شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

لا تعطوا الحرب فرصة!

لا تعطوا الحرب فرصة!

تحليل ورأيلا تعطوا الحرب فرصة!١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ | 1:00 مساءً محمد حسنكاتب وباحث سوريلا تعطوا الحرب فرصة! أثير - محمد حسنإذا أردنا أن نصغي إلى صوت التاريخ يتردد في مجهولٍ ما، يسألُ ذاتيته حول تاريخ الجنس البشري الذي أصابه بالحيرة رغم الوضوح والدقة التي لطالما تغنى بها التاريخ عن نفسه. ما هو تاريخ البشرية؟ يجيب إنّه تاريخ الحرب، لا أكثر. السلام هو الاستثناء، فيما الحرب هي الثابت في تاريخ البشر. يدرك التاريخ في مسيرته الهيغلية طريقة تفكير البشر أكثر من البشر أنفسهم، فإذا عدنا قليلاً إلى نهاية السبعينات وفي خضم الحرب الباردة، حين طوّر منظّرو البنتاغون نظرية التعامل مع ما أسموه النزاعات منخفضة الحدة، والتي تم تعريفها بأنها تلك النزاعات التي تنشأ بين دولتين، أو بين مجموعات مختلفة داخل الدولة الواحدة، ويقوم مبدأ التعامل مع تلك النزاعات على تغذية الصراع والتحكم فيه إستراتيجياً، بحيث يبقى في مرحلة معينة، أي الـ بين بين، بحيث لا تنتهي معها الحرب ولا ينتج عنها السلام، فكل ما يستلزمه الأمر هو تسعير الحرب باستمرار، مع التحكم في مسارها حتى تخسر كل الأطراف. على أنّ أبرز تمظهرات هذا المفهوم تتجلى في نظرية “امنحوا الحرب فرصة” والتي صاغها الأميركي إدوارد لوتواك في مقاله المنشور في مجلة فورين أفيرز الأميركية عام 1999، تحت عنوان: “امنحوا الحرب فرصةً Give War a Chance” والذي دعا فيه القوى الدولية المتنفذة، وخصّ فيها بطبيعة الحال أمريكا التي كانت تتسيّد المشهد العالمي في حينها بدون منازع، إلى الكفّ عن السعي إلى وقف الحروب في العالم الثالث، وشرح لوتواك نظريته الدموية في العلاقات الدولية في بداية مقاله قائلاً: “رغم أن الحرب شرٌّ مستطير، فإن فيها فضيلة عظيمة، وهو أنها يمكن أن تحل الصراعات السياسية، وتقود إلى السلام. ويمكن أن يحدث هذا حين يصبح المتحاربون مُنهَكين، أو حين ينتصر أحدهم نصراً ساحقاً. وفي الحالتين يجب أن يستمر القتال حتى يتم التوصل إلى حل”، فالحرب برأيه تجلب السلام فقط حين يتجاوز العنف المتراكم ذروته، كما عاتب لوتواك منظمة الأمم المتحدة لأنها لا تسمح للحروب بين الأمم الصغيرة باستكمال مسارها الطبيعي!. لندع لوتواك يتابع شرح نظريته دون تدخل منّا، لنرى أين يريد أن يصل وكيف يعلل كلماته التي يتردد صداها اليوم في أروقة الغرف المغلقة التي تقرر إشعال فتيل الحروب وتحرص على إبقاء نارها مشتعلة، فوقف إطلاق النار وفق تلك النظرة لا يُنهي الحرب، بل يُجمّدها، ويترك أسبابها في التربة لتنبت من جديد، أما إذا تُركت الحرب لتصل إلى منتهاها، فإنّها تخلق ميزاناً جديداً، وتفرض واقعاً مختلفاً، يسعى أصحاب هذه النظرة إلى تكريسه بشكل دائم ومستمر، فبحسب لوتواك " إنّ إحدى الحقائق المُرّة التي يتم التغاضي عنها عادةً، هي أن للحرب، رغم كونها ابتلاءً شديداً، فائدة عظيمة، وهي أنها قادرة على حل النزاعات السياسية وتقود في نهاية الأمر إلى السلام، والذي يمكن أن يحدث عندما يُرهق كل المتحاربين أو عندما يحظى أحدهم بنصرٍ حاسم. وفي كل الحالات، يظل مربط الفرس هو ضرورة استمرار القتال حتى الوصول إلى خواتيمه، إذ تأتي الحرب بالسلام فقط بعد تجاوز مرحلة متراكمة من العنف، ولابد أن يختفي الأمل بالنجاح العسكري لكي يصبح التكيّف خياراً أكثر جاذبية من مواصلة القتال. ولكن، منذ تأسيس الأمم المتحدة وتكريس مجلس الأمن لصراعات القوى العظمى، لم تُمنح صراعات القوى الأصغر فرصة لتأخذ مجراها الطبيعي إلاّ فيما ندر، وبدلاً من ذلك، أصبحت الهدن وحالات وقف إطلاق النار تُفرَض بصورة متكررة تحت رعاية مجلس الأمن بغرض إيقاف القتال، وبالتالي تتوقف هذه الصراعات في مرحلة مبكرة، قبل أن تستهلك أطرافها، الفاعلة والمنفعلة في آن واحد، أنفسها بما يؤسس للشروط اللازمة لتحقيق تسوية دائمة“. يميل وقف إطلاق النار، دائماً بحسب لوتواك، إلى إيقاف الإرهاق والاستنزاف الناتج عن الحرب، ويمنح أطرافها فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم وإعادة تسليح قواتهم، وقد وضع لوتواك أمثلة تنطبق عليها تلك الآلية، منها الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1948-1949، والتي كان يمكن أن تنتهي في أسابيع لو لم يمنح قراران أصدرهما مجلس الأمن، بوقف إطلاق النار، المتحاربين فرصة للتعافي، ويتابع تطبيق نموذجه على ما جرى في حرب البلقان، حيث قاطع، من وجهة نظره، وقف إطلاق النار القتال بين الصرب والكروات في كرايينا، وبين ما تبقى من الاتحاد اليوغوسلافي والجيش الكرواتي، وبين الصرب والكروات والمسلمين في البوسنة. ففي كل مرة من تلك الحالات، استخدم الخصوم حالة التوقف لحشد المزيد من المقاتلين، وتدريبهم، وتجهيز قوات إضافية لمزيد من القتال، مما أطال الحرب ووسّع نطاق القتل والتدمير الناتج عنها، في حين قامت الهدن المفروضة، في حال لم تتبعها اتفاقيات سلام نهائية، بتجميد الصراع بصورة مصطنعة وإنتاج حالة حرب مستمرة، وذلك بحمايتها للطرف الأضعف من عواقب رفضه تقديم التنازلات اللازمة للسلام. فهو يرى أنه من الأفضل للجميع أن تُترك الحروب الصغرى لتستهلك نفسها، ويطلب من الأمم المتحدة أن تساعد الطرف القوي للانتصار على الطرف الضعيف بصورة أسرع وأكثر حسماً، مما يساهم في تعزيز قدرة الحرب على صناعة السلام. لا يمجّد لوتواك الحرب لأجل الدم والشر، بل لأجل ما يعتقد أنها الحقيقة، ولعل أكثر ما يُدهش هو أنّ أفكاره، التي قوبلت بازدراء من النخب الدبلوماسية في حينها، تجد اليوم صدى في ميادين الواقع، وربما يظن البعض أن نظرية لوتواك نظرية متماسكة تندرج ضمن ما يسمى النظريات الواقعية في العلاقات الدولية. لكن إذا ما تأملنا في الأمثلة التي أوردها لتلميع نظريته سنجد أنه قصرها على ما أسماه الحروب بين " الأمم الصغيرة “، وهي نظرة استعلائية انتقائية غايتها استنزاف الأمم التي يعتقد أنها أقل من أن تستحق الحياة على قدم المساواة مع القوى الكبرى، وتمييزه ينطلق من ركيزة واضحة، ليست على أساس حضاري، وإنما القوة ولا شيء سوى القوة، عن طريق فرض أمر واقع يحكمه تطبيق شريعة الغاب وإهمال وتجاوز كل ما من شأنه الوقوف في وجه تلك القوة حتى لو كانت الشرعية الدولية أو القواعد الناظمة للمجموعة الدولية، فتحيزات لوتواك الدينية والثقافية والسياسية، خصوصاً خلفيته الصهيونية، هي الفيصل بين الحروب التي يجب تركها على أعنَّتها والحروب التي يجب وقفها فوراً، وذلك يتضح بشكل جلي من الأمثلة التي ذكرها والتفسيرات التي وضعها، فالقوى الدولية كان يجب أن لا توقف الحرب بين الدول العربية وإسرائيل عام 1948 التي كانت ستنتهي بانتصار حاسم لإسرائيل حسب تقديره. من ثم عاد لوتواك إلى الظهور مرة ثانية من بوابة الحرب السورية حيث كتب مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز عام 2013 دعا فيه من جديد إلى تطبيق نظريته، حيث جاء مقاله بعنوان واضح دون أي مواربة أو استحياء، “في سوريا: تخسرُ أميركا إذا كسبَ أيّ من الأطراف”، وفيه شرح لوتواك أنّ الاستنزاف الطويل الأمد في هذه المرحلة من الصراع هو المسار الوحيد الذي لا يضرُّ المصالح الأميركية، ولو قُدِّر لِـ لوتواك أن يكتب اليوم سيجد حالة نموذجية لتطبيق نظريته على الحروب المنتشرة في العالم اليوم، وما إهمال قواعد القانون الدولي وازدراء الدبلوماسية والحروب من خارج الأمم المتحدة والضرب بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية وأحكام المحاكم الدولية سوى تطبيق أمين لتلك النظرية المتوحشة، والتي نجد آثاراً منها في كل من الحرب الروسية الأوكرانية التي مازالت ترهق العالم منذ ما يزيد على أربع سنوات ونصف، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على العالم بأسره نتيجة إغلاق مضيق هرمز واستمرارها بشكلها الهجين بين اللاسلم واللاحرب وحالة الترقب المستمر لجولة أخرى من التصعيد لا يمكن لأحد أن يتوقع أين ستنتهي، دون أن نغفل الانقلاب المتعمد في كل مرة على طاولة المفاوضات والوساطات واتفاقيات السلام كما لو أنها لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، وليس آخراً الحرب اليمنية التي بدأت منذ أكثر من عشر سنوات وتصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة، وبالطبع الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تتوقف في كل من فلسطين وسورية ولبنان. ليست نظرية لوتواك “منح الحرب فرصة” بجديدة على الاستراتيجية الأميركية في منطقتنا المنكوبة بالاختراق الاستراتيجي المعادي لشعوبها، ولا كان لوتواك أول من فكَّر في هذه النظرية، فقد سبقه هنري كيسنجر إليها وكان ممن دفعوا أميركا إلى تطبيق منطق الحرب العدمية على الحرب العراقية الإيرانية، فقد كان كيسنجر يقول فيما نقلته عنه صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) عام 1986: “إن المصلحة العليا لأميركا في الحرب العراقية-الإيرانية هي أن يخسر الطرفان”، ومن الواضح أنّ دُعاة إعطاء الحرب فرصة، من كيسنجر إلى لوتواك يعبرون عن الهوى الإسرائيلي أكثر مما يحملون همّ المصلحة الأميركية، وما “المصلحة الأميركية” التي تتردد على ألسنتهم سوى غلاف شفّاف تتستر وراءه مطامع الدولة اليهودية ومطامحها إلى إبقاء هذه المنطقة في حالة تمزق أبدي. يجب أن يعلم الجميع أنّ السياسة هي فنُّ بناء المساحات المشتركة، أما السائرون في ركب الهوى الأميركي الإسرائيلي، وذلك بوعي منهم أو بغير وعي، فهم شركاء في استمرار الحروب العدمية اليوم والتي ستكون نتائجها مصيرية للمنطقة، وليس بالبعيد أن يكونوا أول ضحاياها في الغد حين ينتهي دورهم الوظيفي المَقيت.الأولىشارك هذا الخبر

المصدر: أثر