قراءة جديدة لشخصية جيرترود مولر في سويسرا
تكرم سويسرا الرائدة النسائية جيرترود مولر (1888-1980) من خلال مجموعة من الإصدارات والفعاليات، أهمها المعرض الذي افتتح أخيراً في متحف الفنون الجميلة في مدينة بال تحت عنوان "جامعة الأعمال الفنية، الرائدة جيرترود مولير"، يضم 80 لوحة لفنانين عالميين إلى جانب الصور الفوتوغرافية والوثائق التاريخية.
من هي جيرترود مولير؟
يعرفها مؤرخو الفنون الحديثة كمقتنية لأعمال الفنانين الذين مهدوا للحداثة، ويتمتعون اليوم بشهرة عالمية، منهم فنسنت فان غوغ وبول سيزان وغوستاف كليمت. يقدم المعرض قراءة جديدة لسيرتها الشخصية لتأكيد تميزها كشخصية استثنائية متعددة المواهب وسابقة لعصرها.
ولدت في كنف عائلة ثرية، لكنها فقدت والديها في سن الطفولة، وورثت عنهما ثروة كبيرة، مما مكّنها من التفرغ باكراً لهواياتها من دون رقابة من الأهل. اهتمت بالفنون منذ سنّ المراهقة، وسمحت لها الاستقلالية المادية باقتناء لوحة لفان غوغ عام 1908، وكانت في العشرين من عمرها. أنجز الفنان الهولندي هذه اللوحة الحاضرة في المعرض عام 1889، وتمثل بورتريها للممرض شارل إيلزيار، الذي ساهم في رعايته عندما كان في المصح في الجنوب الفرنسي قبل وفاته وهو في السابعة والثلاثين من عمره.

استمرت جيرترود مولر في اقتناء أعمال الفنانين الرواد، فتمكّنت من تشكيل نواة مجموعة نادرة من الفن الحديث في سويسرا ضمّت لوحات لفرنسيين كبار، منهم بول غوغان وبول سيزان وهنري ماتيس، بالإضافة إلى أعمال لأهم الفنانين السويسريين المعاصرين لها، بينهم كونو أميي وأليس بايي وجيوفاني جياكوميتي، والد الفنان الشهير ألبرتو جياكوميتي. نشاهد هذه الأعمال الجميلة اليوم في المعرض المقام في متحف مدينة بال، وهي تعكس مدى انفتاح جيرترود مولر على تيارات الحداثة الأوروبية من دون التزام جنسية محددة للفنانين. يبين المعرض أيضاً كيف دعمت مشروعها الفني بشبكة من العلاقات الشخصية تجاوزت حدود العلاقات التي تجمع عادة بين الفنان ومقتني أعماله؛ فارتبطت بصداقة متينة مع بعض الفنانين السويسريين، أولهم فردينان هودلير (1853-1918)، الذي رسمها في عشرات اللوحات، وفي وضعيات مختلفة. كان بينهما أيضاً مراسلات غير رسمية عكست روح الصداقة بينهما.
في موازاة حب الفن كانت جيرتريد مولر مفتونة بالسيارات، وهي أول امرأة تقود سيارة في سويسرا. ونشاهد في المعرص صورة جميلة لها في سيارتها المكشوفة من طراز "بيكار بيكتيه"، قامت فيها برحلات طويلة إلى عدد من العواصم الأوروبية كباريس وروما وفيينا، وإلى جبال الألب العالية حيث كانت تمارس رياضة التسلق.

بقي أخيراً نشاطها كمصورة فوتوغرافية، إذ تطالعنا في المعرض عشرات الصور التي التقطتها عدستها عند لقائها الفنانين من أصدقائها؛ وكذلك خلال رحلاتها وأسفارها مع تفاصيل من حياتها اليومية.

يتيح المعرض لزواره تعرّف شخصية نسائية بارزة، تمتّعت في شبابها بقدر كبير من الحرية والاستقلالية، في زمن كانت فيه المرأة مقيّدة بالتقاليد الذكورية الموروثة، ولم يكن متاحاً لها حتى الدراسة في المعاهد الفنية أو السفر بمفردها إلى الدول البعيدة. وللتذكير، حصلت المرأة السويسرية على الحق في التصويت في الانتخابات الاتحادية عام 1971.
المصدر: النهار