر: الاقتصادية