المعارض والأيام الثقافية.. حين تصنع الفعاليات هوية المدينة البصرية
لم تعد هوية المدن تُبنى من خلال العمارة والشوارع والميادين وحدها، بل أصبحت الصورة التي تقدم بها المدينة نفسها جزءاً أساسياً من هويتها الثقافية والبصرية. فكل لون في شارع وكل جدارية على مبنى وكل معرض فني وكل فعالية ثقافية، يمكن أن يتحول إلى عنصر في الذاكرة البصرية للمكان. هنا تبرز أهمية المعارض الفنية والأيام الثقافية باعتبارها أكثر من مجرد أحداث تقام لفترة محدودة بل تشكل حيّزاً يمكننا من إعادة اكتشاف المدينة وإعادة تقديمها لسكانها وزوارها من خلال الفن والثقافة والصورة. == الأيام الثقافية مساحة لإعادة اكتشاف المكان. المعرض الفني عندما يقام في فضاء عام أو مؤسسة ثقافية أو مبنى تاريخي، فإنه لا يعرض الأعمال الفنية فقط، بل يفتح حواراً بين العمل والمكان. فاللوحة أو الصورة أو العمل التشكيلي لا يعيش منفصلاً عن محيطه إذ يمكن للمكان أن يمنحه معنى إضافياً كما يمكن للعمل الفني أن يعيد لفت الانتباه إلى تفاصيل في المدينة ويعزز هويتها البصرية والتي في الغالب اعتاد الناس رؤيتها دون تأمل. وهنا يتحول المعرض من مساحة لعرض الأعمال إلى وسيلة لقراءة المدينة بصرياً وثقافياً. صورة لشارع قديم، أو مجموعة فوتوغرافية توثق الأسواق والأحياء، أو معرض للفن المعاصر في مبنى تراثي، يمكن أن تجعل سكان المدينة ينظرون إلى المكان نفسه بطريقة مختلفة. وهذا أحد أهم أدوار الفن في صناعة الوعي بالمكان. == الأيام الثقافية.. تحويل الثقافة إلى مشهد بصري. تتميز الأيام الثقافية بقدرتها على تحويل المدينة إلى فضاء مفتوح للنشاط الثقافي. فهي تجمع المعارض، والموسيقى، والندوات، والعروض، والحرف، والكتب، والفنون البصرية في سياق واحد، لتصبح الثقافة حاضرة في الحياة اليومية للناس، لا محصورة داخل المؤسسات المتخصصة. وعندما تُصمم هذه الفعاليات بهوية بصرية واضحة، تشمل الألوان والخطوط والملصقات واللافتات والمواد الإعلانية وطريقة تنظيم الأماكن، فإنها تترك أثراً يتجاوز مدة الفعالية ليصبح جزأء من وعينا البصري. قد يتذكر الناس لوناً معيناً، أو ملصقاً، أو جدارية، أو طريقة معينة في تزيين الشوارع، فتتحول هذه العناصر مع الوقت إلى جزء من ذاكرة المدينة وطابعا ينعكس على حياتنا فالٌنسان بطبعه يمارس نوعا من الفن خلال عيشه لتفاصيل يومه ابسطها اختيار نمط اللباس وديكور المكان الذي يعيش به وما يفضله من تكوينات وألوان. وهنا يظهر الدور الحقيقي للتصميم الجرافيكي والتصوير الفوتوجرافي في بناء المدن فالتصميم ليس مجرد أداة للإعلان عن الحدث وإنما لغة بصرية قادرة على ربط الحدث بالمكان. يمكن أن يكون هذا الأثر جدارية دائمة، أو معرضاً فوتوغرافياً يوثق تاريخ المدينة، أو أرشيفاً بصرياً رقمياً، أو مجموعة من الأعمال التي تبقى في الفضاء العام، أو حتى نظاماً بصرياً يعاد استخدامه في مناسبات المدينة. بهذه الطريقة تتحول الفعالية من حدث زمني إلى طبقة جديدة في الذاكرة البصرية للمكان. فالمدينة في نهاية المطاف ليست مباني فقط، وإنما مجموعة من الصور والمشاهد والرموز التي تتراكم في ذاكرة سكانها. لا يمكن بناء هوية بصرية حقيقية للمدينة بمجرد استخدام ألوان جذابة أو تصميم شعار جديد. الهوية البصرية الناجحة يجب أن تنطلق من شخصية المدينة نفسها: تاريخها، عمارتها، طبيعتها، صناعاتها، أسواقها، سكانها، قصصها اليومية، وأشكال الحياة فيها. فالمدينة القديمة لها مفرداتها البصرية، والمدينة الصناعية لها مفرداتها، والمدينة الساحلية لها مفرداتها، وكذلك المدن التي تشكلت حول التجارة أو الزراعة أو السكك الحديدية أو الحرف. لذلك ينبغي أن تكون المعارض والأيام الثقافية مساحة لاكتشاف هذه المفردات وتقديمها بصيغة معاصرة. وهنا يأتي دور الفنان والمصور والمصمم في استخراج الهوية البصرية الموجودة أصلاً في المدينة، وليس اختراع هوية منفصلة عنها. == التصوير.. ذاكرة المدينة التي لا تتوقف. يحتل التصوير الفوتوغرافي مكانة خاصة في هذه العملية، لأنه يستطيع توثيق التفاصيل التي قد تختفي مع الزمن. صورة لواجهة متجر قديم، أو شارع شعبي، أو عامل في مهنته، أو سوق، أو مبنى تراثي، قد تصبح بعد سنوات وثيقة بصرية تحمل قيمة تاريخية وثقافية. ومن هنا يمكن للأيام الثقافية أن تتبنى مشاريع مستمرة لتوثيق المدينة بالصورة، بحيث لا يكون التصوير مجرد نشاط جانبي، وإنما جزءاً من مشروع ثقافي يحفظ الذاكرة البصرية للمدينة. فالمدينة التي لا توثق صورتها، قد تجد نفسها بعد سنوات أمام خطر فقدان جزء من ذاكرتها. ربما تكون أهم خطوة في تعزيز الهوية البصرية هي إخراج الفن من القاعات المغلقة إلى الفضاء العام. الجدران، الساحات، الممرات، واجهات المباني، محطات النقل، والأسواق يمكن أن تتحول إلى مساحات للفن والتصميم إذا تمت إدارتها بطريقة مدروسة. لكن تحويل المدينة إلى معرض مفتوح لا يعني إغراقها بالألوان واللوحات بشكل عشوائي؛ بل يتطلب رؤية تحترم العمارة والبيئة البصرية وتوازن بين الفن والمكان. فالهوية البصرية القوية ليست كثرة العناصر، وإنما قدرة العناصر على الانسجام وصناعة صورة واحدة متماسكة. == المدن التي تحكي بصرياً.. مدن تُتذكر؟. في عالم أصبحت فيه الصورة وسيلة أساسية للتواصل، أصبحت المدن أيضاً بحاجة إلى أن تعرف كيف تقدم نفسها بصرياً. السائح لا يتعرف إلى المدينة من المعلومات المكتوبة فقط، بل من الصور التي يراها عنها. والسكان أنفسهم يبنون علاقتهم بالمكان من خلال التفاصيل البصرية التي تحيط بهم يومياً. لذلك فإن الاستثمار في المعارض والأيام الثقافية ليس استثماراً في الترفيه وحده، بل يمكن أن يكون استثماراً في الهوية والانتماء والذاكرة والاقتصاد الثقافي. فالمدينة التي تمتلك صورة بصرية واضحة تصبح أكثر قدرة على أن تُعرّف بنفسها، وأن تحافظ على خصوصيتها، وأن تنافس المدن الأخرى دون أن تفقد شخصيتها. ربما نحتاج اليوم إلى الانتقال من فكرة "إقامة فعالية ثقافية" إلى فكرة أوسع: بناء مشروع بصري مستمر للمدينة. مشروع يجمع الفنان والمصور والمصمم والمعماري والمؤسسة الثقافية والبلدية والمجتمع المحلي، ويعمل على اكتشاف عناصر المدينة وتوثيقها وتطويرها وتقديمها للأجيال الجديدة. عندها لن تكون الأيام الثقافية مجرد موعد ينتظره الناس ثم ينتهي، ولن يكون المعرض مجرد قاعة مليئة بالأعمال. بل ستصبح الثقافة جزءاً من المشهد اليومي للمدينة. فالمدينة التي تحافظ على ذاكرتها البصرية، تستطيع أن تبني مستقبلاً له ملامحه الخاصة. وفي النهاية، لا تُقاس هوية المدينة بعدد الفعاليات التي تستضيفها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الفعاليات إلى أثر يبقى في المكان، وفي ذاكرة الإنسان، وفي الصورة التي يحملها الناس عن مدينتهم.
المصدر: الدستور