من الصين إلى عُمان (3-8)
من القرية المستهلكة إلى القرية المنتجة الطليعة الشحرية إذا كانت التجربة الصينية قد كشفت عن أهمية المرونة المحلية في اختبار السياسات التنموية، فإن أحد أكثر ميادينها دلالة على التحول الاقتصادي والاجتماعي هو الريف؛ حيث لم تقتصر التغيرات التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية على تطوير البنية الأساسية وتحسين الخدمات، وإنما امتدت إلى إعادة تشكيل الوظيفة الاقتصادية للقرية نفسها؛ فقد انتقلت مناطق ريفية عديدة من الاعتماد الأساسي على الزراعة التقليدية إلى أنشطة إنتاجية أكثر تنوعًا، وأصبحت بعض القرى والبلدات جزءًا من شبكات صناعية وتجارية ورقمية تتجاوز حدودها الجغرافية. ولم يكن هذا التحول متساويًا في جميع المناطق، لكنه قدم نماذج مهمة لفهم العلاقة بين الإدارة المحلية والموارد الاقتصادية وقدرة المجتمعات الريفية على إنتاج فرصها التنموية. وفي المقال السابق من هذه السلسلة، تناولنا مفهوم "التجريب تحت الهرمية" بوصفه أحد الأطر التي تساعد على تفسير كيفية اختبار بعض السياسات والحلول محليًا ضمن النظام الإداري الصيني. غير أن قيمة هذا المنهج لا تتحدد بقدرته على تطوير إجراءات الإدارة أو تحسين آليات صنع القرار فحسب، وإنما بما يمكن أن يترتب عليه من تحولات في الاقتصاد والمجتمع. ومن هنا يصبح الانتقال إلى الريف ضروريًا لفهم النتائج العملية لبعض الإصلاحات الصينية، لأن القرية تمثل مستوى يمكن من خلاله ملاحظة العلاقة المباشرة بين السياسات العامة وفرص العمل والدخل وحركة السكان واستدامة النشاط الاقتصادي. ولفهم هذا التحول، ينبغي العودة إلى بدايات الإصلاح الاقتصادي الصيني في أواخر سبعينيات القرن العشرين، عندما بدأت الدولة مراجعة بعض آليات إدارة الإنتاج الزراعي، وتوسعت تدريجيًا في تطبيق نظام مسؤولية الأسرة الزراعية الذي منح الأسر مساحة أكبر في تنظيم إنتاجها والاستفادة من عوائده ضمن الإطار المؤسسي القائم. وقد ساعدت هذه الإصلاحات على تحسين الحوافز الإنتاجية ورفع كفاءة النشاط الزراعي، لكنها كشفت أيضًا عن تحدٍ تنموي أوسع؛ فزيادة الإنتاج الزراعي وحدها لا تكفي لاستيعاب التحولات السكانية وتوفير فرص عمل متنوعة في المناطق الريفية، خصوصًا مع اتساع الفجوة بين متطلبات الاقتصاد الحديث والأنشطة التقليدية التي قامت عليها حياة القرى. وفي هذا السياق، برزت المؤسسات الصناعية في البلدات والقرى، المعروفة في الأدبيات الاقتصادية باسم Township and Village Enterprises، بوصفها إحدى الظواهر المهمة في مسار الإصلاح الصيني. فقد ساهمت هذه المؤسسات، التي اتخذت أشكالًا مختلفة من الملكية والإدارة، في توسيع النشاط الاقتصادي غير الزراعي داخل المناطق الريفية، ووفرت فرصًا للعمل في الصناعات التحويلية والخدمات والأنشطة المرتبطة بالإنتاج والتجارة. ولم تكن أهميتها مقتصرة على حجم الإنتاج الذي حققته، بل في أنها ساعدت على إعادة تعريف العلاقة بين الريف والصناعة، وأظهرت أن النشاط الصناعي لا يشترط دائمًا الانتقال الكامل إلى المدن الكبرى، وأن بعض المناطق الريفية تستطيع تطوير قواعد إنتاجية تستفيد من العمالة المحلية والموارد المتاحة والارتباط بالأسواق الإقليمية. ومع ذلك، فإن نشوء هذه المؤسسات لا يمكن تفسيره باعتباره نتيجة مباشرة للامركزية الإدارية وحدها. فقد تداخلت في تطورها إصلاحات السوق والحوافز الاقتصادية والتحولات في أنماط الملكية والإدارة، إلى جانب دور الحكومات المحلية في بعض المناطق في تعبئة الموارد وتطوير البنية الأساسية وتسهيل النشاط الاقتصادي. كما تفاوتت نتائجها بين الأقاليم، وواجهت قطاعات منها تحديات تتعلق بالكفاءة والمنافسة والتحولات اللاحقة في الاقتصاد الصيني. لكن التجربة، في مجملها، قدمت درسًا مهمًا يتمثل في أن الريف يمكن أن يصبح مجالًا لتنوع الأنشطة الاقتصادية، لا مجرد امتداد للإنتاج الزراعي أو منطقة لتوفير العمالة للمدن. وقد اتخذ هذا التحول أبعادًا جديدة مع توسع البنية الأساسية وشبكات النقل والاتصالات واندماج الاقتصاد الصيني بصورة أعمق في الأسواق المحلية والعالمية. فلم تعد الفرص الاقتصادية الريفية مرتبطة فقط بقرب القرية من المصانع أو المراكز الحضرية، بل أصبحت تتأثر كذلك بقدرتها على الوصول إلى المستهلكين وسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية والمنصات الرقمية. وهنا ظهر نموذج مختلف في بعض المناطق الصينية، لم يعتمد بالضرورة على إنشاء مصانع كبيرة أو نقل النشاط الاقتصادي إلى المدن، وإنما على تمكين المنتجين والتجار المحليين من الوصول إلى الأسواق عبر التجارة الإلكترونية. ومن أبرز الأمثلة على هذا التحول ما عُرف باسم "قرى تاوباو"، وهي تجمعات ريفية نشأ فيها نشاط تجاري إلكتروني كثيف ارتبط باستخدام المنصات الرقمية لبيع المنتجات والوصول إلى أسواق أوسع. وقد حددت الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة معايير لتمييز هذه القرى، من بينها حجم المبيعات الإلكترونية ونسبة الأسر المشاركة في النشاط التجاري الرقمي. وبحسب دراسة مشتركة للبنك الدولي ومجموعة علي بابا، ارتفع عدد قرى تاوباو من عشرين قرية عام 2013 إلى أكثر من 3 آلاف قرية عام 2018، وهو توسع يعكس سرعة انتشار هذا النمط الاقتصادي خلال تلك المرحلة. ولا تكمن أهمية هذه التجربة في عدد المتاجر الإلكترونية التي ظهرت داخل القرى، وإنما في التحول الذي طرأ على العلاقة بين المنتج الريفي والسوق. فقد أصبح بإمكان بعض المشروعات الصغيرة الوصول إلى المستهلكين خارج نطاقها الجغرافي المباشر، وتطورت حول هذا النشاط خدمات مرتبطة بالتعبئة والتغليف والتخزين والنقل والتسويق والتصوير وإدارة الطلبات. ومع اتساع النشاط، لم تعد التجارة الإلكترونية مجرد وسيلة لبيع المنتجات، بل أصبحت في بعض التجمعات أساسًا لتكوين منظومة اقتصادية محلية تضم أنشطة إنتاجية وخدمية مترابطة. غير أن التكنولوجيا، على أهميتها، لم تكن العامل الوحيد وراء نجاح هذه النماذج. فوجود منصة إلكترونية لا يحول القرية تلقائيًا إلى مركز تجاري، كما أن إتاحة الاتصال بالإنترنت لا تضمن قدرة المنتجين على المنافسة. لقد ارتبط نجاح العديد من التجمعات الريفية الرقمية بتوافر شبكات النقل والخدمات اللوجستية والمهارات التجارية والقدرة على تطوير المنتجات والاستجابة لاحتياجات المستهلكين. كما لعبت البيئة المؤسسية المحلية دورًا متفاوتًا في توفير التدريب وتسهيل الأعمال وربط المشروعات الصغيرة بالخدمات والأسواق. وبذلك تكشف التجربة أن الاقتصاد الرقمي لا يلغي أهمية البنية المادية والمؤسسات المحلية، بل يعيد تشكيل العلاقة بينها. وهنا تبرز مسألة جوهرية في فهم القرية المنتجة؛ إذ لا يكفي أن تحتضن القرية نشاطًا اقتصاديًا ناجحًا لكي تصبح اقتصادًا محليًا مستدامًا. فقد يحقق مشروع منفرد أرباحًا مرتفعة من دون أن يخلق فرص عمل واسعة للسكان، وقد ترتفع المبيعات بينما تذهب معظم القيمة الاقتصادية إلى موردين أو وسطاء خارج المنطقة. كما قد يعتمد النشاط على دعم مؤقت أو على طلب استثنائي يصعب استمراره. ولذلك فإن الحكم على نجاح التنمية الريفية ينبغي أن يتجاوز عدد المشروعات وحجم المبيعات إلى طبيعة القيمة التي تبقى داخل المجتمع المحلي، ومدى قدرة النشاط الاقتصادي على خلق وظائف مستقرة وتنمية المهارات وتوليد استثمارات جديدة. ومن هذا المنظور، يمكن التمييز بين وجود الإنتاج داخل القرية وبين نشوء اقتصاد محلي حوله. ففي الحالة الأولى قد تكون القرية مجرد موقع لنشاط اقتصادي، بينما تصبح في الحالة الثانية جزءًا فاعلًا من منظومة إنتاجية تتفاعل فيها الموارد البشرية والمشروعات والخدمات والأسواق. ويزداد هذا الفرق وضوحًا عندما تنشأ علاقات تكامل بين المنتجين المحليين، وتتطور خدمات مساندة للنشاط الأساسي، وتظهر فرص لمشروعات جديدة تستفيد من المعرفة والخبرة المتراكمة داخل المجتمع. وعندئذ لا يعود نجاح القرية مرتبطًا بمشروع واحد، بل بقدرتها على تجديد نشاطها الاقتصادي والتكيف مع تغير الأسواق. وتقدم التجربة الصينية في هذا الجانب تصورًا مختلفًا عن بعض المقاربات التقليدية للتنمية الريفية التي تنطلق من تحسين البيئة العمرانية والخدمات بوصفها المؤشر الرئيسي للتقدم. فالبنية الأساسية شرط ضروري لتحسين الحياة وجذب النشاط الاقتصادي، لكنها لا تمثل وحدها ضمانًا للاستدامة. قد تصبح القرية أكثر تنظيمًا وجمالًا، وتتحسن طرقها ومرافقها العامة، من دون أن يتغير موقعها الاقتصادي أو تتسع فرص العمل فيها، أما التحول الأعمق فيحدث عندما تتكامل الاستثمارات في الخدمات والبنية الأساسية مع نشاط إنتاجي قادر على توليد الدخل وتوسيع الفرص أمام السكان. وهذا لا يعني التقليل من أهمية الاستثمار الاجتماعي والبيئي، بل على العكس؛ إذ إن الاقتصاد المحلي المستدام يحتاج إلى بيئة معيشية جاذبة وخدمات تعليمية وصحية مناسبة وبنية أساسية قادرة على دعم الأنشطة الاقتصادية، كما يحتاج إلى إدارة رشيدة للموارد الطبيعية؛ خصوصًا في المناطق التي يعتمد نشاطها على الزراعة أو السياحة أو الصناعات المرتبطة بالبيئة. فالاستدامة لا تتحقق بزيادة الإنتاج وحدها إذا كان ذلك يؤدي إلى استنزاف المياه أو تدهور الأراضي أو ارتفاع التكاليف البيئية والاجتماعية التي يتحملها المجتمع لاحقًا، ومن ثم، فإن القرية المنتجة ليست بالضرورة القرية التي تحقق أعلى عائد اقتصادي في المدى القصير، وإنما تلك التي تستطيع المحافظة على قدرتها الإنتاجية وتحسين مستوى معيشة سكانها من دون استنزاف المقومات التي يقوم عليها مستقبلها. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند النظر إلى تنوع التجارب الريفية الصينية. فقد استطاعت بعض المناطق تطوير تخصصات صناعية أو تجارية واضحة، بينما اتجهت مناطق أخرى إلى السياحة الريفية أو الزراعة المتخصصة أو الصناعات الغذائية والحرفية. ولم يكن من الممكن أن تحقق جميع القرى النتائج نفسها، لأن نجاح كل نموذج ارتبط بدرجات متفاوتة بالموقع والموارد والبنية الأساسية والمهارات والقرب من الأسواق والقدرة على جذب الاستثمار. ولذلك فإن القيمة الأهم لهذه التجارب لا تتمثل في تقديم نموذج موحد للقرية المنتجة، وإنما في تأكيد أن التنمية الريفية يمكن أن تتخذ مسارات متعددة، وأن تحديد المسار المناسب ينبغي أن يبدأ من فهم خصائص المكان لا من تكرار مشروعات أثبتت نجاحها في أماكن أخرى. وهنا تلتقي التجربة الريفية مع الفكرة التي تناولها المقال السابق حول التجريب المحلي. فكما أن المحافظة تستطيع اختبار حلول إدارية وتنموية تتناسب مع ظروفها، يمكن للقرية أن تصبح مجالًا لاكتشاف نشاط اقتصادي يرتبط بمواردها وقدرات سكانها. غير أن نجاح هذا المسار يتطلب وجود علاقة تكامل بين مستويات الإدارة المختلفة، لأن القرية لا تستطيع دائمًا توفير البنية الأساسية أو الخدمات اللوجستية أو التدريب أو الوصول إلى الأسواق بصورة مستقلة. وقد يكون دور المحافظة أو المدينة القريبة حاسمًا في إنشاء المرافق المشتركة وربط القرى بسلاسل القيمة وتوفير البيئة التنظيمية التي تسمح للمشروعات الصغيرة بالنمو. ومن ثم، فإن القرية المنتجة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها وحدة اقتصادية معزولة، بل جزءًا من منظومة تنموية أوسع تتوزع فيها الأدوار بين القرية والبلدة والمحافظة والمدينة. فقد تتخصص قرية في إنتاج سلعة معينة، بينما تتوافر خدمات التصنيع أو التخزين أو التسويق في مركز قريب، وتتكامل هذه الأنشطة مع شبكات النقل والأسواق الإقليمية والوطنية. وفي مثل هذا النموذج، لا تتحدد قوة القرية بحجمها السكاني أو قدرتها على امتلاك جميع عناصر الإنتاج داخل حدودها، وإنما بموقعها داخل شبكة اقتصادية تسمح لها بالاستفادة من مواردها والمشاركة في خلق القيمة. وهذه الفكرة تستحق التأمل في السياق العُماني؛ حيث تتوزَّع القرى والتجمعات السكانية على بيئات جغرافية واقتصادية شديدة التنوع، من المناطق الساحلية والزراعية إلى الجبلية والصحراوية، ومن الواحات والقرى التراثية إلى التجمعات المرتبطة بالأنشطة البحرية والرعوية. ولا يمكن التعامل مع هذا التنوع من خلال تصور واحد للتنمية الريفية، كما لا ينبغي افتراض أن جميع القرى مطالبة بالتحول إلى مراكز سياحية أو صناعية. فبعضها قد يمتلك فرصًا في الزراعة المتخصصة والصناعات الغذائية، وبعضها في الحرف والمنتجات المحلية، وأخرى في الخدمات السياحية أو الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد البحري، بينما قد تكون الميزة الاقتصادية لبعض التجمعات في ارتباطها الوظيفي بمدينة أو مركز إنتاج قريب. وفي ظل التوجه نحو تعزيز التنمية المحلية في سلطنة عُمان، يصبح السؤال متعلقًا بكيفية تحويل هذا التنوع إلى فرص اقتصادية قابلة للدراسة والتطوير؛ فبدل أن يبدأ التفكير التنموي من تحديد مشروع يراد تنفيذه في قرية معينة، يمكن أن يبدأ بتحليل مواردها ومهارات سكانها وعلاقتها بالأسواق والبنية الأساسية المحيطة بها، ثم تحديد الأنشطة التي تمتلك فرصة حقيقية للنمو. وقد يتطلب ذلك تطوير مشروع قائم بدل إنشاء مشروع جديد، أو ربط مجموعة من القرى بنشاط اقتصادي مشترك، أو توفير خدمة لوجستية وتسويقية تسمح لمنتجين صغار بالوصول إلى أسواق أوسع. ولا يقتصر دور الإدارة المحلية في هذا التصور على توفير التمويل أو إنشاء المرافق، وإنما يمتد إلى بناء البيئة التي تسمح للمجتمع بالمشاركة في النشاط الاقتصادي؛ فالاستدامة تتطلب أن يكون السكان جزءًا من عملية الإنتاج والاستثمار واتخاذ القرارات المرتبطة بمستقبل المكان، وأن تتوافر فرص حقيقية للمؤسسات الصغيرة ورواد الأعمال والنساء والشباب للاستفادة من الموارد المحلية. كما أن نجاح أي مبادرة ينبغي أن يقاس بقدرتها على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية مستمرة، لا بمجرد اكتمال المشروع أو افتتاحه. ومن هنا يظهر فرق مُهم بين التنمية التي تصل إلى القرية والتنمية التي تنشأ من داخلها. ففي الحالة الأولى يكون المجتمع المحلي متلقيًا رئيسيًا للمشروعات والخدمات، أما في الثانية فيصبح شريكًا في تحديد الفرص واستثمار الموارد وإنتاج القيمة ولا يعني ذلك تراجع مسؤولية الدولة عن توفير الخدمات الأساسية أو ضمان العدالة بين المناطق، وإنما تطوير العلاقة بين الاستثمار العام والمبادرة المحلية، بحيث تصبح البنية الأساسية والخدمات أدوات لتمكين النشاط الاقتصادي والاجتماعي، لا غايات منفصلة عن مستقبل المكان. لكنَّ بناء اقتصاد ريفي منتج يطرح تحديًا يتجاوز الموارد والاستثمارات والتكنولوجيا، ويتعلق بالإنسان الذي يفترض أن يقود هذا التحول ويحافظ على استمراره. فقد تنجح قرية في إنشاء مشروع اقتصادي أو تطوير نشاط سياحي أو تجاري، لكنها تظل معرضة لفقدان قدرتها على النمو إذا استمر شبابها في مغادرتها بحثًا عن فرص العمل والحياة في المدن الكبرى. وقد تتحسن المؤشرات الاقتصادية من دون أن تنشأ بيئة اجتماعية ومهنية قادرة على جذب المهارات ورواد الأعمال أو تشجيع الأجيال الجديدة على العودة. وهنا تكتسب الاستدامة الريفية معناها الأكثر عمقًا؛ فالمكان لا يصبح منتجًا فقط لأنه يمتلك مشروعًا أو سوقًا أو منشأة صناعية، وإنما عندما يستطيع تحويل نشاطه الاقتصادي إلى فرص معيشية ومهنية تجعل الاستقرار فيه خيارًا ممكنًا وجاذبًا. وعندئذ تتجاوز التنمية مسألة إنتاج السلع والخدمات إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الطموح الفردي والفرصة الاقتصادية المحلية. لقد كشفت بعض التجارب الصينية أن التحول الريفي يمكن أن يتخذ اتجاهًا معاكسًا للهجرة التقليدية من القرى إلى المدن، عندما تتوافر أنشطة اقتصادية جديدة ومساحات لريادة الأعمال والعمل والإبداع. ولم تعد العودة إلى القرية في هذه الحالات تعني بالضرورة العودة إلى المهنة الزراعية التقليدية أو التخلي عن فرص الاقتصاد الحديث، بل قد تعني نقل المعرفة والمهارات والاستثمارات إلى بيئة محلية أصبحت أكثر قدرة على استيعابها. وبذلك يصل النقاش إلى سؤال لا يقل أهمية عن كيفية تحويل القرية إلى وحدة اقتصادية منتجة؛ كيف يمكن تحويلها إلى مكان يرغب الإنسان في بناء مستقبله فيه؟ فنجاح التنمية الريفية لا يُقاس فقط بما تنتجه الأرض أو المصانع أو المتاجر الإلكترونية، وإنما كذلك بقدرتها على الاحتفاظ بالطاقات البشرية واستقطاب المهارات وخلق فرص تتيح للأجيال الجديدة المشاركة في تطوير مجتمعاتها. فالقرية التي تنتج الدخل قد تحقق نموًا اقتصاديًا، أما القرية التي تستطيع أن تجعل أبناءها يعودون إليها ويستثمرون مستقبلهم فيها، فإنها تكون قد اقتربت من المعنى الأعمق للتنمية المستدامة. ومن هنا يبدأ السؤال الأكثر إنسانية في هذه التجربة؛ لماذا يعود الشباب إلى القرية؟ ************ ** "من الصين إلى عُمان"، سلسلة فكرية وتحليلية من 8 مقالات أسبوعية تتناول التجربة الصينية في الإدارة المحلية والتنمية الريفية، وتبحث في إمكانات الاستفادة من مناهجها لبناء نموذج تنموي ينطلق من خصوصية المحافظات والولايات والقرى العُمانية.
المصدر: الرؤية