شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

رياضتنا ومتلازمات إنتاج الإخفاق

رياضتنا ومتلازمات إنتاج الإخفاق

سالم بن ربيع الغيلاني في رياضتنا، لا تحتاج إلى كثير عناء لتفهم ما يحدث؛ يكفي أن تتابع المشهد لفترة وجيزة لتدرك أنك أمام نظام لا يخطئ بالصدفة، بل يخطط لخطئه بعناية، ثم يدافع عنه باعتزاز. نحن لا نعاني من نقص في الوعي بالمشكلات، بل من وفرة مذهلة في القدرة على التعايش معها، بل وتحويلها إلى تقاليد مؤسسية راسخة. رياضتنا تعيش عصرا من المتلازمات التي ترسخ الإخفاق بصور براقة، قانون يُكتب ليُستثنى، تابع يضمن ألا أحد يزعج الرئيس بالحقيقة، إدارة تختار السكون كخطة عمل، ثم خطاب جاهز يشرح للجميع لماذا كان الإخفاق حتميًا منذ البداية. النتيجة؟ دورة مكتملة الأركان، يمكن إعادة تشغيلها بسهولة كلما تغيرت الوجوه، مع الحفاظ على النهاية نفسها، وكأننا أمام نسخة رياضية من إعادة البث. متلازمة التابع المطيع هي البداية الفعلية لأي قصة فشل محترمة. هذا التابع ليس ساذجًا كما قد يبدو، بل محترف في قراءة المزاج العام للرئيس، وضبط كلماته وفقًا لذلك. هو لا يقول ما يعتقده، بل ما يجب أن يُقال ليبقى كل شيء على ما يرام. في حضوره، تختفي الآراء المختلفة كما تختفي الأخطاء من التقارير الرسمية. الرئيس دائمًا على صواب، ولا يعتريه الخطأ من بين يديه ولا خلفه! التابع هنا يؤدي أدوارًا متعددة: مستشار، ومهدئ أعصاب، ومترجم فوري يحول قرارات الرئيس مهما كانت غرابتها وعدم اتساقها مع الواقع إلى رؤى استراتيجية. ومع الوقت، تتحول العلاقة بين الطرفين إلى اعتمادٍ متبادل: رئيس لا يستطيع العمل دون هذا الصوت المُطَمْئِن، وتابع لا يستطيع البقاء دون هذا القرب الدافئ من مركز القرار. المشكلة الوحيدة أن المؤسسة، في هذه الأثناء، تكون قد دخلت في غيبوبة إدارية، لا تصحو منها إلا بعد وقوع الكارثة، وحينها يكتشف المتبوع أنه كان تابعًا. متلازمة السكون تأتي كخيار عقلاني جدًا، إذا كان الهدف هو النجاة، لا النجاح. الفكرة بسيطة: كلما عملت أقل، أخطأت أقل، وبالتالي تتعرّض لنقد أقل. لماذا إذن نخاطر؟ هكذا تتحول بعض مؤسسات الرياضات قليلة الشهرة إلى كيانات حذرة، تتحرك ببطء شديد. الأنشطة فيها تُختصَر، والمبادرات تُؤجَّل، وكل مشروع جديد يُعامل كقنبلة موقوتة يجب التعامل معها بحذر شديد أو تجاهلها تمامًا. ففي الخلفية، هناك ضجيج اسمه كرة القدم يغطي على هذا الصمت المريح، ويلفت مسامع وأنظار الجمهور عنها بعيدًا. الإنجازات في هذه المؤسسات تُقاس بعدد الصور في المؤتمرات، وعدد الرحلات لحضور الاجتماعات، وعدد المرات التي قيل فيها "تمثيل مشرّف". أما النتائج الفعلية، فهي تفاصيل يمكن تأجيلها إلى موسم قادم، أو إلى إدارة قادمة. متلازمة الإمكانيات هي المرحلة التي يبدأ فيها العرض الكوميدي. فجأة، يكتشف الجميع أن الموارد محدودة. نفس الأشخاص الذين وعدوا بتغيير شامل، يتحولون إلى خبراء في شرح لماذا لا يمكن تغيير شيء. الميزانية متواضعة، والدعم غير كافٍ، والظروف لا تساعد، وباختصار، الكون لم يتعاون. والأجمل أن هذا الخطاب يُقال بثقة كبيرة، وكأنه كشف جديد، لا حجة مستهلكة. ومع كل هذا، لا تجد أحدًا يقول: ربما المشكلة في طريقة الإدارة نفسها. لا، فهذا احتمال مستبعد جدًا. الأسهل دائمًا هو إلقاء اللوم على كل ما هو خارج دائرة القرار، ثم إعادة المحاولة من خلال ترشح جديد بنفس الطريقة، على أمل أن تتغير النتيجة هذه المرة، لسببٍ ربما يكون معلّقاً خلف أستار علم الغيب. متلازمة الاستثناءات هي اللمسة الأخيرة التي تجعل الصورة مكتملة؛ فالقوانين موجودة، نعم، لكنها شديدة المرونة؛ إلى حدٍّ يجعلها في بعض الحالات أقرب إلى الغياب منها إلى الحضور. وما إن يظهر أول اختبار حقيقي، حتى يبدأ البحث عن «حلول استثنائية»؛ أي طرق أنيقة لتجاوز ما جرى الاتفاق عليه قبل أيام فقط. والاستثناء هنا ليس حالة طارئة، بل أسلوب عمل ينسف القوانين، ويفرغ مفاهيم الحوكمة التي ينظّر بها بعض المسؤولين ويتشدقون بضرورة تطبيقها في كل مناسبة من معناها. فعند أول اختبار تطبيقي، تتحول النظريات إلى دخان يتسلل عبر شقوق الاستثناءات والتبريرات. فالقاعدة تُحترَم نظريًا، وتُكسَر عمليًا، مع الحفاظ على مظهر الالتزام الكامل. وهكذا، تتحول النصوص إلى ديكور، واللوائح إلى اقتراحات قابلة للنقاش. وفي بيئة كهذه، لا يعود غريبًا أن تسير الأمور بهذا الشكل؛ الغريب فقط أن نتوقع نتيجة مختلفة. في النهاية، قد يبدو الاحتماء بشمَّاعة الإمكانيات مخرجًا مريحًا، لكنه في الحقيقة مجرد تأجيل للمواجهة. المشكلة ليست فيما نملك، بل في طريقة التفكير والإدارة، ثم في الحرفية العالية في تبرير النتائج لاحقًا. فالموارد المحدودة يمكن إدارتها، لكن غياب المساءلة، والخوف من اتخاذ القرار، والإصرار على الأدوات نفسها، هي ما يصنع الفارق الحقيقي. ما يحدث ليس إخفاقات متفرقة، بل منظومة متماسكة؛ تابع يغلق باب النقد، ومؤسسة تختار السكون، وخطاب يبرر كل شيء، وقانون يُفصّل حسب الحاجة. وفي هذا الحال، يصبح الإخفاق نتيجة طبيعية لا مفاجأة. وهكذا، تستمر رياضتنا في تقديم العرض ذاته: بداية مليئة بالوعود، ومسار ينتهي بالتبرير، ونهاية معروفة سلفًا. وحدها الأسماء تتغير، حتى لا يبدو المشهد مكررًا أكثر مما هو عليه.

المصدر: الرؤية