شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

حين تتجاوز التنمية تحديات الجغرافيا.. الميدان يصنع الفارق

حين تتجاوز التنمية تحديات الجغرافيا.. الميدان يصنع الفارق

حمود بن سعيد البطاشي ليست المسافات التي تفصل القرى عن المدن هي ما يصنع الفجوة التنموية، وإنما المسافة بين احتياجات الناس ومواقع اتخاذ القرار؛ فالتنمية ليست سباقًا إلى تشييد المشروعات، بل قدرة المؤسسات على إيصال أثرها إلى الإنسان، حيثما استقر به المقام، ولو كان مسكنه على قمة جبل أو في أقصى وادٍ. وفي سلطنة عُمان، حيث تتنوع التضاريس وتتباين طبيعة التجمعات السكانية، تبرز تحديات لا تكفي لمعالجتها الخطط المكتبية وحدها؛ إذ تتطلب فهمًا لطبيعة المكان، وإدراكًا لأولويات السكان، ومرونة في توظيف الموارد. وليس من الإنصاف أن تُقاس احتياجات القرى الجبلية بمعايير المدن ذاتها؛ فاختلاف الجغرافيا يستدعي تنوع الحلول، دون الإخلال بمبدأ العدالة في الحصول على الخدمات. ومن واقع متابعتي للشأن التنموي في ولاية دماء والطائيين بمحافظة شمال الشرقية، استوقفني ما ألمسه من حضور ميداني لسعادة الشيخ محمد بن سالم المعشني، والي الولاية، ومتابعته للمشروعات الخدمية، وحرصه على تسريع تنفيذها. ولعل إنجاز الطرق الداخلية بوتيرة سريعة، كما عايشناه على أرض الواقع، يقدم مثالًا على أهمية المتابعة المباشرة في دفع الأعمال نحو غاياتها. غير أن ما يستحق التأمل بصورة أعمق هو الاهتمام بالطرق الجبلية، ولا سيما في مناطق الجبل الأبيض، حيث تعيش أسر عُمانية في تجمعات سكانية تعانق القمم، وتواجه تحديات يومية في التنقل والوصول إلى الخدمات، وفي مقدمتها التعليم. إن رصف تلك الطرق بالإسفلت ليس أمرًا يسيرًا؛ فوعورة التضاريس والانحدارات الحادة والمتطلبات الهندسية تفرض تكاليف مالية كبيرة. وهنا تتجلى قيمة المعالجة الواقعية التي لا ترهن كل تحسين باكتمال الاعتمادات المالية. فقد لمسنا حرص سعادة الوالي على توجيه المعدات لتمهيد الطرق الجبلية وتحسين انسيابية الحركة فيها، بما يخفف مشقة الأهالي وطلاب المدارس، ريثما تتوافر الإمكانات لتنفيذ حلول دائمة. وهذه المقاربة تقدم فهمًا عمليًا للمسؤولية العامة؛ فمحدودية الموارد لا تعني محدودية المبادرة، وتعذر الحل الجذري لا ينبغي أن يمنع اتخاذ إجراءات تخدم الناس، شريطة مراعاة السلامة وعدم اعتبار الحلول المؤقتة بديلًا عن المشروعات الأساسية. ولنتأمل المشهد من زاوية إنسانية: ماذا يعني أن يغادر طفل منزله في أعالي الجبال قاصدًا مدرسته، وأن يكون الطريق جزءًا من مشقته اليومية؟ إن تحسين ذلك الطريق لا يُختزل في تسوية أرض أو إزالة عائق، بل يمتد أثره إلى انتظام التعليم، وسهولة الوصول إلى الرعاية الصحية، وحركة الأسر واستقرار المجتمعات المحلية. الطريق في الجغرافيا الوعرة ليس مرفقًا تكميليًا، بل أحد شروط الحياة الكريمة. ومع ما تستحقه هذه الجهود من تقدير، فإن التجربة تثير سؤالًا إداريًا مهمًا: كيف يمكن تحويل فاعلية المتابعة الميدانية من مبادرات مرتبطة باهتمام المسؤول إلى منظومة مؤسسية تضمن استمرار الإنجاز، مهما تغير الأشخاص وتعاقبت المسؤوليات؟ إن الإجابة تبدأ بوضع أولويات واضحة، وتحديد جداول زمنية واقعية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة، وقياس الأثر الفعلي على حياة السكان، لا الاكتفاء بنسب الإنجاز الواردة في التقارير. كما تستدعي الطرق الجبلية برامج صيانة منتظمة، وتقييمًا هندسيًا لمواضع الخطورة، وخططًا مرحلية للتحسين والرصف وفق الاحتياجات والإمكانات. وليس المقصود التقليل من التحديات المالية والفنية، بل التأكيد على أن حسن إدارة الموارد لا يقل أهمية عن حجمها، وأن كفاءة الإنفاق العام تظهر حين تُوجَّه الإمكانات إلى المواضع التي تحقق أعظم نفع للمجتمع. إن المتابعة الميدانية التي نلمسها من سعادة والي دماء والطائيين تستحق الإشارة؛ لأنها تُبرز أهمية قرب المسؤول من احتياجات المواطنين. فحين ينتقل القرار من المراسلات إلى مواقع العمل، تصبح المشكلات أكثر وضوحًا، وتتحدد الأولويات وفق الواقع، وتتسع فرص المعالجة. لكن التنمية المنشودة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الاجتهادات الفردية، مهما بلغت قيمتها؛ فالمؤسسات القوية تجعل المبادرة نهجًا، والمتابعة التزامًا، وجودة الخدمة حقًا مستقرًا لا يرتبط بظرف أو شخص. إن العدالة التنموية لا تعني تماثل المشروعات بين المناطق، وإنما حصول كل مجتمع على ما يلائم احتياجاته وظروفه، وأن تكون سلامة الإنسان وكرامته وفرصه في التعليم والعمل أساسًا لترتيب الأولويات. وإذا كان من حق المدن أن تتطلع إلى مزيد من التطور، فمن حق القرى الجبلية ألّا يبقى الوصول الآمن إليها حلمًا مؤجلًا. ولعل الرسالة الأهم أن التنمية لا تحتاج دائمًا إلى انتظار المشروعات الكبرى حتى يشعر المواطن بأثرها؛ فقد تبدأ بإزالة عائق من طريق، أو تسهيل وصول طالب إلى مدرسته، أو معالجة مشقة ظلت تؤرق أسرة لسنوات. ويبقى الطموح أكبر من الحلول المرحلية؛ فلا بد أن تظل الطرق الجبلية ضمن التخطيط التنموي طويل الأمد، حتى تتكامل المعالجات العاجلة مع الاستثمارات المستدامة؛ فالأوطان لا تُقاس نهضتها بما بلغته التنمية في مراكز المدن وحدها، بل بقدرتها على بلوغ الإنسان في أبعد مواضعها. وحين تصل التنمية إلى المواطن فوق قمم الجبال، تكون قد قطعت مسافة أبعد من الجغرافيا؛ مسافةً نحو الإنصاف والثقة ومعنى التنمية الحقيقي.

المصدر: الرؤية