شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الأمن الفكري.. مسؤولية وطنية

الأمن الفكري.. مسؤولية وطنية

محمد بن حمد البادي [email protected] ماذا لو أصبحت قناعاتنا تتشكل جزئيًا بما تختاره لنا الخوارزميات، لا بما نختاره نحن؟ هنا تكمن إحدى أخطر تحديات العصر الرقمي؛ إذ لم تعد المنصات مجرد أدوات للتواصل والمعرفة، بل أصبحت قوى مؤثرة في تشكيل الوعي المجتمعي وتوجيه الرأي العام، وقد تمتد آثارها إلى الهوية الوطنية، أو التأثير في شعور الأجيال بالانتماء الوطني. الخوارزميات لا تكتفي بعرض المحتوى؛ بل تسهم في تحديد المحتوى الذي يجب أن نراه، وما نقرأه، وما يتكرر أمامنا، وما يغيب عن وعينا، فهي ترتب المنشورات، وتستدعي المعلومات؛ وفق بيانات المستخدمين واهتماماتهم وأنماط تفاعلهم والمعلومات الشخصية المتوفرة عنهم، وترتبط هذه الآليات في كثير من نماذج الأعمال الرقمية بزيادة التفاعل ووقت الاستخدام لتعظيم الإيرادات، وقد يجد المستخدم نفسه محاطًا بآراء متشابهة وروايات منتقاة، وقصص متوافقة مع قناعاته السابقة؛ حتى يظن أن ما تعرضه شاشته يمثل الحقيقة كاملة، دون أن يدرك كيف أسهم التكرار والانتقاء تدريجيًا في تشكيل أفكاره. والأخطر أن هذه الآليات قابلة للاستغلال من جهات تسعى إلى تحقيق مصالح تجارية أو دعائية أو أيديولوجية، فالتأثير في الرأي العام لا يتطلب دائمًا فرض الأفكار مباشرة؛ فقد يتحقق بطرق أسهل بكثير من ذلك؛ قد يتحقق بتضخيم رواية، أو إثارة الانفعالات، أو تكرار رسائل محددة، أو صرف الانتباه عن حقائق أخرى، ومع تراكم هذه التأثيرات، قد تتغير نظرة الأفراد إلى مجتمعهم ومؤسساته وتاريخه، وتتسع الفجوة بين الأجيال ومرجعياتها الوطنية. وهنا تتجلى خطورة الأمر على الناشئة، فإذا أصبحت المنصات الرقمية مصدرًا رئيسًا لتشكيل تصوراتهم عن العالم، فقد تتأثر نظرتهم إلى وطنهم وقيمه وتاريخه بمحتوى لا يراعي بالضرورة خصوصية ذلك المجتمع أو أولوياته، وليس الخطر في الانفتاح على الثقافات الأخرى، بل في أن يصبح هذا الانفتاح أحادي القطب، وأن تتراجع قدرة الناشئة على التمييز بين المعرفة والتضليل، وبين الاختلاف الطبيعي ومحاولات التأثير الموجه. ومن هنا، لا يجوز اختزال الأمن الفكري في التحذير من الشائعات أو الدعوة إلى التمسك بالهوية الوطنية؛ فالأمن الفكري الحقيقي هو قدرة الفرد على فحص الأفكار، والتحقق من المعلومات، وتمحيص محتواها، وتكوين قناعات مستقلة، واتخاذ مواقف واعية تحمي ثوابت المجتمع وتماسكه، وهذه القدرة لا تُبنى بالخطب والشعارات البراقة، بل بالتدريب والممارسة اليومية. يتطلب التطبيق العملي للأمن الفكري تكامل أدوار المدرسة والأسرة والمؤسسات الإعلامية والثقافية؛ من خلال تنمية قدرة الطلبة على التحقق من المعلومات، وكشف التضليل، وفهم آليات الخوارزميات وتأثيرها في تشكيل القناعات، وتعزيز الحوار الأسري الواعي، وتقديم محتوى إعلامي موثوق يرسخ الاعتدال ويعمّق معرفة الناشئة بتاريخ عُمان وقيمها وهويتها الوطنية، من أجل بناء جيل يمتلك التفكير النقدي، ويكوّن قناعاته باستقلالية ووعي، دون أن يكون عرضة للتوجيه الرقمي غير الواعي. وعلى المستوى الوطني، ينبغي الانتقال من المبادرات المتفرقة، والتوعية غير المنهجية؛ إلى تبني برامج مستدامة لحماية الأمن الفكري الرقمي، تتحدد فيه مسؤوليات الجهات المعنية وآليات التنسيق بينها، وتُرصد من خلاله مستجدات المخاطر الفكرية، وتُطوّير برامج تستجيب لتغير أساليب التأثير الرقمي، ولا بُد أن تخضع هذه البرامج للتقييم الدوري بما يواكب التطور الرقمي، لتزودنا باستمرار بمؤشرات تقيس قدرة الطلبة والشباب على اكتشاف التضليل والتحقق من المصادر وفهم آليات التوصية الرقمية، لا بمجرد إحصاء الندوات والحملات المنفذة؛ ثم إصدار القرارات والتوصيات، فالمعيار الحقيقي هو التغير في وعي الإنسان وسلوكه وقدرته على اتخاذ موقف مستقل ومسؤول، وهذا من الركائز الأساسية في صون الهوية العُمانية، بما يتوافق مع ثوابت الشريعة الإسلامية والعادات والتقاليد الأصيلة، وبما يتكامل مع تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040 في بناء إنسان مستقل فكريًا. إنَّ حماية عُمان في العصر الرقمي تبدأ ببناء عقول تعرف وطنها، وتفهم العالم، وتفحص بعناية ما تتلقاه، وتعتز بهويتها عن معرفة واقتناع؛ فالعقول التي لا نحصّنها بالوعي قد تسبقنا قوى أخرى تتولى تشكيلها وفق أولويات لا تخدم مستقبلنا، لذلك؛ من الضروري جدًا الانتقال من التحذير إلى الفعل، فلا يجوز أن نترك الخوارزميات تنفرد بالتأثير في تصورات أبناء عمان عن وطنهم، فالأمن الفكري مسؤولية وطنية.

المصدر: الرؤية