الأغلبية المفقودة.. هل ينهار "الوسط" الأوروبي؟
في خريف 2026، يمكن لمراقب أوروبي أن يضع ثلاث صور متجاورة على طاولته فيرى المشهد نفسه بثلاث لغات. في باريس، رئيس وزراء بلا أغلبية يحاول تمرير آخر موازنة في عهد ماكرون، ومرشحة اليمين المتطرف تتصدر استطلاعات الرئاسة بفارق كاسح. وفي برلين، مستشار لا يرضى عن أدائه سوى 10% من مواطنيه، وحزب يميني متطرف اقترب حسابياً من حكم ولاية ألمانية للمرة الأولى منذ الحرب، وإن ظل طريقه السياسي إليها محاصراً بجدار العزل الحزبي. وفي لندن، رئيس وزراء أُطيح به بعد سلسلة استطلاعات كارثية، وخلَفٌ يحاول إنقاذ حزبه بالابتعاد عن الوسط نفسه. والسؤال الذي يجمع الصور الثلاث بات يُطرح بصراحة في صحافة القارة: هل نشهد انهيار الوسط السياسي الذي بنى أوروبا الحديثة؟ باريس.. الموازنة الأخيرةتبدأ القصة من فرنسا، حيث تبدو الأزمة الأكثر حدة. فحكومة سيباستيان لوكورنو، التي لا تملك أغلبية في الجمعية الوطنية، تخوض معركة موازنة 2027 بتقشف يقارب 54 مليار يورو، في بلد بلغ دينه العام 119% من ناتجه المحلي، ولا يملك رئيس وزرائه طريقاً مضموناً لتمرير الموازنة بالتصويت البرلماني المعتاد. وفي المقابل، تتقدم مارين لوبان في استطلاعات الرئاسة بما بين 37% و38% في الجولة الأولى، متقدمة بفارق واسع على جان لوك ميلانشون (أكثر من 18%) وإدوار فيليب (17%). والدلالة الأعمق في هذه الأرقام أن مرشح الوسط، الذي حكم معسكره فرنسا منذ 2017، بات يتنافس على المركز الثاني مع مرشح أقصى اليسار، في مشهد يرسم احتمال جولة ثانية بين الطرفين يغيب عنها الوسط كلياً.ألمانيا.. حافة الحكملكن ألمانيا هي التي تقدّم الصورة الأكثر إثارة للقلق، لأنها البلد الذي بُنيت هويته السياسية بعد الحرب على رفض التطرف. ففي السادس من سبتمبر، فاز حزب «البديل من أجل ألمانيا» في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت بنسبة 43.8%، في أفضل نتيجة في تاريخه، وأضعف نتيجة للحزب المسيحي الديمقراطي في ولاية يحكمها منذ 2002. وحصل الحزب على 39 مقعداً من أصل 83، أي أقل بثلاثة مقاعد من الأغلبية. وحسابياً، يستطيع نواب «تحالف سارة فاغنكنشت» الخمسة، المنشق عن حزب اليسار والمناهض للهجرة، أن يمنحوه الأغلبية، إذا انهار الحاجز السياسي بين الطرفين. ولم تكن ساكسونيا أنهالت استثناءً؛ فقد جرت في 20 سبتمبر انتخابات في ولايتي ميكلنبورغ فوربومرن وبرلين، وتصدّر «البديل» إحداهما بنسبة 38%، متقدماً بفارق ضئيل على الاشتراكيين الديمقراطيين، فيما فاز اليسار الراديكالي في ولاية أخرى. أي أن ثلاث ولايات ألمانية صوّتت في أسبوعين لطرفي الطيف، وتراجع الوسط في جميعها.وعلى المستوى الاتحادي، تتسع الهوة شهراً بعد شهر. فاستطلاع «دويتشلاند ترند» لشهر أكتوبر منح «البديل» 27%، مقابل 20% فقط للتحالف المسيحي الحاكم، وهو أدنى رقم له منذ 2021. وفي استطلاع لمعهد «إنسا» نشرته صحيفة «بيلد» مطلع الشهر، بلغ «البديل» 30.5% للمرة الأولى، متقدماً بفارق قياسي بلغ 13 نقطة. أما ميرتس نفسه، فقد تراجعت نسبة الراضين عن أدائه من 13% في سبتمبر إلى 10% في أكتوبر، وهي أدنى نسبة يسجلها مستشار ألماني منذ بدء هذه القياسات عام 1997، فيما أبدى 88% عدم رضاهم.وتكشف أرقام البرلمان كيف تآكل الوسط الألماني بنيوياً. فحين شكّلت أنغيلا ميركل أول «ائتلاف كبير» في 2005، سيطر الحزبان الكبيران على 73% من مقاعد البوندستاغ، وكان الائتلاف رسالة طوارئ تهدف إلى صنع أغلبية فائقة الاستقرار. أما ائتلاف ميرتس اليوم، المكوّن من الحزبين نفسيهما، فلا يملك سوى 52%، أي أغلبية بالكاد تكفي للحكم. وفي عقدين، فقد «الحزبان الشعبيان» اللذان صنعا ألمانيا الاتحادية ربع حضورهما البرلماني تقريباً.والمفارقة أن هذا الانهيار يحدث في لحظة تحسّن اقتصادي نسبي. فميرتس يستشهد بتوقعات نمو 1.3% لعام 2026، أي ضعف التقديرات السابقة، وبتدفق الاستثمارات الأجنبية. لكن «بلومبرغ» ترى أن التعافي قد يأتي متأخراً جداً لإنقاذ المستشار، الذي بات الأقل شعبية في السجلات، مثقلاً بحزب غير محبوب وائتلاف متنازع، وبأزمات لا يملك التأثير فيها، من صناعة السيارات المتعثرة إلى رسوم ترامب الجمركية. وهنا يكمن درس أول. فالناخب يصوّت على شعوره بحصته من النمو أكثر مما يصوّت على الرقم نفسه، وعلى قدرة الدولة على ضبط الهجرة والخدمات والأمن وكلفة المعيشة. وحين تتراجع الثقة بالمؤسسات، يصبح التحسن الاقتصادي خبراً في الجداول، لا يعيشه الناس تجربةً في حياتهم.لندن.. إنقاذ الوسطوإذا كانت فرنسا وألمانيا تقدّمان صورة اليمين المتطرف وهو يتقدم نحو السلطة، فإن بريطانيا تقدّم نموذجاً مختلفاً، يكشف وجهاً آخر للأزمة نفسها. ففي 22 يونيو، استقال كير ستارمر بعد سلسلة استطلاعات كارثية، وتولى آندي بيرنهام زعامة حزب العمال ثم رئاسة الحكومة، بعد أن ظل الحزب متأخراً عن «ريفورم» بزعامة نايجل فاراج قرابة 18 شهراً. وكانت أرقام تلك الفترة قاسية: فحزب العمال الذي فاز بأغلبية كاسحة في يوليو 2024 هبط إلى 17% في ربيع 2026، فيما بلغ «ريفورم» ذروته عند نحو 32% في سبتمبر 2025، وصعد الخضر إلى 19% في مايو. وكانت تلك صورة نموذجية للتفتت: حزبان كبيران يذوبان، وثلاثة أحزاب أصغر تتقاسم الإرث.لكن ما حدث بعد ذلك يستحق التأمل. فقد جاء بيرنهام بخطاب يبتعد عن الإدارة الوسطية الحذرة التي ميّزت ستارمر، متعهداً بأكبر تغيير منذ 40 عاماً، وبإلغاء إصلاحات مارغريت تاتشر في الثمانينيات، ومنح الناس سيطرة أكبر على قطاعات السكن والمياه والطاقة. وجاءت النتيجة سريعة: فبعد أيام من توليه، وضع استطلاع «مور إن كومن» حزب العمال في المقدمة بـ28% مقابل 24% لـ«ريفورم»، للمرة الأولى منذ مارس 2025. وفي نهاية سبتمبر، منحت «سيرفيشن» الحزب 29% مقابل 23% لـ«ريفورم». غير أن هذا الارتداد يظل هشاً، إذ أظهر استطلاع لـ«يوغوف» في الأسبوع نفسه تقدم «ريفورم» بفارق طفيف.والأهم من الأرقام مصدرها. فبحسب تحليل لمؤسسة «بيرسويجن يو كيه» البحثية، جاءت المكاسب أساساً من ناخبي العمال عام 2024 العائدين إلى الحزب، ومعظمهم من «المنشقين التقدميين» الذين كانوا قد انتقلوا إلى الخضر. أي أن حزب الوسط اليساري استعاد قوته بالابتعاد عن الوسط نحو برنامج اقتصادي أكثر جذرية، لا بالاقتراب منه. وهذا هو الدرس البريطاني: الوسط قد ينجو، لكن بثمن التخلي عن جزء من هويته الوسطية.القارة لم تتطرفحين نضع العواصم الثلاث جنباً إلى جنب، تتضح صورة أعقد من «انهيار الوسط»، فقد خلصت دراسة لمعهد «بروكينغز» في يونيو إلى أن مكاسب اليمين المتطرف في المجر وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والدنمارك وإيطاليا جاءت بفعل تفتت التحالفات الواسعة المناهضة له، أكثر مما جاءت بفعل دعم أغلبي. وترى الدراسة أن الوسط تضرر من تراجع ما كان فعلياً أنظمة حزبين بأحزاب جامعة كبرى: العمال والمحافظون في بريطانيا، والمسيحيون الديمقراطيون والاشتراكيون الديمقراطيون في ألمانيا، ويمين الوسط ويسار الوسط في فرنسا. ويذهب تحليل آخر أبعد، إذ يرى أن ما حدث في أوروبا خلال العقد الأخير تفتت داخل الكتلتين الكبيرتين، اليسار واليمين، فيما ظل حجمهما الإجمالي ثابتاً تقريباً، ما يعني أن القارة لم تتحول إجمالاً نحو اليمين. وداخل كتلة اليمين، نشأ جيل من الناخبين لا يعيش في ظل ذكريات الحرب العالمية الثانية، ولا يرى فوارق كبيرة بين الوسط واليمين المتطرف.ومن هنا تتضح الأطروحة الأدق: الوسط الأوروبي يفقد وظيفته التاريخية تدريجياً، أكثر مما ينهار دفعة واحدة، وهذه الوظيفة هي قدرته على تحويل الأغلبية الاجتماعية إلى أغلبية سياسية. فالوسط لم يخسر كل ناخبيه، خسر الآلة التي كانت تجمعهم: الحزب الشعبي الكبير، والنقابات، والصحافة الوطنية، والهوية الطبقية المستقرة، والثقة بأن الحكومات قادرة على تحسين الحياة. ولهذا تستطيع الأطراف أن تتقدم دون أن تحوز أغلبية المجتمع؛ يكفيها أن يبقى خصومها موزعين، عاجزين عن بناء قصة مشتركة.حدود تتحركيتصرف الوسط إزاء هذا التحدي بطرق متناقضة، فحين يتحرك يمين الوسط نحو أرض اليمين المتطرف لاستعادة ناخبيه، يسرّع تآكل المحرمات بإضفائه الشرعية على أجندة خصمه. وفي المقابل، يرصد معهد «تشاتام هاوس» أن «البديل» تحول من حزب احتجاج هامشي إلى القوة البنيوية الرئيسية في ألمانيا، وأن «ريفورم» صار مركز الجاذبية لليمين البريطاني التائه، فيما نفّذ «التجمع الوطني» الفرنسي المناورة المعاكسة بالاقتراب من الوسط. والمعنى أن حدود «الوسط» نفسها يُعاد رسمها: الأطراف تقترب منه، والوسط يقترب من الأطراف.وللقصة اتجاه آخر أيضاً، فالمجر قدّمت هذا العام المثال المضاد الأوضح، تجلى في هزيمة فيكتور أوربان بعدما تجمّع معظم التصويت المعارض خلف منافس واحد، بدلاً من تبعثره بين أحزاب عاجزة عن تحدي "فيدس". كما أن حرب ترامب على إيران، بانعدام شعبيتها في أوروبا، حوّلت روابط اليمين المتطرف بتيار «ماغا» إلى عبء سياسي، يفتح فرصاً جديدة لهزيمته.طريقان للنجاةتبقى الخيوط المشتركة بين العواصم الثلاث واضحة؛ ديون ثقيلة، وتقشف يرفضه الشارع، وصدمة طاقة تضاعفها حرب بعيدة، وصناعة تفقد قدرتها التنافسية، وجيل جديد يتعامل مع السياسة بلا ذاكرة القرن العشرين. وفي هذا المناخ، يبدو الوسط التقليدي، بخطابه الإداري الحذر، كأنه يتحدث لغة لم يعد الناخبون يفهمونها.هل ينهار الوسط الأوروبي إذن؟ الأقرب إلى الدقة أنه يفقد قدرته على إقناع أكثرية موزعة بأنها تنتمي إلى المعسكر نفسه. فالأغلبية التي كانت تحمي الوسط تفككت إلى أقليات متجاورة، دون أن تصبح القارة متطرفة، ومن هذه الشقوق يتقدم خصومه. ويقدّم المثالان البريطاني والمجري طريقين للنجاة: إعادة اختراع الوسط بخطاب أكثر جرأة، أو إعادة تجميع الأقليات المتفرقة في جبهة واحدة. أما الطريق الثالث، أي الاستمرار في إدارة الأزمة بالأدوات القديمة، فتقول تجربة باريس وبرلين إنه يقود إلى النتيجة التي يخشاها الجميع.
المصدر: البيان